بصيرة الفؤاد في مواجهة «إيدز الحضارة»
تمثل النخب «الكريات
البيضاء» وخط الدفاع الحيوي للأمم، إلا أن الفيروس الحضاري الذي نطلق عليه «إيدز
الحضارة» لا يستهدف القوة المادية، بل يهاجم مباشرة حاسة التمييز والبصيرة لدى هذه
النخب، بغياب البصيرة تسقط الأمة في فخ العجز عن التفريق بين النافع والضار، فتتخذ
العدو صديقاً والمصلحة اللحظية هدفاً أسمى.
ويتجلى هذا
الهجوم بوضوح في الواقع المصرفي؛ حيث يترك الفيروس مباني المصارف شامخة لكنه يضرب بصيرة
نخبها المالية وفق الآتي:
1- على مستوى
التعرّف: تُصنف القروض الاستهلاكية المستنزفة للمجتمع كأرباح بدلاً من كونها
خطراً.
2- على مستوى
التحديد: يُفسر الإحجام عن تمويل المشاريع الإنتاجية (كالزراعة والصناعة) كتحفظ
مهني، بينما هو تهديد للسيادة الوطنية.
النتيجة: تتحول
المصارف من أدوات تنمية إلى وسائل لرهن إرادة المجتمع بالديون وزيادة البطالة رغم
ضخامة عمرانها.
وللحفاظ على هذه
البصيرة، لا بد من مراعاة مقومات المناعة السيادية التي تضمن استقلال الإرادة
ووضوح المرجعية.
إن هذا الارتهان
الاقتصادي مرآةٌ لغيابٍ أعمق يتصل برؤية النخب، وهو ما يمكن وصفه بـ«العشى الحضاري»،
أو خفوت نور البصيرة؛ الأمر الذي يدعونا للبحث في جذور الإدراك لاستعادة هذه
الحاسة الجوهرية.
1- المفهوم التأسيسي.. البصيرة كنور إلهي:
تتجاوز البصيرة
في الإسلام مجرد الذكاء؛ فهي نور إلهي يُقذف في القلب يُمكّن من رؤية الحقائق وراء
الزيف، وهي أداة التمييز بين الغث والسمين، وبين ما يُعلن وما يُبطن، وبغيابها،
تعجز النخبة عن رصد التهديدات؛ فتُفسر الهجمات الفكرية كفرص للتكامل، والثوابت
كعقبات للتقدم، وتفشل في تحديد العدو المتخفي خلف أقنعة المصالح المشتركة.
إنّ غياب
البصيرة أول علامات متلازمة الاختراق؛ إذ يُعطَّل المحور الأول (التعرّف) بشكل
كامل، وبالتالي تنهار المنظومة الدفاعية بأكملها.
2- المنظومة الثلاثية للمناعة الحضارية.. التعرّف والتحديد والتغيير:
في منظومة
الدفاع عن الهوية والمقومات، تسير العملية في 3 محاور حاسمة ومتسلسلة، وهي بمثابة
آلية عمل البصيرة في جسد الأمة:
الأول: التعرّف
(Recognition).. مهمة البصيرة: وهي الحاسة التي تُدرك
وجود الخلل أو الجسم الغريب أو الفكرة المتطفلة، حضارياً (إنكار المنكر)؛ لا بد
أولاً من التعرّف على وجود المنكر أو الخطر الحضاري، هنا تكمن الخطورة؛ فبدل أن
يتم تسجيل فكرة ما كخطر، تفسرها النخبة على أنها ضرورة حداثية، والمثال البارز هو
تفسير التبعية المطلقة للمنظومات الأجنبية على أنها شراكة إستراتيجية، بينما
البصيرة ترى فيها فقداناً للسيادة الروحية والفكرية.
الثاني:
التحديد/التصنيف (Identification).. إصدار الحكم القيمي: وهي عملية إصدار
الحكم بعد التعرّف؛ حضارياً يجب التعريف بأنه منكر شرعاً أو تهديد قيمي يناقض
الهوية.
إنّ خطأ النخبة
هنا يكمن في تحييد الخطر، أي الاعتراف بوجوده، لكن تصنيفه على أنه محايد أو قابل
للتكيف أو ثمن الحداثة لا مفر منه، وبالتالي لا يُطلق جهاز الإنذار الأخلاقي.
فمثلاً، التعرّف
على ظاهرة فكرية تدعو إلى الشك في الثوابت لا يكفي، بل يجب تحديدها كتهديد عقدي
يستوجب المقاومة لا مجرد وجهة نظر تستوجب النقاش الأكاديمي المجرد.
الثالث: التغيير
والإزالة (Change/Action).. الفعل العملي: وهي الخطوة التنفيذية التي
تنتقل فيها النخبة من الإدراك النظري إلى الفعل العملي؛ حضارياً يتم العمل على
التغيير والإزالة، وبمجرد تعطيل التعرّف أو التحديد، ينهار الفعل الإيجابي.
3- شروط تقوية البصيرة.. من السكينة إلى الفعل الحضاري:
للحفاظ على بصيرة
الفؤاد وتفعيل حاسة التمييز، لا بد من بيئة داخلية قائمة على 3 ركائز:
أولاً: التزام
ذكر الله تعالى كمنظّم انفعالي (Emotional Regulator): يعمل
الذكر على تنشيط الجهاز العصبي اللاودي وتقليل إفراز الكورتيزول، هذا التوازن
الحيوي يزيل التشويش القلقي ويمنح العقل حالة حياد صافية تُمكّنه من التعرّف
الدقيق على الأخطار الحضارية بعيداً عن ضغط التسرع أو الخوف.
ثانياً: التزام
ورد من القرآن مع الترتيل المتقن كتدريب على التركيز (Focused Meditation): تُمثل تلاوة القرآن بالتجويد شكلاً من التأمل الصوتي الذي يجبر
العقل على ضبط الانتباه، هذا الانضباط يصفّي الإدراك ويفصله عن ثرثرة العقل وضجيج
الحياة؛ ما يرفع قدرة البصيرة على التمييز الدقيق بين الحقائق والمغالطات.
ثالثاً: الصلاة
الجماعية وبناء المرونة (Resilience): تعزز الصلاة خلف الإمام الشعور بالانتماء
والمزامنة الجماعية؛ ما يزيل الشعور بالعزلة، ومع التدبر المعرفي، تتشكل السكينة
التي تمنح النخبة الثبات النفسي والقوة الداخلية لاتخاذ قرار التغيير ومواجهة
الضغوط الخارجية دون تراجع.
4- المناعة السيادية: الاستقلال الحضاري والقرار المستقل:
إن الهدف
النهائي من تقوية البصيرة الوصول إلى قرار التغيير الجذري، وهذا يتطلب شجاعة المناعة
السيادية التي ترفض التبعية وتصر على المرجعية الصافية كمنطلق وحيد للقرار.
وتُدرك البصيرة
الصافية الفرق الجوهري بين التعايش الإنساني وحسن الجوار كواجب أخلاقي واجتماعي، والارتهان
الفكري والسياسي الذي يقود إلى التخلي عن المرجعية القيمية للأمة.
إن الخطورة لا
تكمن في العيش المشترك، بل في التبعية التي تُلغي الهوية، التي حذر منها القرآن
الكريم كأعلى مراحل انهيار البصيرة، حيث تُصنَّف النخبة المرتهنة فكرياً خارج
الجسد المناعي للأمة لتصبح جزءاً من المنظومة التي تتبعها؛ (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: 51)؛ هذا الحكم القيمي يشير إلى أن من يربط
مصيره ومرجعيته بالطرف الآخر، فإنه يذوب فيه في التصنيف المناعي الحضاري.
والقرار السيادي،
طريق استعادة المناعة، يبدأ بتطهير البصيرة وتقويتها، والإقرار باستقلال الإرادة،
والاحتضان الكامل للمرجعية الصافية كمعيار وحيد للتمييز، ويجب أن تدرك النخبة أن
أي تحليل فكري يصدر عن عقل غير مستقل (سواء كان تابعاً فكرياً أو مدفوعاً بالخوف) تحليل
غير مناعي، يسهل عليه التهاون في رصد التهديدات وتصنيفها.
إن قوة الأمة
تبدأ من قوة البصيرة لدى نخبها، وقوة البصيرة تبدأ من طمأنينة القلب، ولن يجد
القلب سكينته الحقيقية إلا في مصدر الأمن المطلق؛ ذكر الله وتدبر كتابه.
اقرأ
أيضاً:
الكريات
البيضاء ومناعة التوجيه في جسد الأمة
«الإيدز الحضاري».. انهيار حارس البوابة