بعد حكم محكمة بريطانية.. هل انتهى زمن تحصين الصهيونية من النقد؟
هل يمكن أن تصل
«الصهيونية» يومًا إلى المكان الذي وصلت إليه سائر الأيديولوجيات السياسية؛ فتكون
موضوعًا للنقد والرفض والاختلاف، من دون أن يتحول مجرد نقدها إلى تهمة، أو يصبح
صاحب الموقف المناهض لها عرضة للعقوبة؟
قد يبدو السؤال
سياسيًّا، لكنه في جوهره سؤال عن حرية الفكر وحدود الاختلاف، ومن هنا تأتي أهمية
الحكم الأخير في قضية الأكاديمي البريطاني ديفيد ميلر ضد جامعة بريستول.
فقد أيدت محكمة
استئناف العمل البريطانية، في أغسطس 2026م، الحكم الصادر لمصلحة ميلر، الذي قضى
بأن معتقداته المناهضة للصهيونية تندرج ضمن «المعتقد الفلسفي» المحمي بموجب قانون
المساواة البريطاني لعام 2010م، وكانت محكمة العمل قد قضت في عام 2024م بأن
الجامعة مارست تمييزًا ضده بسبب معتقداته، وذلك على خلفية فصله عام 2021م إثر
تصريحات أدلى بها بشأن «إسرائيل» والصهيونية.
وكان ميلر قد
قال: إن «الصهيونية السياسية» أيديولوجيا عنصرية واستعمارية وإمبريالية، وإنها
تقوم على إقامة دولة لليهود والمحافظة عليها في الأراضي التي كانت تشكل فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ومن ثم كان يرى وجوب معارضتها، وقد اعتبرت المحكمة هذا
الاعتقاد، في جوهره، «معتقدًا فلسفيًّا محميًّا» بموجب قانون المساواة البريطاني
لعام 2010م.
قد لا يبدو
الأمر، قانونيًا، أكثر من نزاع بين أستاذ وجامعته، لكن الحقيقة أن دلالته الفكرية
أوسع بكثير؛ فالمحكمة أقرت مبدأ مهمًا هو أن الموقف المناهض للصهيونية يمكن أن
يكون معتقدًا فلسفيًّا جادًا، وأن مجرد اعتناق هذا المعتقد لا يبرر، في ذاته،
التمييز ضد صاحبه، وهنا تبدأ القصة.
عندما تصبح الأيديولوجيا «منطقة محظورة»
الصهيونية، في
أصلها، حركة وأيديولوجيا سياسية، نشأت في سياق تاريخي محدد، وتطورت عبر مدارس
واتجاهات مختلفة، وارتبطت بمشروع سياسي لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وبهذه
الصفة، فهي ليست دينًا، ولا عرقًا، ولا هوية بشرية؛ إنها فكرة سياسية وأيديولوجيا.
وما ينطبق على
الأيديولوجيات الأخرى ينبغي أن ينطبق عليها؛ أن تكون قابلة للدراسة والتحليل
والنقد والرفض، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول أيديولوجيا سياسية إلى ما يشبه
«المنطقة المحظورة»، فيصبح نقدها أكثر كلفة من نقد غيرها من الأفكار.
وهنا تتداخل
مستويات عدة؛ الصهيونية واليهودية، «إسرائيل» واليهود، نقد الدولة ومعاداة
السامية، رفض الأيديولوجيا والعداء لجماعة دينية أو إثنية، والنتيجة أن سؤالًا
فكريًا مشروعًا قد يتحول سريعًا إلى اتهام أخلاقي أو سياسي.
المسيري.. وسؤال «التحصين»
وهنا تبدو
استعادة رؤية د. عبدالوهاب المسيري مهمة؛ فالمسيري لم يتعامل مع الصهيونية
باعتبارها مجرد سياسة «إسرائيلية» معاصرة، وإنما حاول تفكيكها بوصفها منظومة فكرية
وتاريخية، وكشف ما اعتبره شبكة من الأساطير والمقولات التي أحاطت بها، وكذلك
الآليات التي أسهمت في جعلها تحظى بموقع استثنائي في الخطاب الغربي.
وبهذا المعنى،
فإن المعركة ليست فقط على فلسطين، وإنما أيضًا على مجال تعريف الواقع نفسه: من هو
الضحية؟ وما الإرهاب؟ وما الاحتلال؟ وما الذي يعد نقدًا مشروعًا؟ وما الذي يصنف
فورًا في خانة معاداة السامية؟
التاريخ ليس محكمة تغلق ملفاتها للأبد
وإنما مجال بحث تتجدد فيه الأسئلة وتُراجع الوثائق وتُقارن الروايات
ومن هنا يمكن
فهم اهتمام المسيري بما سماه آليات «التحيز» في المعرفة الغربية، وكيف يمكن أن
تتحول بعض القضايا إلى مناطق ذات حساسية استثنائية، بحيث يصبح نقدها محكومًا قبل
أن يبدأ.
هذه الفكرة مهمة
في قراءة الحكم البريطاني؛ لأنه يعيد، ولو في نطاق قانون العمل، الاعتبار إلى حق
الإنسان في أن يكون له موقف فكري من الصهيونية.
جارودي.. و«محاكمة الفكر»
ولعل المثال
الأكثر دلالة على ذلك قضية المفكر الفرنسي روجيه جارودي؛ فقد نشر جارودي عام 1995م
كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، وأثار الكتاب جدلًا واسعًا بسبب ما
تضمنه من تشكيك في جوانب من الرواية المتعلقة بالمحرقة، وبسبب موقفه الحاد من
الصهيونية، وفي فرنسا خضع للملاحقة القضائية، ثم أدين عام 1998م بموجب قانون
«غيسو» المتعلق بتجريم إنكار جرائم ضد الإنسانية.
لكن أهمية
المثال بالنسبة إلى مقالنا، تتمثل في طرح سؤال أوسع: ماذا يحدث عندما تنتقل مسألة
تاريخية أو فكرية من ميدان البحث والنقاش إلى ميدان التجريم القانوني؟ وهل ننتصر
للحقيقة التاريخية بقوة الأدلة، أم بقوة القانون؟
إن الحقيقة إذا
كانت قوية بما يكفي، فإنها لا تحتاج إلى أن تتحول إلى «حقيقة محصَّنة» يمنع
القانون مجرد مناقشتها، بل ربما كان هذا التحصين قرينة قوية على ما يشوب هذه
«الحقيقة» من تحيز أو زيف.
من «تحصين الحقيقة» إلى تحصين الرواية
وهنا تظهر نقطة
دقيقة؛ فقد تكون هناك حقيقة تاريخية ثابتة بالأدلة، لكن هذا لا يعني أن كل تفسير
لها يصبح حقيقة مقدسة، ولا أن كل تفصيل حولها يخرج من مجال البحث.
فالتاريخ ليس
محكمة دائمة تغلق ملفاتها إلى الأبد، وإنما هو أيضًا مجال بحث تتجدد فيه الأسئلة،
وتُراجع فيه الوثائق، وتُقارن الروايات.
ومن هنا يمكن
فهم اعتراض المسيري على بعض آليات الخطاب الغربي المتعلقة بالصهيونية؛ المشكلة
ليست فقط في الرواية التي تُطرح، وإنما في السلطة التي تحدد مسبقًا حدود الرواية
المسموح بمناقشتها.
سياسات «إسرائيل» العدوانية ستجشع
الكثيرين على مراجعة مواقفهم وتحدي ضغوط الإسكات
وهذا تحديدًا ما
يجعل قضية جارودي مهمةً في سياقنا، في قضية جارودي، انتهى الأمر إلى العقوبة بسبب
ما اعتبرته المحاكم الفرنسية إنكارًا لجرائم ضد الإنسانية، أما في قضية ميلر، فقد
كان الاتجاه القضائي، في حدود قانون العمل البريطاني، هو حماية معتقد مناهض
للصهيونية من التمييز، وبين القضيتين مسافة زمنية وفكرية وقانونية كبيرة.
لكن المفارقة
جديرة بالتأمل؛ في فرنسا، أصبح بعض الكلام المتصل بالصهيونية والمحرقة موضوعًا
للمساءلة الجنائية؛ وفي بريطانيا، أصبح الاعتقاد المناهض للصهيونية نفسه محل حماية
قانونية.
وهذا لا يعني أن
النظامين متناقضان بالضرورة؛ لأن لكل منهما قانونًا ووقائع مختلفة؛ لكنه يكشف عن
اختلاف عميق في تصور العلاقة بين التاريخ، والفكر، والقانون.
هل انتهى زمن «التحصين»؟
ربما يكون من
المبكر الإجابة بـ«نعم»؛ فحكم بريطاني واحد لا يستطيع أن ينهي الضغوط السياسية
والإعلامية والثقافية المحيطة بنقد الصهيونية في العالم، كما أنه لا يلغي الحدود
القانونية المتعلقة بخطاب الكراهية أو التمييز أو التحريض، لكنه يمثل، على الأقل،
اختراقًا مهمًا لمسألة «التحصين الفكري».
فالحكم يقول: إن
الموقف المناهض للصهيونية يمكن أن يكون معتقدًا فكريًا محميًا، وإن مجرد اعتناقه
لا يبرر، في ذاته، العقوبة المهنية.
وهذه خطوة مهمة؛
لأن حرية الفكر لا تُختبر عندما نتحدث في الأفكار المتفق عليها، وإنما عندما نتحدث
في الأفكار التي تثير الغضب والحساسية والاستقطاب، وتتحدى السياسات التي كما فرضت
«إسرائيل» ككيان سياسي تريد أن تفرضها كحقيقة تاريخية وتحصِّنها.
ومن هذه
الزاوية، يبدو الحكم البريطاني لافتًا؛ لأنه يقول، ولو في نطاق محدود: إن الإنسان
يستطيع أن يحمل معتقدًا مناهضًا للصهيونية دون أن يكون هذا المعتقد، في ذاته،
سببًا كافيًا لإخراجه من الحماية القانونية، أي أنه يعيد الصهيونية إلى مجال
الفكر.
ولا شك أن
سياسات «إسرائيل» العدوانية والموغلة في الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، ستجشع
الكثيرين على مراجعة مواقفهم، وعلى تحدي ضغوط الإسكات والتحصين، وربما سنكون
قريبًا أمام حالة أخرى أو أكثر من حالة الأكاديمي ديفيد ميلر، داخل بريطانيا
وخارجها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً