بعد سيطرته عليها.. ما أهمية قلعة «الشقيف» اللبنانية الإستراتيجية للجيش الصهيوني؟

د. خالد سعيد

14 يونيو 2026

45

بعد سيطرته عليها.. ما أهمية قلعة «الشقيف» اللبنانية الإستراتيجية للجيش الصهيوني؟

سجَّل فجر 31 مايو 2026م يومًا تاريخيًا في الصراع العربي «الإسرائيلي»، كما سجل 25 مايو 2000م يومًا آخر في هذا الصراع، فالأول اعتبرته «تل أبيب» عودة طبيعية للاستيلاء على الجنوب اللبناني بعد السيطرة على قلعة الشقيف، والثاني وصفته بالتاريخ المؤلم على خلفية الانسحاب من كامل الجنوب اللبناني.

ورغم تغير الأيديولوجيات والإمبراطوريات والآليات التقنية والمعدات العسكرية عبر السنين، حيث تشير الروايات التاريخية إلى أن القلعة تعود في أصلها إلى العهد الروماني، قبل أن يوسّع الصليبيون بناءها في القرن الثاني عشر، تبقى قيمة الموقع الجغرافي لقلعة الشقيف وأهميته الإستراتيجية ثابتة، ولا تزال شاهدة على الطبيعة الدورية للصراع العربي الصهيوني، لتتحول الشقيف مرة أخرى، إلى ساحة معركة أبدية.

رسالة نفسية

فقد اعتبرت «القناة 12» العبرية أن رفع العلم «الإسرائيلي» فوق قلعة الشقيف، التي تطلق عليها «تل أبيب» اسم قلعة «بوفور»، عام 2026 يحمل في طياته رسالة نفسية واضحة للسيطرة على المنطقة الجنوبية للبنان، ولكنه يُعيد في الوقت نفسه إحياء رواسب الماضي لدى كلا الجانبين اللبناني و«الإسرائيلي»، بين الكبرياء والخوف.

ورأت القناة نفسها في تقرير مطوَّل لها أن القلعة تهيمن، تمامًا، على أجزاء واسعة من الشمال الفلسطيني المحتل والجنوب اللبناني، حيث تتحدث جغرافية المنطقة بلغة السيطرة التكتيكية المطلقة أي من يسيطر عليها، فإنه يمكنه فرض السيادة على أجزاء واسعة من تلك المناطق، التي تحمل لـ«الإسرائيليين» ذاكرة جماعية مؤلمة للغاية، ما بين مخابئ خرسانية متداخلة مع الحجر الذي يعود للعصور الوسطى، وصفير صواريخ الكاتيوشا وقذائف الهاون الفلسطينية اللبنانية، ودويّ الطائرات المسيّرة المتواصل، والسنوات الأخيرة الدامية للمنطقة الأمنية، انتهت بانسحاب «إسرائيلي» ليلاً بين عشية وضحاها في مايو 2000م.

نقطة تحول حاسمة

وصف نتنياهو الاستيلاء على القلعة بأنه نقطة تحول حاسمة في حملة تفكيك بنية «حزب الله» التحتية على الضفة الأخرى من نهر الليطاني، ويرى أن القلعة تعد حاجزًا أو حزامًا أمنيًا إستراتيجيًا لبلاده خارج حدودها، غير أن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» يعتقد باحتلاله للقلعة تسجيل نصر مؤقت في لبنان، يأتي بعدما تكبد الجيش الصهيوني خسائر فادحة في الأرواح والمعدات خلال الأسابيع القليلة الماضية نتيجة لاستخدام «حزب الله» للمسيرات المفخخة، التي أسقطت العشرات من ضباط وجنود الجيش «الإسرائيلي».

ليعود وزير الحرب يسرائيل كاتس، التأكيد أن بقاء القوات «الإسرائيلية» في القلعة يأتي كجزء من المنطقة الأمنية الصهيونية في الجنوب اللبناني، معتبرًا إياها من أهم المواقع الإستراتيجية لحماية مستوطنات الشمال الفلسطيني المحتل.

مركز جذب تاريخي للإمبراطوريات

من هنا، اعتبرت «القناة 12» العبرية أن قلعة الشقيف بمثابة مركز جذب تاريخي للإمبراطوريات بوجه عام، فهو موقع تشاركت فيه الحملات الصليبية والمسلمون في العصور الوسطى، حيث انجذبوا جميعًا إلى النتوء الصخري نفسه بفعل قانون جغرافي ثابت، حيث تتميز هندستها المعمارية بطابعها المهيب، ما بين جدران سميكة منحوتة من الصخر، وخنادق عميقة محفورة فيه، وقاعات مقببة تحت الأرض وكهوف ومساحات صخرية أنشأها رجال العصور الوسطى لتخزين الحبوب والماء خلال الحصارات الطويلة، وهي نفسها الكهوف التي استخدمت مؤخراً لتخزين الذخيرة والاختباء من القصف الجوي، فقد أصبحت القلعة جزءًا لا يتجزأ من المشهد الطبيعي، مكانًا امتزج فيه الحماس الديني مع الهندسة العسكرية المتقدمة، فيما بُنيت القلعة لتدوم إلى الأبد.

ذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية أن القلعة تتميز بقربها الجغرافي من مستوطنات الشمال الفلسطيني المحتل، فهي تقع على بعد كيلومترات قليلة من الحدود مع لبنان، وعلى ارتفاع 710 أمتار فوق مستوى سطح البحر، وكانت على مر السنين نقطة إستراتيجية تتمتع بميزة تكتيكية، لأنه بفضل موقعها الجيوستراتيجي وارتفاعها، يمكن لمن يجلسون على تلال الشقيف رؤية نهر الليطاني ووادي عيون وإصبع الجليل وهضبة الجولان السورية المحتلة بسهولة.

مع شنّ الكيان الصهيوني حربه الأولى على لبنان في العام 1982م، حُدِّدت قلعة الشقيف، حينئذ، كهدف رئيس ذي أهمية رمزية بالغة، وخاض الجيش «الإسرائيلي» معارك ضارية مع المقاتلين الفلسطينيين الذين تحصنوا فيها، لسنوات طويلة خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، ومع سقوط القلعة بيد «إسرائيل»، وإعلانًا لما أطلقت عليه «تل أبيب» النصر على المقاتلين الفلسطينيين في القلعة، زارها رئيس الوزراء آنذاك مناحيم بيغن، ووزير حربه آريئيل شارون، حيث توجها في اليوم التالي إلى القمة بطائرة هليكوبتر، وصفتها «القناة 12» العبرية بأنها لحظة تاريخية.

منح «حزب الله» صورة النصر

ومع الاعتراف بقوة المقاومة اللبنانية في دحر الاحتلال «الإسرائيلي» في العام 2000م، وفور صدور أوامر الانسحاب من القلعة، قام الجيش الصهيوني بتفجير تحصينات بأطنان من المتفجرات كان قد دشنها على مساحة واسعة من تلة الشقيف؛ ما ألحق أضرارًا واسعة ببعض المعالم المعمارية القديمة بالقلعة، ما اعتبرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية سببًا لعدم منح «حزب الله» صورة النصر أمام العالم، آنذاك.

لتشكك الصحيفة في جدوى احتلال القلعة مرة أخرى، مدعية أن «إسرائيل» سوف تضطر للتخلي عنها مرة أخرى، ووقتها سيكون للأمر ثمن باهظ، متسائلة عما إذا كان من الصواب في هذه المرحلة من القتال احتلال الشقيف مجددًا، لكنها عزت عملية الاحتلال ككل إلى حديث الجيش «الإسرائيلي» عن إنشاء حزام أمني لمستوطني الشمال في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

غير أن صحيفة «هاآرتس» العبرية نقلت عن ضباط بارزين في الجيش «الإسرائيلي» استياءهم من القيادة السياسية، تحت مزاعم أن «تل أبيب» لا تقدم لهم صورة كاملة عن التطورات في الساحة السياسية أو تجاه المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ما يمكن أن يؤثر بدوره على استمرار القتال في لبنان، ورأت الصحيفة أنه رغم السيطرة الحقيقية على القلعة، فإن هناك حالة من القلق تسود القيادة العسكرية «الإسرائيلية» من احتمالية إجبار قواتها على الانسحاب من القلعة، ووقتها ستكون تلك القوات تحت نيران المقاومة اللبنانية، ولن يكون التراجع أقل خطورة وتعقيدًا من الغزو نفسه، والغريب أن التساؤل نفسه طرحته صحيفة «يسرائيل هيوم» من أن «إسرائيل» تكرر الخطأ ذاته بعد مرور 26 عامًا!

حرب استنزاف

تنظر «إسرائيل» إلى القلعة كموقع إستراتيجي يمنحها قدرة كبيرة على الرصد الاستخباراتي والتوجيه والتحكم بخطوط الحركة والإمداد ما بين ضفتي نهري الليطاني والزهراني، إذ ترغب «تل أبيب» في قطع خطوط الإمداد عن قوات «حزب الله» وعناصر المقاومة بوجه عام، بالتوازي مع رغبة يمينية متطرفة في الكيان الصهيوني بوجوب السيطرة على الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني، وهي رغبة سبق أن طالب بها أعضاء حكومة نتنياهو، وغيرهم من قادة الكيان الصهيوني أو المعارضة في «تل أبيب» أيضًا، بزعم تشكيل شبكة دفاع قوية أمام هجمات المقاومة تجاه مستوطنات الشمال «الإسرائيلي».

ومع الاعتراف بأن «إسرائيل» فرضت السيادة على قلعة الشقيف، فإن تأكيد السيطرة عليها، صهيونيًا، يعني وجوب السيطرة على خطوط إمداد آمنة وتحييد محيط القلعة جويًا وبريًا وضمان التفوق الدائم في الرصد، وهي شروط يصعب تحقيقها «إسرائيليًا» في منطقة مترابطة جغرافيًا مع عدد من القرى والوديان المؤدية إلى نهر الليطاني، كما أن أي تموضع «إسرائيلي» ثابت في تلك المنطقة سيبقى عرضة للاستنزاف أمام قوات المقاومة اللبنانية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة