بناء الوعي الذاتي لدى الأبناء في زمن الشاشات
في زماننا هذا
لم يَعُـد التحدِّي التربوي في عصرنا هو منع الأبناء من الدخول إلى العالم الافتراضي(1)،
لأنه قد أصبح جزءاً من حياتهم اليومية، ونافذتهم إلى العالم الخارجي بكل ما فيه من
خير وشر، ونفع وضُـرّ، وهنا يظهر التحدِّي الأكبر الذي يواجه الوالدين؛ كيف نصنع
طفلاً يستطيع أن يتعامل مع هذا العالم الخارجيّ بإيجابية حين يغيب عنه الرقيب
الوالدي؟
فالشاشات في
زماننا هذا لا تدخل البيوت فحسب، بل تدخل العقول، وتُسيطر على القلوب، وتؤثر في
الأفكار والقيم والعادات والسلوكيات، فلم تعُد الرقابة وحدها كافية؛ لأن أعين
الآباء والأمهات لا تستطيع أن ترافق أبناءها في كل مكان وزمان، بينما يستطيع الوعي
الذاتي أن يُرافقهم ويُلازمهم حيث كانوا، ولذلك فإن من أعظم ما يمكن أن نُهديه
لأبنائنا في هذا العصر عقلاً واعياً يُميز بين الغثّ والسمين، وقلباً يقظاً يُراقب
الله ويُعظِّمه، وضميراً حيًّا لا ينهار أمام الفتن، وإرادة تقف ضِدَّ النزوات
والشهوات، وعزيمة تقاوم الرغبات والاحتياجات.
أولاً: مفهوم الوعي الذاتي:
الوعي الذاتي هو
قدرة الإنسان على فهم نفسه، وإدراك أفكاره ومشاعره ودوافعه وسلوكياته، ومراقبتها
وتوجيهها بوعي ومسؤولية، وقدرته على ضبط سلوكياته وانفعالاته.
ومن الناحية
التربوية يمكن تعريفه بأنه قدرة الابن على أن يسأل نفسه ويُفكر قبل أن يتصرف:
لماذا أفعل هذا؟ وما أثره عليَّ؟ وهل يتوافق مع دِينِي وقيمي ومبادئي؟
فالوعي الذاتي
لا يعني أن يعرف الابن ما يـدُور حوله وفقط، بل أن يفهم نفسه، ويعرف ما يدور
بداخلها، وأن يفهم رغباته واحتياجاته، وأن يتعرف على نقاط قوته وضعفه، وأن يُميز
بين ما ينفعه وما يضره، وبين ما يتوافق مع كل مرحلة من مراحل عمره وما لا يتوافق،
وهذه المهارة لا بد أن يتعلمها الإنسان في صغره، لا سيما أنها تتوافق مع شريعتنا
الغرَّاء؛ (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (القيامة: 14).
ثانياً: لماذا أصبح الوعي الذاتي ضرورة تربوية؟
في زمن تكثر فيه
المعلومات والأفكار والصور، وتتدفق إلى أبنائنا بلا توقف، لم يَعُد كافياً أن
نُعلِّمهم ما يفعلون وماذا يتركون، بل أصبح من الضروري أن نغرس في نفوسهم كيف
يُفكرون، وكيف يختارون، وكيف يُراقبون أنفسهم؛ لأن التحديات التي يواجهها الأبناء
اليوم أكبر من أن تُضبط كلها من قِبَل الوالدين (الرقابة الخارجية)، وأصبحت أكثر
تعقيداً من أن تُواجه بمجرد الأوامر والنواهي، ولهذا أصبح الوعي الذاتي ضرورة
تربوية؛ لأنه يُزود الأبناء بالبَوْصلة الداخلية التي تساعده على التمييز بين
النافع والضار، وبين الحق والباطل، وبين ما ينسجم مع قيمنا وديننا وما يتعارض مع
ذلك.
ثالثاً: كيف تسرق الشاشات الوعي من الأبناء؟
إن من أخطر ما
تفعله الشاشات في الإنسان أنها قد تجعله يعيش في حالة استهلاك مستمر، دون تفكير أو
تأمل أو حتى شعور، فالمحتويات تتدفق بسرعة هائلة، والصور الثابتة والمتحركة تتابع
على الجهاز العصبي دون توقف، والرسائل والتواصل ينهال من كل اتجاه، والإعلانات
والمسابقات تنهال كالسيل، حتى أصبح العقل مُتلقياً ومُستَهلَكاً أكثر منه مُحللاً
أو نَاقِـداً.
ومع مرور الوقت،
قد تختلط الأمور على الابن فيفقد قدرته على التمييز بين ما ينفعه وما يضره، أو بين
ما يتوافق مع قِيمه ودِينه وما يتعارض معهما، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فليس
الخطر في المحتوى وحده، بل في أن يتعامل معه الابن بلا وعي أو بصيرة.
رابعاً: القدوة الوالدية مفتاح غرس الوعي الذاتي عند الأبناء:
التربية بالقدوة
من أهم عناصر التربية، فالطفل أول ما تنفتح عيناه لا يرى إلا والديه، فهُما
بالنسبة له كل شيء بالحياة، وهما النموذج الأعلى قدرًا، فهو يتعلم من أفعالهما
أكثر من توجيهاتهما، فحين يرى الابن مثلاً أباه وهو يراجع قراراته، ويفكر قبل أن
يفعل أي شيء، ويستشير أهله قبل الإقدام، ولا يتحاشى الرجوع عندما يتيقن أنه
سيُخطئ، بل ويعتذر إذا أخطأ، ويضبط انفعالاته وردود فعله، يتعلم منه الابن حينها
الوعي الذاتي، ويتعلم كيفية ممارسته في حياته.
خامساً: الحوار أداة لبناء الوعي عند الأبناء:
إن الوعي الذاتي
لا ينمو في بيئة القهر والتسلط والأوامر المتلاحقة الجافة، ولكنه ينمو في بيئة
الحوار الهادئ والنقاش الهادف، فحينما نتحاور مع الأبناء، ونستمع لأفكارهم،
ونسألهم عن سبب اختياراتهم ومواقفهم، فهنا لا نمنحهم الفرصة لمجرد الحديث وفقط، بل
نُـربيهم على التفكير في فهم أنفسهم، وفهم دوافعهم، ومراجعة قراراتهم، فالحوار
الجيد يدفع الابن إلى أن ينظر إلى سلوكياته بعين التأمل، ويُراقب نفسه، ويسأل
نفسه: لمَ فعلتُ؟ وما مدى تأثيره؟ وما نتائجه؟ وهل كان قراري صحيحاً؟
ولذلك، فإن أعظم
ما يُقدمه المُربي للأبناء أن يكون الحوار عادة أسرية، لا يقتصر فيها على تصحيح
الأخطاء، بل يمتد إلى مناقشة الأفكار والقيم والمواقف؛ لأن الأبناء الذين يتعلمون
التفكير مع والديهم؛ يتعلمون مع الوقت كيف يُفكرون مع أنفسهم.
سادساً: الوعي الذاتي يبنى بالدين والقيم قبل القواعد:
قد تمنع القواعد
بعض السلوكيات الخاطئة، لكنها لا تضمن دائماً حسن الاختيار عند غياب الرقيب، أما
الوازع الديني والقيمي، فإنهما يبنيان البوصلة الجيدة داخل الابن، بوصلة داخلية
توجهه وتساعده على اتخاذ القرار الصحيح من تلقاء نفسه، ولذلك فإن الوعي الذاتي لا
يُصنع بكثرة التعليمات بقدر ما يُصنع بغرس المعاني والمبادئ والقيم التي تحكم
السلوك من الداخل.
فالابن الذي يتربى
على مراقبة الله في أفعاله وأقواله ينغرس فيه الوعي الذاتي بما يُهذب نفسه وفؤاده،
فهو يعتقد يقيناً أن الله يراه ويسمعه؛ (لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) (آل
عمران: 5)، ويتربى كذلك على تَحمُّـل المسؤولية، واحترام نفسه ووقته؛ لن
يحتاج في كل موقف إلى قائمة من الأوامر والنواهي؛ لأن قِيَمه ستقوم مقام الرقيب
والمرشد.
سابعاً: متى نعلم أن الوعي الذاتي بدأ ينمو؟
تظهر بدايات
الوعي عند الابن حين يبدأ في مراقبة سلوكياته ومراجعة نفسه قبل أن يُراقبه
الآخرون، ويفكر في نتائج أفعاله قبل أن يقدم على الفعل نفسه، فبدلاً من أن يكتفي
بتنفيذ التوجيهات يبدأ في فهم أسبابها، وبدلاً من أن ينتظر من يصحح له خطأه؛ يُصبح
قادراً هو على مراجعة سلوكه وتقويمه.
وكذلك من علامات
النمو الذاتي أن يتعلم الابن تَحَمُّل المسؤولية فيما ينتج عن قراراته، ويعترف
بخطئه إذا أخطأ، وكذلك يُظهر قدرة على التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وكذلك حين
نراه يفكر ويسأل نفسه قبل أن يتصرف، وكذلك حينما يحاول ضبط انفعالاته وسلوكه عند
غياب المربي، وحين يفكر في آثار أفعاله على نفسه والآخرين.
وكذلك من علامات
النمو الذاتي أن يُصبح الابن أكثر قدرة على فهم مشاعره ودوافعه واحتياجاته، فيدرك
أسباب غضبه أو حزنه، ويستطيع التعبير عنها بطريقة واعية ومتزنة، كما يظهر ذلك أيضاً
في قدرته على مراجعة مواقفه، والتعلم من أخطائه، ومقاومة بعض رغباته حينما يدرك
أنها تتعارض مع قيمه ومبادئه، فكلما ازداد وعي الإنسان بنفسه قَلَّ اندفاعه،
وازدادت بصيرته، وأصبح أكثر قدرة على ضبط سلوكه بدلا من أن تقوده أهواؤه
واحتياجاته.
ومن هنا نتوصل إلى أن الوعي الذاتي هو حصن الأمان بعد توفيق الله، خاصة في زمان تتسابق فيه الشاشات إلى عقول أبنائنا وقلوبهم وأفكارهم وقيمهم، فالمربي الناجح لا يكتفي بحماية أبنائه مما يضرهم وفقط، بل يعلمهم كيف يحمون أنفسهم من الضرر، وكيف يتعاملون مع الشر، وذلك ما أصَّلَهُ لنا حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان حين قال: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله عَنْ الْخَيْر، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي..»(2).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً