دقات ناقوس وقرع أجراس (3)

بيت جدتي.. أين اختفى؟!

د. هيام عباس

26 يناير 2026

939

بيت جدتي.. أين اختفى؟!

الأحفاد ربيع أعمار الجدات

إن من أعمق العلاقات الإنسانية وأصدقها وأكثرها أثرًا ودفئًا علاقة الأحفاد بالجدات، إنها عاطفة وجدانية مشبعة بالطمأنينة والحنان، وهي علاقة حب غير مشروط، وحب منزوع التوتر الذي تسببه التربية المباشرة، حب يمهد للطفل بيئة آمنة تتميز بالراحة والطمأنينة، يشكل فيها الأحفاد للجدات مصدرًا متجددًا للحيوية والعطاء وحب الحياة، يحولون الحياة إلى ربيع يزهر بإيقاع مميز يشعرهم بقيمتهم وأهميتهم ودورهم الجديد.

حكاية دفء ونبض حياة!

حين كنا صغارًا كان الواحد منا إذا أغضبه أحد والديه أو عاقبه، لم يكن يصرخ باكيًا، أو يحبس أنفاسه خوفًا ويلجأ لأحضان الشاشة الباردة، بل كان يحمل ما استطاعت يده الصغيرة من ألعابه وملابسه، ويتجه بخطوات واثقة إلى بيت جدته الذي غالباً ما كان في نفس البناية أو في بيت قريب، كان يحفظ طريقه من كثرة الذهاب والإياب في اليوم الواحد، يذهب دون تفكير وكله يقين بأنه سيجد في حضنها الحنون، وكلماتها الدافئة، ما ينسيه ما جاء لأجله، ناهيك عن وعودها بالاقتصاص ممن أغضبه، وما خبأت له من أغراض أو حلوى.

ما حاجة أطفالنا إلى بيوت الجدات؟

كان بيت الجدات الملاذ الآمن لأطفال العائلة، فيه الدفء الذي لا يقاس بالكلمات، تغدق عليهم حناناً يفوق ما يجده من أبويه؛ لأن للتربية أوجهاً مختلفة، ولأن للحب أشكالًا، وللرحمة نوافذ عديدة، فهناك في بيت الجدات تدليل الخالات ومشاكسات الأخوال والأعمام، وإغداق اللطف من كل من يمر بهذا البيت ولو كان ضيفاً عابراً.

إن بيت الجدة مهما كان بسيطًا، فإنه كان يحوي الكثير من اللطائف للصغير والكبير، فيه حكايات ودعوات وابتسامات وبشاشة وإقبال، وذاكرة حيَّة لا تعرف النفاد، كان ذاك البيت الساحة الساحرة التي يهرب إليها طفل العائلة حين ينزعج في بيت أبويه؛ ليجد من يدافع ويدلل ويربي ويشبع روحه بالحب والأمان قبل العلم والإتقان.

أطفالنا.. بين الشاشات وغياب الجدات

يفتح طفل اليوم عيونه الصغيرة فلا يرى من الدنيا إلا أُماً أرهقها السهر وأتعبتها أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، لا وقت يكفي لتشبعه حناناً مثل حنان الجدات، لا وقت لتسمع له إلا القليل الذي لا يُشبع جوعه الروحي ولا يحميه من مخاوفه الصغيرة، وهي بالنسبة له كل عالمه لا يثق في غيرها، لكنها تعاني سرعة الإيقاع من حولها وتثقلها المسؤوليات الحادثة.

أطفال اليوم.. وأزمة الاحتواء الصامتة

إن طفل اليوم يعاني من وحدته بين جدران بيت أبويه، فلا يرى غيرهما، فلا بيت الجدة موجود فيحتويه، ولا حضن العمات والخالات ولا مشاكسات الأقارب، ولا مساحة أمان يُعَبِّر فيها عن مشاعره وقت الغضب أو الفرح، أو اللعب سوى والديه.

فأصبح يهرب إلى الشاشات التي لا تشبع قلبه الصغير ولا تروي ظمأ روحه ولا تسمن احتياجاته البريئة من جوع، بل ربما سببت له اضطرابات نفسيه وسوء تربية، ومهما سيطر الآباء على ما تقدمه البرامج، فإنها لا بد أن تتسلل إلى وعيه البريء، فتملأه بما لا تحمد عقباه.

ماذا خسر أطفالنا بغياب بيوت الجدات؟

لقد ظهرت في المجتمعات فجوة كبيرة تصاعدت مع بُعد المسافات، واستقلال الأسر بحياتها، تلبية لنداء الواقع العملي المتسارع، فتباعدت البيوت، ولا وقت للذهاب اليومي، كما كان في الماضي، حين كانت المسافات متقاربة والأوقات متسعة.

هناك عوامل كثيرة أدت إلى أن اختفاء بيت الجدات من حياة الأسرة الجديدة تدريجياً، فقد تغيرت أنماط الحياة، وابتعدت العائلات وتناثرت؛ فتحولت العائلة الممتدة إلى أسر صغيرة منعزلة، كما ظهرت المسافات الاجتماعية أيضاً، وأصبحت بعض الأسر لا تحب اختلاط أطفالها مع من ليسوا في مستواها الاجتماعي والثقافي.

عالم بلا جدات!

حتى الجدات لم يعدْنَ كما كُنَّ في الماضي، يتسع وقتهن للحكايات وفض الشجارات، فأغلب الجدات اليوم صاحبات أعمال، أو لم يبلغن سن التقاعد للقيام، ومع ضغوط الحياة اليومية المتسارعة، ووسائل الاتصال السريعة، أصبح الاكتفاء بالهواتف ووسائل التواصل الافتراضية بديلاً عن التجمعات الواقعية والزيارات العائلية، وصلة الأرحام والأيدي التي كانت تمتد لتحنو وتعطي، والمناسبات التي كانت تخلق أجواء من التفاعل في بهجة ومرح وانطلاق لأطفال العائلة ولو كان التجمع لعزاء، حتى كبر الأطفال وهم محاطون بالشبكات والأدوات لا بالقلوب والبسمات.

والحق إن بعض العائلات ما زالت تحرص على التجمع الأسبوعي، لكنه أصبح في الغالب تجمعاً بلا روح، لا يشغل سوى دقائق معدودة، ينشغل فيه الكبار بالشكليات، وينشغل الصغار بالألعاب الإلكترونية، لا مساحة من الوقت أو المكان لألعاب الماضي التي تزخر بالمشاركات الوجدانية والحركية، وتثري الجسد بالحياة، والروح بالمشاعر والذكريات.

ويبقى السؤال: هل يمكن أن يعود بيت الجدات؟ هل يعود دور الخالات والعمات؟ هل يمكن إنقاذ طفل اليوم من براثن الحياة الافتراضية والعزلة الاجتماعية؟

مقترحات وحلول

أولاً: تحقيق روح بيت الجدة في البيت، فإن الاحتواء الذي قدمته بيوت الجدات كان احتواءً نفسيًا قبل أن يكون احتواء مكان، وبتخصيص وقت ثابت يوميًا داخل البيت، أمٌّ تصغي، وأب يشارك، وحوار بلا توبيخ، ووقت مميز يكون فيه الطفل على سجيته، يتكلم بما يشاء دون توجيه ولا محاسبة، فهذه المساحة تمنحنهم بيتًا عصريا ممتعًا ملونًا بلون الجدات.

ونعيد إليه دور الجدات رغم البعد، بإجراء المكالمات المرئية اليومية، فتحكي الجدة للصغار حكاياتها ويسمعون دعواتها في أوقات الصلوات، ويشاهدون فرحتها برؤيتهم، فتتكون علاقات حية مستمرة، تعوض الأبناء عن افتقاد التعايش الواقعي، بذلك نحقق التوازن الوجداني، ونخفف عن الأسرة شيئاً من معاناة التفرد بتربية الأبناء.

ثانياً: احتواء الأم قبل احتواء الطفل، بتقديم الدعم النفسي لها وقيام الأب الواعي بدوره إلى جانبها، وتواجده الفعلي مع الأبناء يشاركهم حياتهم بعيدًا عن الهواتف والشاشات، فيمنحها ما تحتاج إليه لاستعادة رونقها الروحي؛ لتستطيع تربيتهم بروح الجدات، وتشبعهم حبًا وحنانًا، وكذلك الخالات والعمات والأخوال والأعمال لهم دورهم الحيوي في تهيئة المناخ السوي لتربية الأبناء في ظل محيط أسري مترابط.

ثالثاً: تعويد الأطفال كيف يعبرون عن مشاعرهم دون خوف من عتاب أو عقاب، أو سخرية، حفاظاً على صحته النفسية وتعويداً لهم على ألا يكبتون مشاعرهم سلبية كانت أو إيجابية.

أطفالنا.. بين حنين الماضي وأمان الحاضر

لقد كان بيت جدتي فكرة ممتدة للإشباع العاطفي والطمأنينة، لنا اليوم أن نحققه بالطرق التي تناسب حاضر أطفالنا، ونعيد روح المكان إلى بيوتنا، ونعيش مع أطفالنا فكرة الأمان بلا شروط، والاحتواء بلا عجلة، والحب بعيدًا عن مقياس الوقت، نعيد لهم الدفء والأمان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة