بين التعريض والكناية.. نماذج من الأدب العربي المعاصر

بين التعريض والكناية.. نماذج من الأدب العربي المعاصر

التعريض في اصطلاح البلاغيين: لفظ يدل على الشيء من خلال الموقف وقرائن الحال، وما يُفهم من توجيه الكلام ضمن سياقه، فلا هو محمول على معناه الحقيقي المباشر، ولا هو محمول على صورة من صور المجاز، أما الكناية فهي إطلاق كلام والمراد لازم معناه، فإذا أراد المتكلم إثبات معنى من المعاني، لا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، وإنما يعبر عنه بمعنى آخر دال عليه.

وتتداخل الكناية بشكل كبير مع التعريض؛ فكلاهما تعبير غير مباشر عن معنى خفي، ولهذا يتضمن كلُّ تعريض –في حقيقة الأمر– كنايةً؛ لأنه يعبر –كما تعبر الكناية– عن معنى خفي؛ لكن السياق وحده في الكناية قمين بالكشف عن هذا المعنى الخفيّ، ومن الحقِّ أن فهم السياق مرتبط –في بعض الأحيان– بفهم الموروث الثقافي، والأعراف الاجتماعيّة، لكن ذلك كله على هامش الموقف.

أما التعريض فهو وليد الموقف وتداعياته، ولا يكفي الإلمام بالسياق وحده لإدراك مغزاه، إذ لا يتوصل إلى معناه إلا من خلال الإحاطة التامة بالموقف الذي يستدعيه، وقد تغيب بعض أطراف هذا الموقف عن السياق، ولذا لا يُفْطَنُ إلى التعريض ما لم يكن القارئ أو السامع ملمًّا بها.

نموذج للتعريض من رواية «اللص والكلاب»

ونسوق للقارئ موقفًا من رواية: «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، ليكون مثالاً للتعريض، وفي هذا الموقف يزور سعيد مهران (بعد خروجه من السجن) صديقه السابق رؤوف علوان في قصره، ويدور بينهما هذا الحوار عن نضالهما السابق ضد الاحتلال الإنجليزي:

- سعيد: لا حربَ الآن.

- رؤوف: لتكن هُدنةَ، ولكل حرب ميدان.

- سعيد: (وهذا البهو الفسيح كالميدان).

- وتساءل رؤوف بهدوء غاضب: أي شبه بين هذا البهو والميدان؟

- سعيد: أقصد أنه مثال للذوق الرفيع.

- رؤوف: المراوغة عبث، أفصح عما في نفسك أنا أفهمك، وأنت تعرف ذلك.

- سعيد: لم أقصد سوءًا على الإطلاق..

- رؤوف: يجب أن تعرف أنني أعيش بكدي وعرقي.

وبعد انتهاء هذا (الموقف) سأل رؤوف سعيدًا عما يفكر في صنعه بعد خروجه من السجن، وعن العمل الذي يحسنه لكي يعمل، فأجاب سعيد.

- سعيد: تعلمتُ الخياطة في السجن.

- رؤوف: هل تريد أن تفتح دكانَ خياطة؟

- سعيد: لم أتقن في حياتي إلا حرفةً واحدة.

- رؤوف: هل تريد أن تعود إلى اللصوصيّة؟

- سعيد: هي مجزية جدًا (كما تعلم).

- صرخ رؤوف بحدة: كما أعلم! من أين لي أن أعلم؟

- سعيد: لا تغضب هكذا، أقصد أن أقول كما تعلم عن مَاضِيَّ.

المعاني المضمرة التي تعين على فهم التعريض

ذكرنا لك أن التعريض يكون وليد الموقف والمقام، ويحتاج فهمه إلى إدراك طبيعة الموقف وخلفياته الغائبة عن السياق التي تكون –في الغالب– وليدة أحداث مُضمرة خفيّة يفطن إليها المُعرَّض به، ولذا استغل الكُتاب الروائيون «التعريض» لإبراز خفايا نفوس أبطالهم ومواقفهم تجاه الآخرين، وبالطبع قارئ الرواية المُلمّ بأحداثها المُدرك لماضي أبطالها وحاضرهم يكون في قلب الموقف والمقام، ولذا يكون التعريض مفهومًا بالنسبة له.

وينبغي لنا الآن لكي نفهم التعريض الوارد في هذا المثال الروائي الذي ذكرناه أن نوضح طبيعة الموقف الذي يعرفه قارئ الرواية المُلِمّ بأحداثها: كان سعيد في مقتبل حياته خادمًا في سكن الطلاب الذي يقيم فيه رؤوف الطالب الجامعي في ذلك الوقت، واستطاع رؤوف أن يستحوذ على عقل سعيد، وأن يوجهه نحو سرقة الأثرياء موهمًا إياه أنه يسترد حقوقه المغتصبة، وأن هذه السرقة إنما هي نوع من النضال الشريف، كما كان يشركه معه في معسكرات التدريب لمقاومة الاحتلال الإنجليزي لمصر، وفي خضم الأحداث سُجن سعيد سنوات طويلة لأن الشرطة أمسكته متلبّسًا بسرقة قصر أحد الأغنياء، وخلال هذه السنوات تحررت مصر من الاحتلال، وأصبح رؤوف من الوجهاء الأثرياء المرموقين، وعندما زار سعيد صديقه وأستاذه القديم في قصره بَهَرَه ثراؤه، وعندما تحدّث رؤوف عن ميدان نضاله الجديد في العمل الصحفي، وعندئذٍ عرّض سعيد بثرائه المشبوه، ليعبر عن خيانته وتكسّبه غير الشريف، فقال له: «وهذا البهو الفسيح كالميدان»، وكأنما أراد أن يقول له: أي نضال هذا الذي تعنيه وأنت غارق في النعيم، وقد أدرك رؤوف مغزى التعريض، ومن ثمّ نهره ووبخه، وقال له: «إنني أعيش بكدي وعرقي».

وفي الموقف الثاني عرّض سعيد بلصوصية رؤوف في مطلع حياته، فقال له: «السرقة مجزية كما تعلم»، يريد أن يقول له: «أنت لص قديم، وإن بدا مظهرك اليوم من النبلاء والشرفاء»، وبطبيعة الحال تظل هذه المعاني غائبة تمامًا عمن لا يحيط علمًا بطبيعة الموقف وبواعثه وتداعياته ومضمراته، بينما يكفي السياق لوحده لفهم مغزى الكناية. 

التعريض جمل مركّبة وقد تكون الكناية كلمة مفردة

ولما كان التعريض وليد الموقف استوجب الموقف كونه جملةً مركّبةً؛ بينما يصح –خلافًا لذلك– أن تكون الكناية كلمةً منفردةً؛ كقولنا: «الخليل، والبيت، والكليم» كنايةً عن: «إبراهيم عليه السلام، والكعبة المشرَّفة، وموسى عليه السلام».

التعريض يشير إلى المساوئ المذمومة ولا يُشترط هذا دومًا في الكناية

ونضيف إلى ما ذكرناه أن التعريض يتوخى دائمًا الإشارة الخفيّة إلى الجوانب السلبية المذمومة، وأبرز ما تتجلى فيه وظيفته البلاغيّة: مباغتة الخصم ومفاجأته بما لم يكن متوقعًا، مع الاحتياط من المؤاخذة باللوم؛ لأن التعريض يتسع لمعانٍ كثيرة من شأنها أن يُستدل بها لإيهام الخصم بأن المعنى الذي يفهمه لم يكن مقصودًا كما مرَّ بنا في المثال السابق الذي سقناه من رواية اللص والكلاب، بينما لا تقتضي الكناية هذا الأمر على الدوام، وإنما يجوز أن تعبر عن المحاسن والمساوئ على حد سواء، وغاية الأمر أن الأديب قد يكون مدفوعًا لاستخدام الكناية للتعبير عن موقف يتحرج من الإفضاء به بشكل صريح، ومن ذلك قول الأديبة رضوى عاشور عن العلاقة الجسدية الأولى لبطل روايتها «ثلاثية غرناطة»: «يرى المرأة ذات البستان، والنار الموقدة في كوخها، يمد يده إلى قدر العسل، يشهق ومذاق الشهد لاذع حلو لم يتبدد».

وبطبيعة الحال لا ينبغي التوقف عند هذه الوظيفة البلاغية فقط؛ فليست المسألة – برمتها – هروبًا من اللفظ الفاحش؛ وإنما يضاف إلى ذلك ما تمنحه الكناية من قدرة على التعبير الحسيّ عن تغلغل اللذة والامتلاء الوافر بالنشوة، واللغة المباشرة المبتذلة البذيئة أعجز ما تكون عن التعبير عن ذلك. 

الكناية تثري اللغة الأدبية بتعبيرات جديدة ومبتكرة خلافًا للتعريض

ولا جرم أن التعريض –خلافًا للكناية– قلما يقدم تصويرًا أدبيًّا مبتكرًا ومدهشًا، وإنما هو -في الغالب– أسير التعبيرات الدراجة المتداولة؛ لأنه –وإن تم توظيفه أدبيًّا– يظل في حيّز التداول القائم على إبلاغ رسالة وتوصيلها بشكل واضح دون تحريف.

ولهذا الذي ذكرناه تسهم الكناية في تقديم صور جديدة مبتكرة، شريطة أن تتجنب المألوف والمتداول والمعتاد؛ كقولهم: «طويل اللسان، وضيق الصدر، وخفيف اليد... إلخ»؛ فكل ذلك مما استهلكه الناس في حديثهم وشاع بين العوام، فانطفأ بريقه، وذهبت جِدّته، أما الكناية المُبتكرة الجيدة فهي التي تُفاجئ المُتلقي بتراكيب جديدة لم يألفها، ومن ذلك قول الرافعي مثلاً: «يَحسنُ بالمرأة الشرقيّة ألا تحاول تبريد الشمس في هذا الشرق، وأن تعرف فرق ما بينها وبين المرأة الغربيّة في الطبيعة والأمزجة»، فقوله: «تبريد الشمس» كناية عن تقليد الغرب، وهي كناية طريفة ومبتكرة، فيها إيحاءات ثريّة بحرارة الموروث الثقافي للأمة العربيّة، وجلاء اليقين الساطع الذي يجلل المرأة الشرقيّة ويسمو بها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة