بين الخوف واليقين

بين الخوف واليقين

د. موسى زايد

25 مايو 2025

350

بين الخوف واليقين

(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 10)، إنها القصة المكررة في كل زمان؛ قصة الفرعون المتجبر والحاكم الجبان، لا يهنأ له بال ولا يصل إلى قلبه اطمئنان، يتربص بالحوامل من النساء ويخطف منهن فلذات الأكباد ليقتلهم دون أن يرف له جفن أو يهتز له إحساس.

كم قتل من قبل موسى عليه السلام؟ الله أعلم، فليس عندنا إحصاء، ولم يذكر القرآن هذا لأن قتل طفل واحد يساوي قتل الملايين.

المشهد في صورة «القصص» مختلف عن غيره من سور القرآن، لأنه هنا يبدأ مع اللحظات الأولى لميلاد موسى، ولعل أمه كانت تخشى أن يسمع زبانية الفرعون بكاءه الأول، وما أن وضعته حتى احتارت؛ فهي كانت تستطيع إخفاء الحمل، ولكن الآن هيهات فليس للبيوت أمان!

ألهم الله عز وجل أم موسى بفكرة التابوت والبحر، فوضعته على عجل وحمله الموج إلى حيث لا تعرف.

الآية التي معنا تصور حالة الأم في هذه اللحظات؛ (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً)؛ أصبح هنا كما يقول الطاهر بن عاشور بمعنى صار، وصار تعني التحول من حال إلى حال، أما فارغاً فمعناه توقف العقل عن العمل، وعن التفكير وعن التدبير؛ وهذا مرده إلى أحد أمرين:

إما الاطمئنان والثقة واليقين الذي قذفه الله في قلبها: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 7).

وإما لأنها أُم، ومهما كان يقينها فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من بشريته وخوفه في مثل هذه الظروف وهو لا يعلم النتائج والمآلات.

وفي مواجهة الطغيان، كثيراً ما يتقلب الصالحون بين هذه المشاعر؛ مشاعر الثقة والاطمئنان واليقين بوعد الله، ومشاعر الوجل والإشفاق والحزن على ما يجري في الواقع.

ترى هل كانت هذه المشاعر هي التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «بدر» بعد أن بوأ أصحابه مقاعد للقتال وأخبرهم بمصارع قادة المشركين يقوم الليل ويلح على ربه: «اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض»؟! حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وصاحبه أبو بكر يلتزمه من الخلف ويقول: هوّن عليك يا رسول الله، فإن الله سينجز لك وعده.

وأما قوله تعالى: (إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) (القصص: 10): فمعناه إن كادت لتصرح بما فعلت وتحدث به والعيون والآذان حولها في كل مكان؛ (لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 10).

هكذا في هذه المواقف يأتي التثبيت والتأييد من رب الأرباب الحكم العدل والمنتقم الجبار الذي يقذف الأمان في قلبها فيذهب كل خوف وقلق، وتبدأ لترتب رحلة البحث عن الرضيع بمساعدة طفلتها الصغيرة.

وبهذا الطفل الرضيع وبهذه المرأة الصالحة وبهذه الطفلة الصغيرة يتحدى الله عز وجل فرعون وزبانيته وحاشيته وجنده ليحقق من خلالهم إرادته الغالبة وقدره النافذ؛ (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ {5}‏ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: 6).

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة