بين صخب الهرج وفوضى «الترند».. لمحات من البيان النبوي
في الوقت الذي
يغفل فيه الناس عن العبادة، وينشغلون بكثرة الفتن والصراعات، وتزييف الحقائق التي
تموج بها المجتمعات المعاصرة يحتاج المؤمن إلى مجاهدة النفس وهجر الهوى؛ حتى
يهتدي، وكلما زاد العبد جهاداً لنفسه، زاد الله في هدايته وبصيرته، قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا فِينَا
لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ) (العنكبوت: 69).
وفي هذا السياق،
يأتي الحديث النبوي الشريف الذي نقف معه وقفات بيانية، نستجلي فيها بعض مظاهر
البلاغة فيه، قال صلى الله عليه وسلم في: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ
إِلَيَّ» (صحيح مسلم، 4/ 3368).
حيث بين الرسول
صلى الله عليه وسلم أن المسلم الذي يعبد الله وقت انشغال الناس بالفتن، كأنه ترك
موطن الكفر والاضطراب وهاجر إلى حيث الأمن والسكينة بجواره صلى الله عليه وسلم.
الهرج بين الأصالة والمعاصرة
الهرج في
المعاجم القديمة معناه: «الفِتْنَةُ واختلاط الأمور، وكثرة القتل أيام الفتن».
وإذا كان الهرج
في دلالته التاريخية قد ارتبط بسفك الدماء واضطراب الأمن، فإن جوهره اللغوي القائم
على الاختلاط والفتنة يتجلى في عصرنا بصور معنوية لا تقل خطورة؛ إذ انتقل صخب
الفتن من الطرقات إلى الشاشات وفي الواقع الذي نعيشه اتخذ صوراً أكثر تعقيداً،
منها الهرج الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الشائعات وتُزيف
الحقائق تحت ما يُسمى بأكذوبة «الترند»، ويرجع سبب هذا التشبيه إلى أن الناس في
زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين؛ فتكون حالهم شبيهة بحال الجاهلية.
التحليل اللغوي
بدأ الحديث
بالجملة الاسمية «العبادة» ليقرر حقيقة ثابتة ومستمرة، وجاء لفظ «العبادة» معرفاً
بـ«أل» الجنسية؛ ليستغرق ويشمل كل أنواع الطاعات.
«فِي الْهَرْجِ»:
جار ومجرور متعلقان بمحذوف (حال) من العبادة؛ أي: العبادة حال كونها في وقت الفتن.
وهنا يتبادر إلى
الذهن سؤال: ما السر اللغوي في اختيار لفظ «الهرج» دون غيره من الألفاظ؟
وتكمن الإجابة
في أن لفظ الهرج فيه دلالة صوتية، فالهرْج فيه صوت الهاء الحلقية المفتوحة التي
ترمز للانتشار، والراء الساكنة التي تدل على التكرير؛ وهو ما يضفي إيقاعاً من
الاضطراب والحركة السريعة والارتعاش ويُصور حالة الاضطراب والفوضى، بينما لفظ «الهِجْرة»
الهاء المكسورة توحي بالثقل والنية الجادة، والكسرة في اللغة العربية غالباً ما
ترتبط بالانتقال من حال إلى حال والتركيب «هـ، ج، ر» يصور معنى التباعد والقطع
(الهجر) ليعكس التناقض بين ضجيج الفتن وسكينة العبادة.
«كَهِجْرَةٍ
إِلَيَّ» أداة التشبيه: الكاف تدخل على المفردات لتفيد المماثلة؛ فالهجرة انتقال
من دار الكفر إلى دار الإسلام، والعبادة في الفتن هي انتقال بالقلب من دار الهرج
والفوضى إلى رحاب النبي صلى الله عليه وسلم حيث الاطمئنان والسكينة، وجاءت كلمة «هجرة»
نكرة لتفيد التعظيم؛ أي هجرة عظيمة الشأن، رفيعة القدر.
«إليّ» الإضافة
في «إلي» إضافة تشريف وتعظيم، فمن يعبد الله وقت انشغال الناس بالفتن، لا يُترك
وحده؛ ليُشعر المؤمن بالقرب والمحبة والأمان في كنف النبي صلى الله عليه وسلم.
التحليل البلاغي
تتجلى في هذا
الحديث عبقرية جوامع الكلم، حيث جمع في عبارة قصيرة معاني عظيمة يحمل الحديث
الشريف تشبيهاً بليغاً من النوع التمثيلي، حيث شبه النبي صلى الله عليه وسلم «العبادة
في الهرج» بـ«الهجرة إليه» فرفع قدر العبادة البسيطة في وقت الشدة إلى مصافّ أعظم
عمل قام به الصحابة، وهو الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا تعادل العبادةُ وقت الهرج الهجرةَ؟
لأن وقت الهرج
والفتن ينشغل الناس بالصراعات والشائعات، والذي ينشغل بالعبادة ويقبل على ربه يكون
قد جاهد نفسه، وخالف التيار، وهجر الهوى؛ وهذا هو جوهر الهجرة الذي نص عليه النبي
صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال : «والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه»،
فشبه من يتمسك بدينه وقت الفتن بمن هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، والجامع بينهما مجاهدة النفس، والتضحية والصبر على الأذى.
الإيجاز والشمول
شملت كلمة «العبادة»
كل وجوه الخير، فأطلق العنان لخيال السامع (صلاة، ذكر، صدقة، بر إحسان، كفّ
الأذى)، وشملت كلمة «الهرج» كل اضطراب زماني أو مكاني.
المقابلة
المعنوية بين «الهرج» الذي يمثل الضجيج، والتخبط، واشتغال الناس بالدنيا، و«الهجرة»
إلى رسول الله التي تمثل السكون والطمأنينة.
إن حديث
«العبادة في الهرج» بين أن الثبات في أوقات الفتن أصعب من الهجرة في أوقات
السِّلم، لأن المُهاجر يترك محيطاً فاسداً ليصلح حاله، أما العابد في الهرج فيظل
في محيط فاسد ويصلح حاله فهو يقاوم نفسه، وهذا أشد وأعظم.
وفي الحديث
رسالة أمل لكل من يشعر بالغربة بين الناس؛ فالمؤمن لا ينخرط في الفوضى، بل يصنع
لنفسه واحة من الصلاح، والعُزلة عن الفتن ليست سلبية، وإن لحظة الاضطراب قد تكون
أعظم فرصة للتقرُّب إلى الله، فبينما يتقاتل الناس على حطام زائل أو عابر، يهاجر
العابد بقلبه إلى ربه، وهجرته لا تحتاج إلى سفر، بل إلى قلب ثابت، ويقين راسخ،
وإرادة قوية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً