جدلية التنمية والنهوض الحضاري في رؤية الشيخ علي القره داغي..
بين قصور النظريات المستوردة وشمولية المنهج الإسلامي
تُعد قضية التخلف والبحث عن سبل التنمية
من أعقد المعضلات التي تواجه العالم الإسلامي منذ سقوط الخلافة العثمانية قبل قرن
من الزمان، وفي هذا السياق، قدم الشيخ علي القره داغي في مجلسه العلمي رؤية
تحليلية عميقة تحت عنوان «جدلية التنمية في عالمنا الإسلامي طوال مائة عام.. رؤية
إسلامية»، مُشرحاً أسباب الفشل المتراكم رغم تعاقب النظريات الاقتصادية، وواضعاً
اليد على الجرح الغائر في جسد الأمة، ومقدماً في الوقت ذاته الترياق المستمد من
فقه الميزان والرؤية الإسلامية الشاملة.
ويسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الرؤية
وتحليل مرتكزاتها الأساسية كما وردت في المحاضرة.
أولاً: مفارقة الثروة والتخلف.. تشخيص الأزمة:
يستهل الشيخ القره داغي تحليله بالإشارة
إلى مفارقة صارخة تعيشها الأمة الإسلامية؛ فمنذ سقوط الدولة العثمانية عام 1924م،
ومرور مائة عام، لم تستطع الأمة الخروج من نفق التخلف المظلم رغم امتلاكها لمقومات
هائلة.
فيشير الشيخ إلى أن العالم الإسلامي
يمتلك حوالي 56% من بترول العالم، وأكثر من 60% من الغاز، فضلاً عن المعادن
النفيسة والنادرة، ومع ذلك فهو يعاني من التخلف الشامل.
ويؤكد الشيخ أن هذا التخلف ليس له أي
مبرر اقتصادي أو اجتماعي أو علمي، بل هو نتاج عوامل أخرى حالت دون تحقيق التنمية
المطلوبة، لقد جُربت على جسد الأمة مختلف الأيديولوجيات؛ من الاشتراكية، والقومية،
والبعثية، والشيوعية، وصولاً إلى الرأسمالية، لكنها جميعاً فشلت فشلاً ذريعاً ولم
تفلح في تحقيق النهضة المنشودة.
ويعزو الشيخ السبب الجوهري في ذلك إلى
إهمال الإنسان الذي يعتبره قطب الرحى والمركز الأساسي في عملية التنمية، مؤكداً
التلازم العقلي بين تقدم الأفراد وتقدم الأمم.
ثانياً: نقد النظريات الغربية.. لماذا تنجح هناك وتفشل هنا؟
يقدم الشيخ نقداً أبستمولوجياً وواقعياً
لتطبيق النظريات الاقتصادية الغربية في البيئة العربية والإسلامية، فيرى القره
داغي أن الغربيين عندما صاغوا نظرياتهم الاقتصادية، كانوا قد أنجزوا مسبقاً 3
إصلاحات جوهرية: إصلاح النظام السياسي، وإصلاح النظام التعليمي، وإصلاح النظام
الديني (بتحييد الكنيسة التي كانت تعارض العلم)؛ وبالتالي، فإن نظرياتهم (مثل
التحليل الكلاسيكي لآدم سميث، أو النيوكلاسيكي، أو نظريات كينز، أو مراحل النمو
لروستو) نظريات جزئيه تعالج مشكلات فرعية داخل نظام كلي مستقر وسليم.
أما في العالم العربي والإسلامي، فقد تم
استيراد هذه النظريات وتطبيقها في بيئة تفتقر لتلك الشروط الثلاثة؛ فلا وجود لنظام
سياسي رشيد، وإنما استبداد وفساد، ولا وجود لنظام تعليمي ابتكاري، ولا هناك فهم
ديني صحيح يدفع نحو العمران.
ويضرب الشيخ مثلاً بنظرية التحليل
الكلاسيكي التي تركز على النمو الاقتصادي، وكيف أنها تفترض وجود ديمقراطية وتعليم
متطور، وهو ما لا يتوفر في عالمنا؛ ما جعل تطبيقها يزيد التخلف، بل وأدى إلى إلصاق
تهمة الفشل بالإسلام ظلماً وزوراً.
ويستعرض الشيخ عدداً من النظريات التي
دُرست في الجامعات العربية دون جدوى، مثل نظرية «المراحل الخمس» لروستو، ونظرية
كينز التي ركزت على التشغيل وعلاج البطالة عقب الكساد الكبير، ونظريات هارود
ودومار.
ويرى أن الاعتماد على المؤشرات المادية
البحتة، مثل نسبة النمو الاقتصادي، ثبت فشله حتى باعتراف الأمم المتحدة التي تحولت
لاحقاً في تقاريرها لعام 1992م، إلى مفهوم «التنمية البشرية» ثم «التنمية
المستدامة»، مقرة بأن الأرقام الصماء للنمو لا تعكس رفاهية الإنسان ولا كرامته.
ثالثاً: الرؤية الإسلامية البديلة.. التنمية الشاملة والمتوازنة في مقابل النظرة المادية الغربية الأحادية:
يطرح الشيخ القره داغي الرؤية الإسلامية
للتنمية، التي تقوم على مفهوم الشمولية، التنمية في الإسلام ليست مجرد أرقام
اقتصادية، بل هي عملية متكاملة تشمل الفرد والمجتمع والدولة:
1- تنمية الفرد (بناء الداخل والخارج): يرى
الشيخ أن تنمية الفرد حجر الزاوية، وهي تنقسم إلى تنمية الداخل وتنمية الخارج.
تنمية الداخل: وتتطلب تطوير 4 أجهزة رئيسة
في الإنسان:
- الروح: وهي مركز الإرادة، وتستمد قوتها
من القرآن الكريم، مستشهداً بصمود أهل غزة كنموذج لقوة الروح.
- القلب: وهو محل التزكية وحب الإيمان
وكراهية الكفر والفسوق.
- النفس: وهي محل الشهوات (المال، الجنس،
الجاه)، وتحتاج لتهذيب لتصبح نفساً مطمئنة.
- العقل: ووظيفته التحول من التفكير
الجزئي والمصلحي الضيق إلى التفكير الكلي ومصلحة الأمة.
2- تنمية الخارج: وتتمثل في الأخلاق
والسلوك القويم للجوارح، ويؤصل الشيخ للعلاقة الطردية بين الاستقامة الروحية
والرفاه الاقتصادي مستدلاً بالآية الكريمة: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّاراً {10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) (نوح)،
فالإنسان الذي يخاف الله ويمتلك رقابة ذاتية (كما في قصة بائعة اللبن مع عمر بن
الخطاب) هو الضمانة الحقيقية ضد الفساد الذي يلتهم ثروات الأمم.
3- مسؤولية الدولة (الإخلاص والاختصاص):
ينتقل الشيخ للحديث عن دور الدولة المحوري، مؤكداً أنه لا تنمية دون دولة راعية
تضع السياسات والخطط، ويحدد مواصفات المسؤول الناجح في الإسلام بشرطين أساسيين
استنبطهما من القرآن الكريم:
- الإخلاص: وهو الجانب الإيماني والرقابة
الذاتية.
- الاختصاص: وهو العلم والخبرة والقدرة
الفنية.
وينتقد الشيخ بشدة الفساد السياسي
المتمثل في تعيين «الأكِفَّاء» (جمع كفيف/أعمى) بدلاً من «الأَكْفَاء» (أصحاب
الكفاءة)، والفساد الإداري والمالي الذي ينخر في جسد الدول العربية، كما يشدد على
ضرورة وجود سياسات اقتصادية ومالية ونقدية واضحة، مستلهماً من خطة نبي الله يوسف
عليه السلام التي تضمنت مراحل للإعداد، والادخار، والتقشف العادل، ثم الانطلاق
والرخاء.
ويشير إلى أهمية التخطيط الإستراتيجي،
وأن الدولة لا ينبغي أن تتدخل في الملكية الخاصة إلا بالتنظيم، مع ضرورة توجيه
الموارد نحو الإنتاج الحقيقي لا الاستهلاك الترفي، محذراً من ظاهرة «بئر معطلة
وقصر مشيد» التي ترمز لتعطل وسائل الإنتاج مقابل الرفاهية الشكلية للطبقة الحاكمة.
رابعاً: التعليم والابتكار.. مفتاح النهوض:
يركز الشيخ بشكل لافت على قضية التعليم
كشرط مسبق للتنمية، مستشهداً بتجربة سنغافورة التي بدأت بالاستثمار في الإنسان
والتعليم، وينتقد بشدة الواقع العربي حيث يتم استيراد المنتجات والتقنيات دون
توطين للمعرفة.
ويشير إلى أن أول آية نزلت في القرآن هي «اقرأ»،
وقد اشترطت شرطين للقراءة المنتجة: «باسم ربك» (الإيمان والأخلاق)، و«وربك الأكرم»
(الكرامة والحرية)، فالإنسان المقهور المستبد به لا يمكن أن يبدع؛ لأن الحرية هي
وقود الإبداع.
ويعرج الشيخ على التاريخ الإسلامي
المشرق، حيث سار السلف على خطين متوازيين؛ خط العلوم الشرعية وخط العلوم الكونية،
فبرز علماء موسوعيون جمعوا بين الفقه والطب والرياضيات، ويذكر أمثلة باهرة مثل
الخوارزمي الذي أسست نظرياته للتقنيات الحديثة (Blockchain)، وصلاح الدين الأيوبي الذي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان
فقيهاً ومهندساً بنى قلاعاً بتقنيات اتصالات متقدمة وساعات ميكانيكية دقيقة، وكذلك
العثمانيون الذين استقطبوا العقول والمبدعين مثل المعماري سنان، واستفادوا من
تقنيات عصرهم لفتح القسطنطينية.
خامساً: تصحيح المفاهيم.. بين الرهبانية وإعمار الأرض:
يتناول الشيخ إشكالية فكرية كبرى ساهمت
في تخلف المسلمين، وهي الفهم الخاطئ للزهد وتسلل مفاهيم «الرهبانية» التي ذمها
القرآن إلى العقل الجمعي المسلم، يوضح القره داغي أن الإسلام يريد للمسلم «حسنة
الدنيا وحسنة الآخرة»، وأن إعمار الأرض عبادة، والفقر ليس فضيلة، بل هو «مرض»
استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم.
وينتقد الشيخ حصر مفهوم «العلوم الشرعية»
في الفقه والحديث فقط، وحصر «العبادة» في الشعائر، مؤكداً أن العلوم التي تنفع
الناس من طب وهندسة علوم شرعية بالمعنى العام، وأن العمل المنتج عبادة.
ويشير إلى أن الخرافة تعيق التنمية،
ضارباً المثل بقصة «بابا گرگر» في كركوك، حيث كان الناس يظنون النار المشتعلة
كرامة لولي، بينما اكتشف الإنجليز أنها غاز وبترول واستثمروها، في دلالة رمزية على
الفرق بين العقلية الخرافية والعقلية العلمية العملية.
سادساً: فقه الميزان.. الثنائية المتناغمة:
يختتم الشيخ رؤيته بالحديث عن «فقه
الميزان»، الذي يقوم على ميزانين؛ توحيد الخالق، وشفعية المخلوق.
- توحيد الخالق: هو الثابت المطلق.
- شفعية المخلوق: تعني أن كل ما سوى الله
مخلوق في أزواج (ثنائيات)، والمطلوب هو التوازن بين هذه الثنائيات؛ الدنيا
والآخرة، الروح والمادة، الوحي والعقل.
ويرى الشيخ أن الغرب وقع في «الأحادية»
بالتركيز على المادة والدنيا وإهمال الروح، بينما وقع كثير من المسلمين في أحادية
معاكسة بفهم قاصر للدين يعزلهم عن الدنيا، والحل يكمن في الجمع بين «العمران
الصحيح» و«التدين الصحيح».
يخلص الشيخ علي القره داغي في محاضرته
القيمة إلى أن التنمية في العالم الإسلامي ليست مجرد قرار اقتصادي، بل هي عملية
تغيير حضاري شامل تبدأ من تحرير الإنسان وعقله، وإصلاح النظام السياسي ليكون
قائماً على الشورى والعدل، وإصلاح النظام التعليمي ليكون محفزاً للإبداع، وتصحيح
المفاهيم الدينية لتكون دافعة للعمل والإنتاج لا للتواكل.
إن الأزمة الحالية، رغم قتامتها، ومظاهر
الثراء الفاحش للحكام مقابل فقر الشعوب، والتبعية المذلة للأجنبي، لا يمكن تجاوزها
إلا بالعودة إلى هذا المنهج الشامل الذي يعيد للإنسان كرامته وللأمة دورها في
الشهود الحضاري.
لقد قدم الشيخ في هذه «الجدلية» خارطة
طريق تخرجنا من دائرة النقد البكائي إلى دائرة العمل البنائي، مؤكداً أن الفكر
الصحيح المحرك الأول، وأنه لا مبرر لبقاء أمة تملك كتاب الله وثروات الأرض في ذيل
القافلة البشرية.