تأملات في سعة العطاء الإلهي وخزائن الغيب التي لا تنفد

حين وسع الله السماء.. لماذا نضيق على أنفسنا؟

تأملات في سعة العطاء الإلهي وخزائن الغيب التي لا تنفد (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).

قف عند هذه الآية طويلاً، ليس لأنها تحكي عن بناء كوني فحسب، بل لأنها تخبرك عن صفة من صفات الخالق الذي تتعامل معه كل يوم، الذي ترفع يديك إليه بالدعاء، الذي تأمل رحمته وتخشى عذابه. إنه يقول لك بصريح العبارة: أنا الذي بنيت هذا السقف المرفوع بلا أعمدة، الذي أودعت فيه شموساً وأقماراً ونجوماً، الذي جعلته سقفاً محفوظاً لا يقع على الأرض، أنا الذي فعلت كل هذا بقدرتي، والأهم من ذلك: أنا لموسع. أنا الذي وسعت كل شيء، وسعت رحمتي كل شيء، وسعت خزائني كل شيء، وسعت قدرتي كل شيء، فلماذا تضيق أنت؟ لماذا تضيق بقدرتي؟ لماذا تضيق برحمتي؟ لماذا تضيق بعطائي؟ لماذا تظن بي الظنون التي لا تليق بجلالي؟

هذه الآية وحدها كفيلة بهدم كل جدار من جدران الفقر النفسي التي بنيناها حول أنفسنا عبر قرون من العجز والاستكانة التي ألبسناها ثوب الدين زوراً وبهتاناً. إنها تعلن أن الأصل في هذا الكون هو الوفرة، الأصل هو السعة، الأصل هو الامتلاء، والندرة هي الاستثناء الذي صنعته أيدينا القاصرة أو أقدارنا المؤقتة التي نمر بها في محطات الاختبار.

لنتأمل معاً قول الله تعالى في الآية نفسها من سورة الذاريات التي تليها مباشرة: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ). تأمل هذا الربط البديع: السماء التي بنيتها بقدرتي وأنا الذي أوسعها وأوسع فيها، في هذه السماء ذاتها وضعت رزقكم. ليس الرزق محصوراً في الأرض التي تعلمون حدودها وتعرفون ضيقها أحياناً، بل هو ممتد إلى هذا الفضاء الرحب الذي لا تحدونه. المطر ينزل من السماء، والنور يأتي من السماء، والحرارة التي تدفئكم تأتي من السماء، والقوانين التي تسير الزرع والضرع والنفس البشرية كلها تأتي من السماء. فكيف وقد جعل الله رزقكم في السماء أن يضيق عليكم؟ كيف وقد جعل مصدر الرزق في ذلك الاتساع اللامتناهي أن تشعروا بالضيق والحرمان؟

ثم يقول: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ). يقسم رب السماء والأرض بنفسه أن هذا الكلام حق، حق مثل حقيقة نطقكم الذي لا تشكون فيه. إنه يؤكد لكم أن رزقكم في السماء، وأنه موسع لكم، وأنه لا يعجز عن إعطائكم ما تريدون وما تحتاجون وما تأملون. فلماذا إذاً نرى أنفسنا وأبناءنا ومجتمعاتنا تغرق في ثقافة الفقر وعبادة العوز والخوف من الغنى والتردد في طلب الفضل؟

دعوني أسرد لكم قصة فكرة، قصة كيف تحولت فكرة "القناعة" التي هي خلق نبيل إلى سلاح لقتل الطموح، وكيف تحول "التوكل" الذي هو اعتماد القلب على الله إلى حجة للكسل والاتكالية، وكيف تحول "الزهد" الذي هو ترك ما يشغلك عن الله إلى تقديس للفقر والفاقة. إنها قصة طويلة بدأت مع دخول أمم وثقافات إلى الإسلام حملت معها موروثاً من الرهبانية وتقديس الألم والفقر كطريق إلى الخلاص، فاختلطت تلك الأفكار بالنصوص الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى العمل والإتقان والطلب من فضل الله.

ولنعد إلى جذور الموضوع من أساسها: كيف نظر القرآن إلى الرزق؟ وكيف نظرت السنة النبوية إلى المال والغنى؟ ومن ثم كيف فهم العلماء هذه النصوص عبر العصور؟ ثم نسأل السؤال المحوري: لماذا ندعو الناس إلى الدون وإلى القليل وإلى الانكماش بينما الله يقول "وإنا لموسعون"؟

إن الرزق كما قسمه المحققون من العلماء على ثلاث مراتب متباينة، وليست هذه المراتب من قبيل الرفاه الفكري، بل هي من قبيل الفهم الدقيق لنصوص الواقع والنص القرآني معاً. المرتبة الأولى هي رزق الحد الأدنى، رزق الضمان الإلهي الذي يشترك فيه كل من نطق بالشهادة ومن لم ينطق بها، كل من عبد الله ومن عبد الحجر، كل من صلّى وصام ومن لم يصلّ ولم يصم. إنه رزق الاستمرار البيولوجي البسيط. قطرة الماء التي تبلعها وأنت في أشد لحظات العطش، لقمة الخبز اليابسة التي تدفع عنك جوعاً قد يقتلك، الهواء الذي يدخل إلى رئتيك وأنت نائم دون أن تطلب منه أن يدخل. كل هذه أرزاق ضمنها الله لكل دابة على وجه الأرض، قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا). هذا الرزق لا يحتاج إلى جهد، لا يحتاج إلى إتقان، لا يحتاج إلى إيمان، بل هو رزق مضمون بضمان الربوبية التي وسعت كل شيء. الكافر يأكله والمؤمن يأكله، البر والفاجر والغني والفقير، الجميع في هذا المستوى سواء. لكن الله لا يريد لعباده أن يقفوا عند هذا المستوى، كما لا يريد للطالب أن يقف عند درجة الرسوب.

أما المرتبة الثانية فهي رزق السعي والعمل والإتقان والحذق. قال الله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى). هذه سنة كونية مطلقة، لا تفرق بين مسلم وكافر، ولا بين مؤمن ومنافق، ولا بين عربي وعجمي. من سعى نال، ومن جد وجد، ومن زرع حصد. هذه سنة الله في خلقه التي لن تجد لها تبديلاً. لو أن نصرانياً أتقن صنعته، وأحسن عمله، ووصل إلى درجة الحذق التي لا يدانيه فيها أحد، فإن الله سيجزيه جزاءه الأوفى في الدنيا قبل الآخرة، لأن الدنيا دار أسباب، والله لا يظلم مثقال ذرة. انظر إلى أطباء اليابان وألمانيا، انظر إلى مهندسي كوريا وأمريكا، انظر إلى حرفيي إيطاليا وسويسرا، إنهم يعملون بإتقان، ويحذقون حرفهم، فتأتيهم الأرزاق من كل حدب وصوب. ليس لأنهم مسلمين، بل لأنهم عملوا بقانون الله في الكون: "ليس للإنسان إلا ما سعى". وهذا هو العدل الإلهي المطلق. الإسلام لا يمنع هذا ولا يحرمه، بل يأمر به ويحث عليه ويجعل إتقان العمل عبادة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". فلماذا إذاً نرضى لأنفسنا ولأبنائنا أن يكونوا أقل إتقاناً من غيرنا؟ لماذا نرضى لهم أن يكونوا في المرتبة الأولى من الرزق بينما غيرهم في المرتبة الثانية والثالثة؟ إننا نظلمهم بتربيتنا لهم على الدون، وندعوهم إلى القليل وهم قادرون على الكثير.

والأدهى والأمرّ أن بعض الخطاب الديني المعاصر ما زال يروج لفكرة أن النجاح الدنيوي والغنى من علامات ضعف الإيمان أو البعد عن الله! وهذه فكرة وثنية صريحة تخالف نصوص القرآن والسنة. أليس سليمان بن داود عليهما السلام كان ملكاً عظيماً يؤتى بطير السباع والجن والإنس، وكان له من المال والسلطان ما لم يؤت أحد من بعده؟ أليس داود عليه السلام كان حداداً ماهراً يصنع الدروع ويبيعها ليعيش منها هو وعياله؟ أليس محمد صلى الله عليه وسلم كان تاجراً أميناً يدير أموال السيدة خديجة ويتاجر بها، وكان له من الغنم والأموال ما يكفيه وأهله؟ أليس أصحابه من بعده كانوا أغنياء وتجاراً وأصحاب أملاك؟ عثمان بن عفان كان أغنى أغنياء قريش، وأنفق ماله في سبيل الله حتى قال عنه النبي: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم". عبدالرحمن بن عوف كان تاجراً عظيماً، عندما قدم المدينة ترك تجارته مؤقتاً للائتلاف مع الأنصار، ثم عاد ليكون من أغنى أغنياء الصحابة. كل هؤلاء كانوا على أعلى درجات الإيمان والتقوى، ومع ذلك كانوا أغنياء. فمن أين أتت هذه الفكرة الدخيلة أن الفقر قربة إلى الله؟ إنها من بقايا الفكر الرهباني الذي تسلل إلى ثقافتنا عبر القرون، وليس من الإسلام في شيء.

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر". وجمع بينهما لأن الفقر قد يقود إلى الكفر، كما قال بعض السلف: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته". وكان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى". فجمع بين الغنى والعفاف، لأن الغنى الحقيقي ليس كثرة المال، بل غنى النفس الذي يمكن صاحبه من أن يملك المال ولا يملكه المال. وهذا هو السر الذي يفسر لنا لماذا كان بعض الصحابة أغنياء ولم تفسدهم أموالهم، بينما غيرهم من الناس يفسدهم القليل من المال. الفرق هو غنى النفس وتقوى القلب، وليس الفقر نفسه.

وهنا نأتي إلى المرتبة الثالثة من الرزق، وهي أعلى المراتب وأشرفها، وأكثرها غموضاً وجمالاً في آن واحد. إنها رزق المؤمنين المتقين، رزق الخزائن الإلهية التي لا تنال إلا بطاعته، ولا تفتح إلا لمن أخلص له واستقام على أمره. قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). هذا هو رزق "من حيث لا يحتسب"، وهو رزق يأتي بطرق لا تخطر على بال، من أبواب لم تكن موجودة قبل لحظة، من جهات لم تكن تتوقعها أبداً. هذا الرزق لا يرتبط بالسعي المادي وحده، بل يرتبط بالاستقامة والتوبة والصدق مع الله. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك". هذا هو رزق "التفرغ لله" الذي يبدو أنه ترك للدنيا، لكنه في حقيقة الأمر هو سبب في أن تأتيك الدنيا صاغرة.

وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). تأمل كلمة "بركات"، ليست مجرد أموال، بل بركات في المال، بركات في الوقت، بركات في الصحة، بركات في العلاقات، بركات في العمل، بركات في الذرية. إنها وفرة من نوع خاص، وفرة لا تقاس بالكمية بل بالكيفية والأثر. كم من إنسان عنده أموال طائلة لكنه لا يذوق طعم البركة فيها؟ تجده تعيساً، قلقاً، خائفاً، بخيلاً، لا يستمتع بماله، ولا ينفعه في دينه ولا دنياه. وكم من إنسان عنده القليل لكنه مبارك فيه، يكفيه ويغنيه ويقر به عينه ويسعده؟ هذه هي بركات التقوى.

وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ). أي أن كل شيء في هذا الكون، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، من أندر أنواع الطيب إلى أعم أنواع الرزق، كل شيء له خزائن عند الله. خزائن لا تنفد، خزائن لا حدود لها، خزائن لا تنقص بالعطاء أبداً، بل تزداد. خزائن لا يفتحها إلا من يعرف المفاتيح. وما هي مفاتيح هذه الخزائن؟ هي مفاتيح إيمانية وروحية: التوبة النصوح تفتح خزائن الرزق، الاستغفار الدائم يفتح خزائن الرزق، صلة الرحم تفتح خزائن الرزق، الصدقة السرية تفتح خزائن الرزق، التوكل الصادق يفتح خزائن الرزق، اليقين بالله يفتح خزائن الرزق. قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا). انظر كيف ربط الاستغفار بفتح أبواب الرزق: السماء تمطر مدراراً، والأموال تزداد، والبنون يكثرون، والجنات والأنهار تعمر. إنها صورة من صور الوفرة الإلهية التي لا يعرفها إلا من جربها.

إذاً، لدينا ثلاث مراتب من الرزق: رزق مضمون لكل حي، ورزق بالسعي والإتقان لكل إنسان، ورزق خاص بالتقوى والإيمان. السؤال الآن: أي هذه المراتب ندعو الناس إليها في خطابنا الدعوي والتربوي والإعلامي؟ للأسف الشديد، في كثير من الأحيان ندعوهم إلى المرتبة الأولى فقط، وإلى الدون، وإلى القناعة التي هي في حقيقتها استسلام للكسل وتبرير للفقر وتقديس للعجز. لماذا؟ لماذا نخاف على الناس من الغنى ونحن نقرأ كل يوم قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)؟ مغفرة للذنوب، وفضلاً في الأرزاق. لماذا نرضى لهم بالدون والله يقول: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) والخيرات تشمل كل ما هو خير في الدين والدنيا؟ لماذا نقنعهم بالقليل وهم يستطيعون الكثير؟

لقد تأملت كثيراً في هذه الظاهرة، وتتبعت جذورها في تاريخنا الفكري والاجتماعي، فوجدت عدة أسباب متراكمة، بعضها نفسي، وبعضها تاريخي، وبعضها سياسي، وبعضها ديني في ظاهره لكنه بعيد عن روح الدين في حقيقته.

السبب الأول: الخوف من الامتحان. الكثير من الدعاة والمربين يخافون على الناس من فتنة المال، فيفضلون لهم "السلامة في العافية"، كما يقولون. يظنون أن الفقر أأمن لهم من الغنى، وأن القليل أسلم لهم من الكثير. وهذا الكلام فيه نظر كبير. أولاً: لأن الفقر نفسه فتنة عظيمة، قد تخرج الرجل من دينه، وقد تدفعه إلى الحرام، وقد تقنطه من رحمة الله، وقد تورثه الحقد على المجتمع والناس. كم من جريمة حدثت بسبب الفقر؟ كم من زواج فشل بسبب الفقر؟ كم من إنسان ترك الصلاة أو أساء الظن بالله بسبب الفقر؟ الفقر فتنة عظيمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منه كما ذكرنا. ثانياً: الله لم يترك الناس في هذه الدنيا بلا امتحان، سواء كانوا أغنياء أم فقراء. فالغني يُمتحن: أيشكر أم يكفر؟ أيبذل أم يبخل؟ أيتواضع أم يتكبر؟ والفقراء يُمتحنون: أيصبرون أم يسخطون؟ أيؤمنون بالقدر أم يجزعون؟ أيطلبون من الله أم يلحدون؟ ليس هناك "سلامة من الامتحان" في هذه الدنيا، والظن أن الفقر أمان من الفتنة هو وهم كبير. بل ربما كان الغني الشاكر خيراً عند الله من الفقير الصابر، لأن الشكر مقام أعلى من الصبر، كما قال بعض أهل العلم: "الشكر هو الصبر على النعمة، والصبر هو الشكر على البلاء".

السبب الثاني: تأثر ثقافتنا ببعض الأفكار الدخيلة التي تسللت عبر التصوف المتطرف والرهبانية المسيحية والمانوية الفارسية. هذه الأفكار جعلت من الجسد عدوًا، ومن الدنيا سجناً، ومن المال نجاسة، ومن الفقر كرامة. وهي أفكار تخالف تماماً روح الإسلام الذي يقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ). الإسلام دين الحياة لا دين الموت، دين العمران لا دين الخراب، دين البناء لا دين الهدم. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الحلو والعسل، ويلبس الثياب الحسنة، ويتطيب بأطيب الطيب، ويتزوج النساء، ويضحك ويمازح، ويقاتل ويجتهد. لم يكن راهباً في صومعة، ولا زاهداً في معنى ترك الدنيا بالكلية، وإنما كان زاهداً في معنى أن الدنيا لا تملك قلبه، وأنها في يده لا في قلبه. وهذا هو السر: أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك. أن تملكها ولا تملكك. هذا هو الزهد الحقيقي، وليس أن ترميها وراء ظهرك بحجة التقوى.

السبب الثالث: الخلط بين "القناعة" كخلق نفسي رفيع وبين "الرضا بالفقر" كحالة اجتماعية متردية. القناعة الحقيقية هي أن تكون شاكراً على ما أعطاك الله، مع السعي المستمر لطلب المزيد من فضله. هي ألا تنظر إلى من هو فوقك في المال فتحسد، بل تنظر إلى من هو دونك فتشكر. هي ألا تذل نفسك لأحد من أجل المال، وأن تعيش عزيزاً كريماً بما آتاك الله. أما الرضا بالفقر بمعنى قبول الذل والمسكنة وترك السعي والأخذ بالأسباب، فهذا ليس من القناعة في شيء، بل هو من الكسل والاستكانة التي نهى الله عنها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير". والمؤمن القوي ليس فقط قوي الإيمان، بل قوي في بدنه، وقوي في علمه، وقوي في ماله، وقوي في سعيه. إنه القوي بكل معنى الكلمة.

السبب الرابع: سوء فهم حاد لمعنى التوكل على الله. كثير من الناس يفهمون التوكل على أنه "ترك الأسباب والاتكال على الله وحده". وهذا فهم خاطئ باطل. التوكل الصحيح هو "صدق الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب". الأخذ بالأسباب هو من التوكل، وليس ضده. فالمتوكل الحقيقي هو الذي يأخذ بكل الأسباب الممكنة التي شرعها الله في الكون، ثم بعد ذلك يفوض أمره إلى الله ويسلم له. لو كان التوكل معناه ترك الأسباب، لكان الأنبياء أترك الناس للأسباب، وهم أتوكل الناس. ولكننا نرى سيدنا نوح عليه السلام يبني السفينة بيديه، وينجرف مع قومه في صنع الأسباب لسنين طويلة. ونرى سيدنا إبراهيم عليه السلام يترك هاجر وولده إسماعيل في واد غير ذي زرع بمكة، لكنه يترك معهم جراباً من ماء ووعاء من تمر، ويتخذ من الأسباب ما يمكن. ونرى سيدنا يعقوب عليه السلام يقول لبنيه: (يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ)، ثم يقول بعدها مباشرة: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ). هذا هو عين التوكل: الأخذ بالأسباب بكل قوة، والقلب معلق بالله وحده. فالدعوة إلى ترك الأسباب بحجة التوكل هي دعوة إلى تعطيل سنة الله في الكون، وهي دعوة إلى البطالة والكسل، وليست من الدين في شيء.

إذا كان هذا هو حالنا في فهمنا للأرزاق والتوكل والقناعة، فما العمل؟ كيف نعيد بناء خطابنا الديني والتربوي ليكون خطاب وفرة وسعة، لا خطاب فقر وضيق؟ كيف نحرر عقول أبنائنا من عبودية الفقر النفسي التي ورثناها عن أسلافنا في لحظات ضعف الأمة وتخلفها؟

أولاً: علينا أن نبدأ بتعليم الناس مراتب الرزق كما ذكرنا، بوضوح وبساطة. أن يعرف كل إنسان أن هناك رزقاً مضموناً له بمجرد أن يكون حياً على وجه الأرض، هذا الرزق لا يحتاج إلى قلق ولا خوف ولا توتر. وأن هناك رزقاً آخر يحتاج إلى سعي وعمل وإتقان وحذق، وهذا الباب مفتوح للجميع، مسلمهم وكافرهم، مطيعهم وعاصيهم. وأن هناك رزقاً ثالثاً لا يناله إلا من اتقى الله وأخلص له واستقام على أمره، وهذا الرزق هو أوسع الأرزاق وأعظمها بركة، وهو الذي يفتح خزائن الله التي لا تنفد. عندما يعرف الناس هذه المراتب، سيعرفون أي طريق يسلكون، وسيعرفون أن الفقر ليس قدراً محتوماً، وأن الغنى ليس حراماً، وأن الأرزاق متاحة لمن يطلبها بالطرق المشروعة.

ثانياً: علينا أن نفرق بوضوح بين "التقشف الاختياري" و"الفقر الإجباري". التقشف الاختياري هو أن يختار الإنسان بنفسه، لمرحلة معينة من حياته، أن يقلل من ملذات الدنيا لأجل التفرغ للعبادة أو للتدريب على الصبر أو لسبب من الأسباب. هذا مقام عالٍ يختاره الخواص من الناس، وليس هو قاعدة عامة للأمة. أما الفقر الإجباري فهو أن تكون مجبراً على العيش في ضيق وحاجة، وهذا ليس مقاماً محموداً، بل هو بلاء وامتحان، وقد كان النبي يتعوذ منه. فلا يصح أن نجعل من الفقر الإجباري فضيلة، أو أن نروج له كأنه شيء مرغوب فيه. الناس يجب أن تسعى لتحسين أوضاعها المالية، وأن تطلب من الله الغنى الحلال، وأن تدعو بدعاء النبي: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى".

ثالثاً: علينا أن نغير خطابنا من "الرضا بالقليل" إلى "الشكر على القليل والطموح للكثير". الفرق كبير بين المفهومين. الأول يعلم الناس الاستسلام والانكماش. والثاني يعلمهم التوازن: أن يكونوا شاكرين لله على ما أعطاهم، لا يتذمرون ولا يتسخطون، وفي نفس الوقت لا يقفون عند حدود ما هم عليه، بل يسعون دائماً إلى الأفضل والأكثر والأحسن، مع بقاء قلوبهم معلقة بالله لا بالمادة. هذا هو السر الذي كان عليه الصحابة: كانوا أغنياء في أيديهم فقراء في قلوبهم، كانوا يأخذون من الدنيا ما يعينهم على طاعة الله ولا يشغلهم عنها.

رابعاً: علينا أن نربي في الناس "الهمة العالية". الهمة هي طموح النفس إلى معالي الأمور. والإسلام دين الهمم العالية. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب معالي الأمور وأشرفها ويكره سفسافها"؟ ألم يقل: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"؟ الهمة العالية تدفع الإنسان إلى أن يطلب الجنة، وأن يطلب العلم، وأن يطلب المال الحلال، وأن يطلب المناصب التي ينفع بها الناس، وأن يطلب الإتقان في كل عمل. الهمة العالية هي التي صنعت حضارة المسلمين في عصور ازدهارهم، عندما كانوا يبنون المدن ويؤسسون الجامعات ويخترعون الآلات ويكتشفون النجوم. لقد كانوا أسوداً في ميادين العلم والعمل قبل أن يكونوا أسوداً في ميادين القتال. كانوا أصحاب همم عالية لا ترضى بالدون ولا تقنع بالقليل. ثم جاءت عصور الانحطاط التي علمت الناس القعود والاتكالية، ورفعت شعار "القناعة كنز لا يفنى" لتبرير الفقر والعجز. ونحن نحتاج اليوم إلى استعادة تلك الهمم العالية، وإلى غرسها في نفوس أبنائنا منذ نعومة أظفارهم.

خامساً: علينا أن ننشر آيات السعة والفضول والوفرة في القرآن، وأن نجعلها هي النص الأساس الذي نقرأه ونردده ونعلمه. آيات مثل: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ)، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا). هذه الآيات وغيرها كثير يجب أن تكون هي النص المسيطر على وعينا الديني، وليس النصوص التي تتحدث عن الفقر والزهد والتي فهمناها فهماً مغلوطاً. النصوص التي تتحدث عن الفقر هي في معظمها أحاديث تحذيرية من فقر النفس وفقر القلب، أو هي خطاب موجه إلى فئة خاصة من الناس في ظروف خاصة، أو هي محمولة على سياقها الصحيح. أما النصوص التي تتحدث عن سعة الله ووفرة عطائه فهي النصوص العامة التي تخاطب كل الناس في كل زمان ومكان.

وأخيراً وليس آخراً، علينا أن نعيد تعريف "الغنى الحقيقي" كما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس". هذا هو المفتاح الذي يجمع بين طلب الدنيا والسلامة في الدين. غنى النفس هو أن تكون غنياً بالله، مطمئناً بقضائه، راضياً بعطائه، غير حريص على ما في أيدي الناس، لا تشغلك الدنيا عن الآخرة ولا تنسيك نفسك ولا ربك. هذا الغنى هو الذي يسمح لك أن تملك الدنيا كلها ولا تملكك هي. هذا الغنى هو الذي كان عند سليمان عليه السلام مع مملكته العظيمة، وكان عند عثمان بن عفان مع تجارته الواسعة، وكان عند عبدالرحمن بن عوف مع أمواله الطائلة. هذا الغنى هو الذي نريد أن نزرعه في نفوس الناس، مع تشجيعهم على طلب الرزق الحلال والعمل والإتقان والطموح.

إن الدعوة إلى الفقر والانكماش دعوة إلى موت الأمة قبل موت أفرادها. الأمة التي ترضى بالدون لا يمكن أن تصنع حضارة، ولا أن تبتكر اختراعاً، ولا أن تقود البشرية، ولا أن تكون شهيدة على الناس. إن الله وعدنا بالاستخلاف في الأرض والتمكين والغلبة، وهذا لا يأتي بالفقر والكسل والاتكالية. هذا يأتي بالإيمان القوي، والعمل الجاد، والإتقان العالي، والهمة العالية، والثقة بوعد الله أنه سيرزقنا من فضله إذا اتقيناه وآمنّا به وعملنا الصالحات. قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا). الاستخلاف والتمكين والأمن لا يأتي مع العجز والفقر والذل، بل يأتي مع القوة في كل شيء: قوة الإيمان، وقوة العلم، وقوة المال، وقوة الأخلاق، وقوة التنظيم. فلنرفع رؤوسنا، ولنطل من الله فضله، ولنسع في الأرض بالإتقان والحذق، ولنتق الله في السر والعلن، ولنوقن أن خزائن الله ملأى وأنه لموسع، ولنستحق أن نكون الأمة التي وعدها الله بالاستخلاف. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة