بجسارة وتأييد غير مسبوقين..

تاكر كارلسون يخوض «7 أكتوبر» داخل الوعي الأمريكي

د. السنوسي محمد

28 ديسمبر 2025

913

ما زالت أصداء يوم السابع من أكتوبر تتردد وتتصاعد، ليس فقط داخل منطقتنا العربية وما أحدثته فيها من إعادة ترتيب الأوراق، وإنما أيضًا داخل الفضاء الأوروبي والأمريكي؛ حتى وصلت هذه الأصداء إلى مناطق نفوذ ومساحات تأثير لم نكن نظن يومًا أنها تصبح عرضة للتساؤل فضلاً عن التشكيك والمراجعة.

وفي الفضاء الأمريكي، أصبح الإعلامي تاكر كارلسون عنوانًا على هذه الأصداء، وصارت القضايا التي يطرحها بما تتطرق إليه من محرمات سياسية وإعلامية، محلَّ جدل متواصل، وتكتسب قاعدة تتزايد يومًا بعد الآخر؛ حتى لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن كارلسون يخوض «7 أكتوبر» داخل الوعي الأمريكي؛ من حيث القضايا المطروحة، والتأثير المتصاعد، والاشتباكات ذات الجسارة.

ويكفي للإشارة إلى ذلك، أنه أعلن أنه لا يخشى القتل ولا الحبس، وأنه حتى لو قُتل أو حُبس فإن التساؤلات التي يطرحها ستظل تتردد، وهو بهذا التصريح يشير إلى خطورة ما يطرحه من جهة، وإلى مصير الناشط تشارلي كيرك الذي اغتيل في سبتمبر الماضي من جهة أخرى، وتثير قضية اغتياله العديد من التساؤلات!

وإذا استعرضنا أهم القضايا التي يشتبك معها كارلسون سيتضح لنا أهمية وخطورة الأتون الذي ألقى بنفسه فيه، وأن إشارته إلى أنه لا يخشى القتل ليست من قبيل ادعاء زائف بالبطولة، وإنما هي مخاوف ليست بعيدة أبدًا عن الواقع!

فكارلسون بمواقفه وتصريحاته أحدث هزة عميقة في الوعي الأمريكي؛ سواء ما يتعلق:

  • بخطابه وتعامله مع «إسرائيل» باعتبارها دولة أجنبية، وبالتالي يجب أن تكون «أمريكا أولاً» وفوق مصلحة «إسرائيل».
  • أو برَفْضِ اعتبار النقد الموجه لـ«إسرائيل» معاداة للسامية.
  • أو بإدانة «إسرائيل» لسلوكها الإجرامي في غزة.
  • أو بالدفاع عن المسلمين ورفْضِ ربطهم بالإرهاب، بل وَصَفَ ذلك بأنه «أمر مقزز».

ما يجعل كارلسون صوتًا قويًا ومتناميًا في فضح السردية الصهيونية، تلك التي يصرف عليها اللوبي الصهيوني ونتنياهو الملايين!

كارلسون ينظر لـ«إسرائيل» بوصفها دولة أجنبية

من أهم ما يميز كارلسون ويعطيه مصداقية أمام الجمهور الأمريكي أنه صوت من الداخل ومن قلب حركة «ماجا»، التي تنطلق من أن المصلحة الأمريكية أولاً؛ أي لا يمكن اتهامه باليسار أو الانحياز للعرب والمسلمين، وحتى لو قيل ذلك فإنه يصبح مجرد ادعاء غير ذي معنى.

ولهذا، قالت صحيفة «واشنطن بوست»: إن تاكر كارلسون، مذيع «فوكس نيوز» السابق، وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في اليمين الأمريكي، قد أصبح شخصية محورية هذا العام في ظل اصطدام عدد متزايد من حركة «ماجا» مع الرئيس ترمب، وأصبح يُنظر إلى كارلسون على أنه شخص ذو تأثير كبير سواء من الداعمين للحركة أو المعارضين لها.

ومن هذه الأرضية ينطلق كارلسون في تعامله مع «إسرائيل»، فهي بنظره دولة أجنبية لا يجوز أن تكون مصلحتها فوق المصلحة الأمريكية كما تريد «اللوبيات» الداعمة للكيان الصهيوني.

وفي إشارة إلى مواقف كارلسون الأخيرة، ومنها معارضته للتصعيد مع فنزويلا، ذكرت «واشنطن بوست» أن كارلسون يسعى إلى دفع الحزب الجمهوري بعيدًا عن التدخلات الخارجية، وفك ارتباطه بـ«إسرائيل» التي يرى أنها تمارس ضغوطًا مرهقة على السياسة الخارجية الأمريكية؛ ما أثار اتهامات متكررة ضده بأنه معادٍ للسامية.

أما كارلسون، فقد نفى اتهامه بمعاداة السامية، وحين سأله شاب عما إذا كان تلقِّي مشرِّعين والرئيس أموالاً من جماعة الضغط المؤيدة لـ«إسرائيل» (AIPAC) متوافقًا مع أجندة أمريكا أولاً، أجاب كارلسون بالنفي، مضيفًا وسط تصفيق كبير: إنها مجرد حقيقة واضحة.

إذن، هو يتعامل مع «إسرائيل» باعتبارها دولة أجنبية، وبالتالي يجب النظر للمصالح الأمريكية في ضوء ذلك.

نقد «إسرائيل» ليس معاداة للسامية

كذلك من أهم ما يثيره كارلسون في خطابه المهم والمشتبك مع قضايا ذات حساسية شديدة لدى الداخل الأمريكي، تركيزه على أن النقد الموجه لـ«إسرائيل» لا يعني معاداة السامية؛ أي أنه يفك الارتباط بين «إسرائيل» كدولة يمكن أن يتفق المواطن الأمريكي أو يختلف مع سياساتها، وما تريده لنفسها من قدسية، أو ما يريده لها البعض مثل تيار المسيحية الصهيونية، ولهذا، يسخر كارلسون من هذا التيار، ويصفه بـالهرطقة المسيحية.

ففي مقابلة له (حصدت 17 مليون مشاهدة) مع المعلق اليميني نيك فوينتس، الذي بدأ يتبنى آراء معادية لـ«إسرائيل»، قال كارلسون: المسيحيون الصهاينة؛ ما معنى ذلك أصلاً؟ مضيفًا: بالنسبة إليَّ شخصيًّا، فأنا أكرههم أكثر من أي أحد آخر؛ لأن هذا هرطقة مسيحية، وأنا كمسيحي أشعر بالإهانة من ذلك.

وحين واجه كارلسون هجومًا كبيرًا من قبل محافظين داعمين لـ«إسرائيل»، ووصفوه بـ«المعادي للسامية»، رفض ذلك قائلاً: مجرد أنني لا أريد الانصياع لإرادة زعيم أجنبي، لا يجعلني معاديًا للسامية، حسنًا؟ أعتقد أن معاداة السامية أمر غير أخلاقي، وأنا ضدها.

إدانة الإجرام «الإسرائيلي» في غزة

حينما وقع العدوان الإجرامي الصهيوني على غزة، الذي استمر لعامين تحت سمع وبصر العالم، رأينا الإعلام الغربي يَحتشد -أو يُحشَد- خلف الرواية الصهيونية متعاميًا عن أبسط المعايير الإعلامية أو الإنسانية التي تفرض نوعًا من المسافة بين طرفي الصراع، وتوجب التحقق من أي رواية يروجها أحد الطرفين عن نفسه أو عن الطرف الآخر.

وكان كارلسون أحد إعلاميين قلائل أفلتوا من ضغط التحشيد للرواية الصهيونية، حتى إنه اعتذر عن دعمه السابق لـ«إسرائيل»، وأكد أن قتل المدنيين جريمة غير أخلاقية، محذّرًا من أن من يبرّر الجرائم أو يدعمها سيحاسَب.

بل وأعلن كارلسون رفضه سلوك بعض الأمريكيين في الدعوة لتأييد «إسرائيل» من منطلق ديني، موضحًا أن شعب الله المختار بدعة مختلة لتبرير قتل الأبرياء، وأنه في المسيحية إذا كان هناك شيء واحد واضح وضوح الشمس، فهو أن المسيحيين لا يقبلون قتل الأبرياء، بحسب قوله.

كما انتقد كارلسون مزاعم «إسرائيل» بأنها لم تتعمد قتل المدنيين، قائلاً: الادعاء بأنهم قتلوا عشرات الآلاف من النساء والأطفال من غير المقاتلين عن طريق الخطأ، هو كذبة، لا، لقد قتلوهم عمدًا، لقد قتلوهم، هذه مجرد حقيقة، يمكنك أن تسميها ما تشاء، إبادة جماعية، حسنًا، لا يهم ماذا تسميها، هذا قتل، أنت تقتل الناس عن قصد.

إذن، هكذا تبدو تأثيرات السابع من أكتوبر وقد وصلت أصداؤها إلى الداخل الأمريكي، ووجدت ذوي ضمائر حية مثل تاكر كارلسون يتفاعلون معها، ويستفيدون منها في إعادة النظر حتى في قضاياهم الداخلية التي هي بلا شك تؤثر علينا نحن العرب والمسلمين؛ لأن الكيان الصهيوني يريد أن يصادر قرار الدول الكبرى، وتحديدًا أمريكا، لخدمة أطماعه وعدوانه؛ مرة باسم مصالح سياسية توسعية، وأخرى باسم أوهام دينية زائفة، وهو ما لم يعد ينطلي على كثيرين، منهم تاكر كارلسون!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة