تجليات صوم رمضان إيماناً واحتساباً
لا يصوم المسلم حين يصوم؛ تكراراً لعادة سنوية، أو استحياء أو إكراهاً؛ إرضاء لمخلوق يحبه أو يرجوه أو يخاف منه، أو تقليداً لآبائه وأجداده، ولا مجاراة لأسرته ومجتمعه، ولا يصوم لحفظ جسمه من كثرة الطعام، أو ليُشفى من بعض الأمراض، أو حِمية لإنقاص وزنه، بل يصوم المؤمن إيماناً واحتساباً، مخلصاً لله تعالى، ولو أدركه رمضان في أرض ليس فيها غيره، لصام وحده؛ مؤمناً مُقراً مذعناً منقاداً بأن صوم رمضان فرض عليه، ومحتسباً ثواب الصيام من الله وحده.
جزاء
رباني أوفى
من معاني
الاحتساب البدار إلى طلب الأجر وتحصيله، وفي حديث عمر: «أيها الناس احتسبوا
أعمالكم، فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته»(1)، ويتجلى
اسم الله الحسيب بما وعد الصائمين بجزاء رباني هائل لا مثيل له، قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال
الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي..» (رواه مسلم).
ويتجلى بما وعد
الصابرين (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ
رَبِّهِمْ) (الرعد: 22) أجراً بغير حد ولا عد ولا مقدار، يُصب عليهم الأجرُ
صبّاً (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم
بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، يدل على الوفرة والتعظيم؛ لأن الشيء الكثير لا يتصدى
لعده، والشيء العظيم لا يحاط بمقداره، فإن الإحاطة بالمقدار ضرب من الحساب وذلك
شأن ثواب الآخرة الذي لا يخطر على قلب بشر(2)، ويشمل ذلك كل من صبر على
مشقة في القيام بواجبات الدين، مثل الصيام، وامتثال المأمورات واجتناب المنهيات.
صدق الله وكذب بورقيبة
ولعلنا نتذكر
ماضياً وحاضراً إخواننا الذين تعرضوا للإكراه كي لا يصوموا فصبروا واحتسبوا، ولسان
حالهم يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقد حاول بورقيبة رمز العَلمانية في تونس
استخدام الصيام سياسياً عام 1960م، فدعا مواطنيه إلى الإفطار في نهار رمضان
لاكتساب القوة في نضالهم ضد الفقر والتخلف، وخرج العلامة الطاهر بن عاشور، عميد
الجامعة الزيتونية، في الإذاعة يصدع بالحق وقرأ آيات الصيام وفسرها، وشاع عنه قوله
للمذيع بعد البث: «صدق الله، وكذب بورقيبة».
إكراه واحتساب
أما أتاتورك،
ففرض قيوداً جعلت الصيام في المجال العام أمراً مرفوضاً، وحذرت الوزارات موظفيها
أن إظهار الصيام في بيئة العمل لا يتناسب مع روح الجمهورية الحديثة، وفي المدارس
طُلب من الطلاب شرب الماء لإثبات أنهم غير صائمين، وفي الجيش كان الجنود يُراقَبون
أثناء الوجبات، ومن يُلاحظ أنه لم يأكل يُستدعى للتحقيق.
ولكن تثبت تجربة
تركيا أن القمع الديني لا يؤدي إلى تراجع الدين، بل يدفع المجتمع إلى التمسك به
بشكل أكبر.
مسلمو الأندلس
وأجبر مسلمو
الأندلس الذين بقوا بعد سقوط غرناطة على صيامهم سراً لأكثر من قرن، وتعرض تتار
القرم المسلمون، والمسلمون تحت النظام الشيوعي، ومسلمو الروهنجيا في ميانمار،
للإجبار على الإفطار.
المسلم لا يصوم تكراراً لعادة أو إكراهاً
أو شفاء أو حِمية لإنقاص وزنه بل يصوم إيماناً واحتساباً
ولا تزال الصين
في شينغيانغ (تركستان الشرقية) تحظر صيام رمضان على المسلمين خاصة الموظفين
والمدرسين والطلبة (تجبر السلطات الآباء على التعهد بمنع أبنائهم من الصيام) وهم
من الأويغور الذين يتحدثون التركية وعددهم 11 مليوناً وفقًا للإحصاءات الصينية،
و25 مليوناً حسب مؤتمر الأويغور العالمي، يوجد نحو مليونين منهم في معسكرات صينية
سرية (معتقلات).
إذا أكل هؤلاء
أو شربوا فيكون ذلك بقدر ما يدفعون به الإكراه عن أنفسهم، ولا يفسد صومهم بذلك،
«فمن أكره على شيء من المفطرات ففعل فلا إثم عليه، وصيامه صحيح؛ لقوله تعالى: (وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الأحزاب: 5)، ولأن الله رفع حكم الكفر عمن أكره عليه، فما دونه من
باب أولى»(3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالى وضع عن
أُمَّتي الخطأَ، والنسيانَ، وما اسْتُكرِهوا عليه» (صحيح الجامع).
الصيام والقيام إيماناً واحتساباً
أخرج البخاري في
صحيحه أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً
وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ
الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؛ قال
ابن حجر: والمراد بالإيمان لاعتقاد بفرضية صومه، وبالاحتساب: طلب الثواب من الله
تعالى؛ أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك، غير
مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه(4).
وقال النووي:
إيماناً تصديقاً بأنه حق مقتصد فضيلته، واحتساباً، يريد الله تعالى لا يقصد رؤية
الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص(5)، وقال المناوي: إيماناً
تصديقاً بثواب الله أو أنه حق، واحتساباً لأمر الله به، طالباً الأجر أو إرادة وجه
الله، لا لنحو رياء، فقد يفعل المكلف الشيء معتقداً أنه صادق لكنه لا يفعله مخلصاً
بل لنحو خوف أو رياء(6).
الاحتساب في كل الأعمال
ولتكن كل
أعمالنا في رمضان وبعده إيماناً واحتساباً مخلصين محتسبين ثواب ذلك عند الله عز
وجل، «فبالإضافة إلى أداء حقوق الله تعالى، فطلب الثواب من الله تعالى بالاحتساب
يتحقق في أمور، منها: تنازل المسلم عن حقه المترتب على الغير طلباً لثواب الله
تعالى، لا عجزاً، كالعفو عن القصاص دون مقابل احتساباً، وإرضاع الصغير دون مقابل
احتساباً» (ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية).
لتكن كل أعمالنا في رمضان وبعده إيماناً
واحتساباً مخلصين محتسبين ثواب ذلك عند الله عز وجل
ومن أمثلة ذلك
ما جاء في القرآن الكريم:
- (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء
مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ
أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) (البقرة: 265).
- (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ
أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء: 114).
- (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى {17} الَّذِي يُؤْتِي
مَالَهُ يَتَزَكَّى {18} وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى {19}
إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى {20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل).
وكما في أحاديث
النبي صلى الله عليه وسلم:
- في صحيح البخاري:
«مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إيمَاناً واحْتِسَاباً، وكانَ معهُ حتَّى
يُصَلَّى عَلَيْهَا ويَفْرُغَ مِن دَفْنِهَا، فإنَّه يَرْجِعُ مِنَ الأجْرِ
بقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، ومَن صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ
قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فإنَّه يَرْجِعُ بقِيرَاطٍ».
- وفي صحيح مسلم: «إنَّ
المُسْلِمَ إذا أنْفَقَ علَى أهْلِهِ نَفَقَةً، وهو يَحْتَسِبُها، كانَتْ له
صَدَقَةً».
طاعات
دائمة إيماناً واحتساباً
- فقراءة القرآن
وتدبره والعمل به نفعل ذلك إيماناً واحتساباً.
- الاقتداء
ومتابعة وحب النبي صلى الله عليه وسلم نفعله إيماناً واحتساباً.
- العفة والزواج
وتربية الأولاد والإنفاق على الأهل والمستضعفين نفعلها إيماناً واحتساباً.
- التعلم
والتعليم، والدعوة إلى الله، ونصرة المظلومين، ومكارم الأخلاق، نفعلها إيماناً
واحتساباً.
- بر الوالدين،
وإيتاء ذي القربى وصلة أرحامنا نفعله إيماناً واحتساباً.
- الصلاة
والزكاة والحج، وسائر الطاعات نفعلها إيماناً واحتساباً.
- التسامح،
والعفو عمن ظلمنا من المسلمين، وصلة من قطعنا، نفعله إيماناً واحتساباً.
- الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أذى الناس، والصبر على البلاء والفتن والمصائب، نفعله إيماناً واحتساباً.
الهوامش
- 1 الموسوعة الفقهية الكويتية، دار السلاسل، ج17، ص223.
- 2 ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1404هـ، ج23، ص355.
- 3 ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين، دار الوطن، 1438هـ، ج19، ص280.
- 4 ابن حجر، فتح الباري، المكتبة السلفية، 1390هـ، ج4، ص115.
- 5 النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، 1392هـ، ج6، ص39.
- 6 المناوي، فيض القدير، المكتبة التجارية، 1356هـ، ج6، ص160.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً