تحدي «توك توك صائم».. ترفيه يضيع هيبة العبادات

محمد العبدالله

14 سبتمبر 2025

330

لماذا يعود الحديث عن «توك توك صائم» في غير موسمه؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى مهماً كون المشهد مرتبطاً في أذهاننا حصريًا بأيام الجوع والعطش في رمضان.

لكن منصات التواصل، وتحديدًا «TikTok»، أثبتت أن الذاكرة الرقمية أطول من الذاكرة الموسمية، فما إن ينطلق تحدٍّ حتى يتحول إلى كرة ثلج تتدحرج بلا توقف، تُعاد مشاركته، ويُعاد إنتاجه، حتى يتجاوز الزمان والمناسبة.

خلال الفترة الماضية، أعادت خوارزميات المنصة دفع عشرات المقاطع القديمة والجديدة تحت وسم «#توك_توك_صائم»، لتحصد مشاهدات بمئات الآلاف، بعضها مسجَّل في رمضان الماضي، وبعضها صُوِّر حديثًا على سبيل المحاكاة الساخرة.

وبحسب بيانات منصة «Social Blade» المتخصصة في رصد المحتوى الرقمي، تم توثيق أكثر من 1200 مقطع يحمل وسم «#توك_توك_صائم» تجاوزت مشاهداتها 15 مليون مشاهدة.

هكذا وجدنا أنفسنا أمام «ترند» مؤجَّل، يذكّرنا بأن الضحك الجماعي لا ينتظر هلالًا في السماء، بل ضغطة على زر المشاركة.

اقتصاد الانتباه

الفيديوهات التي يظهر فيها شبان يقاومون الجوع والعطش بطريقة فكاهية لا يمكن أن تُفهم فقط في سياق الترفيه، فبحسب دراسة لمعهد «Pew Research -2024»، أكثر من 58% من مستخدمي المنصات الرقمية في الشرق الأوسط يرون أن الفكاهة أسرع وسيلة للتعبير عن الضغوط اليومية.

وعليه، فإن «توك توك صائم» ليس مجرد تقليد للمواقف الرمضانية، بل هو إعادة تدوير للطقس الديني في صورة كوميدية تُفرغ التوتر وتستدعي التفاعل.

وهنا يطلّ البعد الاقتصادي الخفي؛ فـ«تيك توك» بخوارزمياته المصمَّمة على إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة، يُعيد ضخ التحديات القديمة إذا لمس فيها معدلات تفاعل متجددة.

تقرير «DataReportal -2025» يشير إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم الخليجي على «تيك توك» يوميًا وصل إلى 93 دقيقة؛ أي ما يعادل فيلمًا طويلًا كاملًا.

في هذا الزمن الرقمي، لا تعيش التحديات لأن لها قيمة رمزية فقط، بل لأنها تحقق الهدف الأساسي؛ شدّ الانتباه وحبس الجمهور في الدوامة.

الأرقام تُفسّر الظاهرة؛ فأكثر من 1.7 مليار مستخدم نشط شهريًا على «تيك توك» كفيلون ببعث أي محتوى للحياة مجددًا، حتى لو كان مرتبطًا بمناسبة مضت.

ومع سرعة التداول في الخليج خاصةً، صار «توك توك صائم» أشبه بذاكرة ساخرة تُستدعى كلما أراد الجمهور التخفف من ثقل الواقع.

وهنا تبدأ الأسئلة: هل تحوّل المزاح إلى مساحة بديلة للتعبير عن الضيق اليومي؟ وهل ما نراه مجرد كوميديا عابرة، أم ظاهرة أعمق تُفرغ الطقس الديني من معناه وتُعيد تشكيله في قالب رقمي ساخر؟

وأين يقف الخط الفاصل بين المزاح البريء، وتفريغ العبادة من معناها؟ وكيف نزرع في قلوب الأجيال أن احترام الشعائر الدينية عموماً والصوم منها، ليس تجهّماً ولا تضييقاً لواسع كما يتصورون، بل هو حماية للروح من التفاهة؟

تسطيح ينزع القداسة

في الظاهر، قد يرى البعض مثل هذا المحتوى مجرد محتوى للتسلية، لا يختلف عن المقالب والمواقف الكوميدية المنتشرة، لكن خبراء علم النفس الاجتماعي يربطون مثل هذه الظواهر بتأثيرات أوسع.

يقول د. إبراهيم الأنصاري، عميد كلية الشريعة بجامعة قطر: إن تحويل العبادة إلى مادة للاستهلاك الجماهيري يضعف حضورها في الوجدان العام، ويكرس رؤية سطحية للدين، باعتباره طقساً اجتماعياً بلا قداسة.

وتشير دراسة حديثة لـ«مركز بحوث الإعلام الخليجي»، عام 2024م، إلى أن 65% من المراهقين الذين يتابعون تحديات كوميدية مرتبطة بالدين، يطوّرون تدريجيًا مواقف أقل تقديرًا للطقوس الدينية، مقارنة بأقرانهم الذين لا يتابعون هذا النوع من المحتوى.

وفي وقت سابق، انتقد د. مبروك عطية، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، ما قال: إنه تحويل الدين إلى مادة للترفيه والضحك!

وأضاف، عبر قناة «إم بي سي مصر»، أن الإسلام لا يمنع المزاح، بل أقر النبي صلى الله عليه وسلم الضحك والمرح، لكن كان مزاحه حقاً لا يخدش حرمة ولا ينتهك عبادة، أما أن تتحول شعيرة لها قدسيتها إلى مادة تهكّم، فهذا خط أحمر.

استهانة جماعية

من الزاوية النفسية، حذّر مختصون من أن تحديات مثل «توك توك صائم» تخلق حالة استهانة جماعية؛ إذ يتحول ما هو جاد إلى مادة للتندر.

يقول د. ياسر الحربي، استشاري علم النفس الإكلينيكي، في لقاء مع قناة «روتانا»: إن هذا النوع من السخرية يقوّض بناء الانضباط الذاتي، إذا اعتاد المراهق أن ينظر إلى الصيام على أنه عبء مضحك، فسيفقد تدريجيًا دافعيته للالتزام به حين يشتد الجوع أو العطش.

الأمر لا يقف عند الشباب الذين يبتكرون التحدي، بل يمتد إلى الجمهور الذي يشارك بالتعليقات والضحك، يقول خبراء الإعلام: إن منصات التواصل لا تعطي الأولوية للقيمة، بل لما يحصد التفاعل.

وبالتالي، فإن المسؤولية تقع على الأسرة والمدرسة والإعلام في توجيه الذائقة العامة، وتقديم بدائل إبداعية تعزز قيمة الصيام بدل تحويله إلى نكتة.

وفي النهاية، يبقى المزاح قيمة إنسانية إذا ظل في حدوده، لكنه يصبح خطراً حين يتجاوز إلى العبادة، ولهذا أكد القرآن الكريم ضرورة تعظيم تلك الشعائر واعتبرها دليلاً على الإيمان الحقيقي، يقول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32).

وتحدي «توك توك صائم» ليس مجرد موجة عابرة من الضحك، بل هو جرس إنذار حول كيفية تعاطي الجيل الجديد مع الشعائر الدينية، والمطلوب اليوم إزاء مثل تك الظواهر ليس فقط التحذير منها، بل ابتكار محتوى بديل يجمع بين المرح والفائدة، يعكس روح الصوم الحقيقية، ويجعل من وسائل التواصل ساحة لتعظيم القيم بدل استنزافها.


اقرأ أيضاً:

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة