تحولات مكانة المرأة في الإسلام.. من التهميش إلى التمكين الحضاري
دعوني أحدثكم عن حقوق المرأة في الإسلام،
خاصة في عالم يكثر فيه الحديث عن أن المرأة المسلمة مهمَّشة، وأن الحجاب قيود، وأن
الشريعة حدّت من حرية المرأة، هذه الأفكار تُطرح كثيراً وكأنها حقائق، لكنها في
الواقع مجرد صورة مشوّهة وسطحية، لا تعكس الحقيقة العميقة أو روح الإسلام.
الإسلام لم يأتِ ليعيد إنتاج الظلم الذي
عاشته المرأة قبل ظهوره، بل جاء ليعيد لها كرامتها، ويضعها في مكانها الطبيعي
كإنسانة كاملة، لها عقلها وجسدها وحقها في المشاركة في المجتمع، فقد حمى الإسلام جسد
المرأة من الابتذال، وعقلها من التحقير، ودورها من الإلغاء، وجعلها عنصراً فاعلاً
في بناء الأسرة والمجتمع.
قبل الإسلام، كانت المرأة تعاني أشد
أنواع الظلم، كانت تُدفن حية في بعض الأحيان، وتُحرم من الميراث، وتُعامل كمتاع يباع
أو يورث، ولقد جاء القرآن ليقف ضد هذه الممارسات، ويعلن أن الإنسان كلّه يقدَّر،
دون النظر إلى كونه ذكراً أو أنثى، قال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ {8} بِأَيِّ ذَنبٍ
قُتِلَتْ) (التكوير).
الإسلام أعطى المرأة مكانة عظيمة في كل
المجالات، فهو قرّر المساواة في الكرامة الإنسانية، وفي التكليف الشرعي، وفي
الجزاء الأخروي، فالمرأة تصلي وتصوم وتؤدي واجباتها الدينية كما الرجل، ولها الأجر
نفسه، كما جاء في قوله تعالى: (وَمَن
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) (النساء: 124).
وفي المجال الاجتماعي، حفظ الإسلام حق
المرأة في الحياة والتعليم، واختيار الزوج، ورعاية الأطفال، ضمن الضوابط الشرعية، في
التربية والأسرة، كما بين الإسلام أن المشاركة المجتمعية للمرأة ليست ترفاً، وإنما
واجب ومسؤولية.
أما في المجال الاقتصادي، فقد منح
الإسلام المرأة الحق الكامل في التملك والإرث والتصرف في أموالها دون وصاية، ضمن
ضوابط تحفظ كرامتها، وهو حق لم تحظ به المرأة في كثير من الحضارات إلا حديثاً، وأتاح
لها العمل، ولم يغلق الإسلام الباب أمام المرأة في الشأن العام، بل أقرّ لها الحق
في المشاركة وإبداء الرأي في الشؤون العامة، وشاركت النساء في الجهاد والخدمة
والتمريض.
ورغم كل هذا، لا تزال حقوق المرأة في
الإسلام تتعرّض لسوء فهم، يخلط أحياناً بين الدين والتقاليد، ويفسّر الحجاب قيداً،
وتُصوَر القوامة تسلّطاً، بينما هي مسؤولية رعاية وحماية، ويبالغ البعض في الدعوة
إلى مساواة مُطْلقة تتجاهل الفروق الطبيعية والتكاملية بين الجنسين.
إن المشكلة ليست في الإسلام، بل في فهمه
أو تطبيقه الخاطئ، فالمرأة في الإسلام لم تكن يوماً هامشاً أو زينة عابرة، وإنما كيان
كامل، محفوظة الكرامة، وركيزة أساسية في المجتمع، وحقوقها محمية بالعدل لا بالشعارات،
وهي شريكة حقيقية في بناء الحضارة الإنسانية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً