تركيا الهدف التالي لـ«إسرائيل»
في لقاء
تلفزيوني، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: إن «إسرائيل» ستبحث عن عدو آخر
بعد إيران، وإن بلاده ستكون هذا العدو التالي، مما تلمسه من مؤشرات.
لم يكن هذا
تصريحاً عشوائياً أو ارتجالياً من رجل الدولة المخضرم، ولا مبالغة في غير محلها،
بل هو ما استقر في وعي القيادة التركية إثر المتغيرات في المنطقة بعد السابع من
أكتوبر ولا سيما ما يتعلق بـ«إسرائيل»، والتطورات في كل من فلسطين ولبنان وإيران،
والإشارات الصادرة عن دولة الاحتلال ومسؤوليها، التي تحول بعضها لخطوات عملية ضد
أنقرة.

التهديد الذاتي
رغم العلاقات
المبكرة بين تركيا ودولة الاحتلال، فإنها طالما شهدت تقلبات وتذبذبات عديدة، لا
سيما بعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في الألفية الجديدة، فقد قطعت العلاقات
الدبلوماسية عام 2010م بعد الهجوم على سفينة مرمرة في المياه الدولية، ثم عادت
باتفاق عام 2016م، ثم تدهورت مجدداً وطردت تركيا سفير الاحتلال من أراضيها بعد
التعامل الدموي مع «مسيرات العودة» عام 2018م، قبل أن يتبادل الجانبان السفراء
ثانية عام 2022م، بيد أن الانعطافة الكبرى في العلاقات قد تكون حرب الإبادة التي
شنها الاحتلال على قطاع غزة بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023م.
مع الوقت، تبلور
الموقف التركي إلى جانب الحق الفلسطيني، ورفض وصْم فصائل المقاومة ولا سيما حركة «حماس»
بالإرهاب، موجهاً هذا الاتهام لـ«إسرائيل» كدولة، وبنيامين نتنياهو كشخص، ثم فرضت
تركيا على الأخيرة عقوبات اقتصادية وتجارية، وانضمت لقضية الإبادة التي رفعتها
دولة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، إضافة لمسار محاكمة مسؤولين «إسرائيليين»،
في مقدمتهم نتنياهو أمام القضاء التركي.
كما أن الخطاب
الرسمي التركي تطور وانتقل من مساحات التضامن مع الفلسطينيين، إلى التحذير من
تهديد «إسرائيل» للأمن والاستقرار في المنطقة الذي قد يعود بالضرر على الجميع ومن
ضمنهم تركيا، إلى الحديث عن التهديد الذاتي؛ أي التهديد الذي تشكله سياسات دولة
الاحتلال في المنطقة بشكل مباشر على أنقرة، بما في ذلك إمكانية استهدافها بشكل
مباشر.
إشارات ومؤشرات
مع انهيار
نظريتها الأمنية السابقة في عملية «طوفان الأقصى»، انتهجت دولة الاحتلال رؤية
أمنية جديدة تقوم على مبدأ وأد التهديدات قبل نشوئها، التي تتبدى في خطوات من قبيل
الحرب الاستباقية والعمليات خارج الحدود والمناطق العازلة.
وفق هذه الرؤية،
تحولت المنطقة برمتها لنطاق عمليات لجيش الاحتلال؛ نظرياً وعملياً.
العام الماضي أوصت لجنة «ناجل» حكومة
الاحتلال بضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية مع تركيا خلال سنوات
تصريحات نتنياهو
أكدت أكثر من مرة أن «إسرائيل» ستغير خرائط الشرق الأوسط، بينما أشار رئيس دولة
الاحتلال إسحاق هرتسوغ إلى أن الحرب الأخيرة ليست على إيران فقط، ولكن لتغيير كامل
المنطقة، يتسق ذلك كما هو واضح مع مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي استعاده نتنياهو،
وباركه سفير الولايات المتحدة في «إسرائيل» مايك هاكابي، في تأكيد على تصريح
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية الأخيرة بأن «حدود إسرائيل
ضيقة»، بينما بشّرنا سفيرها في تركيا ومبعوثها لكل من سورية ولبنان توم براك بأن حدود
«سايكس – بيكو» لم تعد قائمة، و«إسرائيل» ستضرب في أي مكان تريده في الوقت الذي
تحدده!
ميدانياً، تبلور
ذلك في حرب الإبادة في غزة، واستباحة الضفة الغربية، ومنع الصلاة في المسجد
الأقصى، وتمرير الكنيست قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، والعدوان على لبنان،
وتعميق الاحتلال في سورية، والحرب على إيران مرتين، إضافة لاعتداءات وقصف واستهداف
بدرجات متفاوتة لكل من العراق وقطر واليمن وتونس.
أكثر من ذلك،
فقد بدأت أسماء بعض الدول العربية والإسلامية ترد على ألسنة السياسيين والإعلاميين
في دولة الاحتلال بعدِّهم أهدافاً مستقبلية للأخيرة، وفي مقدمتها تركيا التي تبجّح
أحد الإعلاميين بالقول: إن الحرب على إيران هي مباراة نصف النهائي، بينما النهائي
مع تركيا! إضافة لتلميحات على قوة الجيش المصري، والموقف السعودي المطالب بالدولة
الفلسطينية، وأما باكستان فالتحريض عليها، وعلى برنامجها النووي، سابق متجدد لا
يخفيه نتنياهو نفسه.
ولعله ليس من
قبيل الصدفة أن العواصم الأربع الأكثر نشاطاً في مسار الوساطة في التفاوض بين
الولايات المتحدة وإيران في محاولة لوقف الحرب على الأخيرة هي نفسها المذكورة
آنفاً؛ إسلام آباد، وأنقرة، والرياض، والقاهرة.
الهدف تركيا
فهل تبدو تركيا
هدفاً حقيقياً ومنطقياً لدولة الاحتلال؟ أم إن الأمر من قبيل التهديد والمبالغات؟
بالعودة لمسار
العلاقات بين الجانبين، سنجد أن «إسرائيل» أوردت تركيا ضمن التهديدات عليها عام
2000م، بينما تَرِدُ الأخيرة في «الكتاب الأحمر» التركي ضمن المهددات منذ مدة ليست
بالقصيرة.
«إسرائيل» عمّقت تحالفها مع اليونان وقبرص
اليونانية وتشكيل «قوة تدخل سريع» تستهدف الحضور التركي
العام الماضي،
أوصت لجنة «ناجل» حكومة الاحتلال بضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا
خلال سنوات، بينما رصدت مراكز الأبحاث التركية باهتمام وعمق الدروس التركية
المستخلصة من حرب الـ12 يوماً على إيران وأعلنت خلاصاتها لصانع القرار والرأي
العام التركيين، التي كان من بينها الاستعداد لاحتمال شن حرب جوية عليها من
جبهتَيْ الجنوب («إسرائيل») والغرب (اليونان).
تلحظ «إسرائيل»
بعين ساخطة تعاظم الدور التركي في المنطقة، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد ومسار حل
المسألة الكردية في الداخل التركي والمنطقة (العراق وسورية)، وترى أن الحضور
التركي في سورية تحديداً يعني أنها باتت على حدودها، وأن حصار تركيا لها بات
مساراً محتملاً في حال شاركت أنقرة ضمن «قوات السلام الدولية» المزمع نشرها في
غزة، وهو ما وضعت عليه حكومة الاحتلال «فيتو» حاد النبرة.
استهداف تركيا
لم يبق في مساحة التصريحات والتهديد، وإنما انتقل سريعاً لإجراءات وخطوات عملية،
فقد عمّقت «إسرائيل» تحالفها مع اليونان وقبرص (اليونانية)؛ حيث قررت الثلاث في
اجتماع القمة الأخير في القدس المحتلة تشكيل «قوة تدخل سريع» في شرق المتوسط
يستهدف الحضور التركي بشكل مباشر.
كما أن نتنياهو
أعلن عن تحالف أوسع يجمعه مع الهند واليونان وقبرص وإثيوبيا، ودول عربية وآسيوية
لم يسمّها، إحياء لـ«نظرية المحيط» التي انتهجتها دولة الاحتلال قبل عقود لمحاصرة
دول الطوق (اليوم لحصار الدول العربية وإيران وتركيا وباكستان).
بيد أن التمظهر
الأكثر وضوحاً كان استهداف الحضور التركي في سورية عسكرياً، والإعلان عن ذلك،
وتحذير الرئيس السوري من مغبة تعميق العلاقات مع تركيا.
اللافت في الأمر
أن أنقرة تأخذ الأمر على محمل الجد، على صعيد استخلاص الدروس، وتقوية الذات،
وتعزيز العلاقات وتحديداً مع القوى الإقليمية سالفة الذكر، ضمن مساعي تجنب
المواجهة المباشرة من جهة، والاستعداد لأسوأ السيناريوهات من جهة أخرى.
فيدان عن احتمال وصول «إسرائيل» لمرحلة
«الجنون» بالعدوان المباشر على تركيا: «إن من يقودونها مجانين»!
أخيراً، فإن
فكرة استهداف «إسرائيل» لتركيا لا تعني بالضرورة استخدام نفس سيناريو العدوان
العسكري المباشر كما في حالة إيران، فهناك ما يمنع ذلك من قبيل قوة تركيا وقدراتها
الذاتية وعلاقاتها وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وهو ما قد يدفع لأدوات أخرى مثل
الضغط الاقتصادي أو الاستهداف الأمني أو تفعيل الملف الكردي مجدداً، أو خلط
الأوراق في سورية بما يعود بالضرر على تركيا كذلك.
ورغم هذا، لا
تلغي أنقرة من حساباتها أي سيناريو مهما بدا مستبعداً أو غير منطقي، فحين سئل وزير
الخارجية فيدان قبل أيام عن احتمال وصول «إسرائيل» لمرحلة «الجنون» بالعدوان
المباشر على تركيا، كان جوابه: «إن من يقودونها مجانين»!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً