ترويض الطبائع البشرية بين رفق «الطالي» ولسع «الكاوي»!

لوحة مكتوب فيها ترويض الطبائع البشرية، وصورة للكاتب ناصر شرف الدين

كم نحن بحاجة إلى ترويض الطبائع البشرية! فليست النُّفوس البشرية طَبَائِعَ مُتَطَابِقَةً تُساق بعصاً واحدةٍ، ولا هي أوتارٌ تعزف لحناً متماثلاً؛ فمن النَّاس مَنْ تفتحه الكلمة الطَّيِّبة كما تفتح الشَّمس كمائم الزَّهر، ومنهم مَنْ لا يزيده الإحسان إلا عُتوّاً ونُفوراً، كأنَّ في جبلَّته التواءً لا يقوِّمه إلا الرَّدع

والأصل في التَّعامل هو بذل الخير والرِّفق، لكنَّ العقل يقتضي ألا نقف عاجزين إذا لم يُثمر هذا الرِّفق الثمرة المرجوة منه، وهنا تُولد ضرورة "المقاوِد البديلة"، حيث يصبح الكيُّ آخِرَ الدَّواء، وتتحوَّل الخشونة الحكيمة في موضعها إلى لونٍ من ألوان الرَّحمة والإصلاح، إذ ليس من الرَّحمة أن تترك المريض يَهْلِكُ إِشْفَاقاً مِنْ أَلَمِ الْمِبْضَعِ.

ومما أثر عن أمير المؤمنين عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قوله: «مَنِ احْتَاجَ إِلَيْكَ ثَقُلَ عَلَيْكَ، وَمَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ، وَمَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الطَّالِي أَصْلَحَهُ الْكَاوِي» (شرح نهج البلاغة لابنأبي الحديد، 20/ 323).

وهذه الاستعارة البليغة التي نطق بها عليٌ رضي الله عنه، مُستمدَّة من "البيئة الرَّعويَّة العربيَّة" القديمة وخبرة أطبَّاء الإبل؛ إذ: «الطَّالِي»: هُوَ الْمُعَالِجُ الَّذِي يَطْلِي الْبَعِيرَ الْأَجْرَبَ بِالْقَطِرَانِ أَوِ الْأَدْهَانِ اللَّيِّنَةِ؛ وَهُوَ عِلَاجٌ رَفِيقٌ بَارِدٌ، يُسَكِّنُ الْأَلَمَ وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ.

و«الْكَاوِي»: هُوَ الْمُعَالِجُ الَّذِي يَسْتَخْدِمُ الْكَيَّ بِالنَّارِ؛ وَهُوَ عِلَاجٌ شديد لَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا اسْتَعْصَى الدَّاءُ عَلَى الطِّلَاءِ الرَّفِيقِ وَفَشِلَتْ مَعَهُ الْمُسَكِّنَاتُ.

والمقصود: أنَّ مَنْ فسدت طبيعته ولم تنفع معه السِّياسة النَّاعمة والرِّفق (الطَّالِي)، فلا بدَّ من لَجْمِهِ بالحدِّ الرَّادع والعقوبة الرادعة (الْكَاوِي).

الواقعية النفسية عند أبي أيوب الأنصاري

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْإِفْرِيقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُمْ كَانُوا غُزَاةً فِي الْبَحْرِ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، فَانْضَمَّ مَرْكَبُنَا إِلَى مَرْكَبِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ غَدَاؤُنَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ فَأَتَانَا، فَقَالَ دَعَوْتُمُونِي وَأَنَا صَائِمٌ فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ أَنْ أُجِيبَكُمْ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ سِتَّ خِصَالٍ وَاجِبَةٍ، إِنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَدْ تَرَكَ حَقًّا وَاجِبًا لِأَخِيهِ عَلَيْهِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُ جَنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيَسْتَنْصِحُهُ إِذَا اسْتَنْصَحَهُ»، قَالَ: وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مَزَّاحٌ، يَقُولُ لِرَجُلٍ أَصَابَ طَعَامَنَا: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَبَرًّا، فَغَضِبَ عَلَيْهِ حِينَ أَكْثَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ إِذَا قُلْتُ لَهُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَبِرًّا غَضِبَ وَشَتَمَنِي؟

فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إِنَّا كُنَّا نَقُولُ: إِنَّ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ، فَاقْلِبْ عَلَيْه، فَقَالَ لَهُ حِينَ أَتَاهُ: جَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا وَعَرًّا -وَالْعَرُّ هُوَ الْجَرَبُ- فَضَحِكَ وَرَضِيَ، وَقَالَ مَا تَدَعُ مُزَاحَكَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: جَزَى اللَّهُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ خيراً. (الأدب المفرد 922)

حدث هذا المشهد في مساحةٍ ضيِّقةٍ (مركب غزاة في البحر)، حيث تتماسُّ النُّفوس وتظهر الطَّبائع على حقيقتها، ويظهر في المركب إنسانٌ ذو طبيعة معقَّدةٍ؛ تثيره الكلمات الطَّيِّبة فَيَغْضَبُ وَيَشْتُمُ!

ربَّما لأنَّه يرى في اللِّين ضعفاً، أو أنَّ رصيد اللَّباقة والذوق عنده نفذ فلا يستسيغ مذاق الكلم الطيب لِعطبٍ في أُذُنه، أو جفاء في طبعه، أو فساد في خُلُقه.

ولمَا سُئل الصَّحابيُّ الجليل أبو أيوب رضي الله عنه عن التعامل الصحيح مع جافي الطبع هذا، لم يأمرهم بالصَّبر على شتمه، بل أعاد ضبط الموقف بقانونٍ اجتماعيٍّ حكيم، فقال له: فَاقْلِبْ عَلَيْهِ؛ أي اعْكِسْ مُعَامَلَتَكَ لَهُ؛ فَبَدِّلِ اللِّينَ بِالشِّدَّةِ، وَالْمَدْحَ بِالذَّمِّ، وواجِههُ بِنَفْسِ أُسْلُوبِهِ الْخَشِنِ لِيَرْتَدِعَ، لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ لَا يَصْلُحُهَا اللُّطْفُ.

والْقَلْبُ هنا ليس انتصاراً للنَّفس، بقدر ما هو محاكاةٌ لنمطه، فلما قيل له: (جَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا وَعَرًّا) هدأ الرَّجل، وضحك، وزالت قسوته؛ لأنَّ الخشونة هنا كانت هي المفتاح الصَّحيح لأقفال نفسه المُنغلقة.

الشواهد والآثار في ترويض الطبائع البشرية من فقه السلف والخلف

إنَّ قلب المِجَنِّ واستعمال الخشونة بعد فشل اللِّين ليس خروجاً عن جادَّة الشَّريعة، بقدر ما هو تطبيقٌ لقانون السِّياسة الشَّرعيَّة التي تعزِّزها آثارٌ أخرى:

فقد اشتهر عن ذي النُّورين عثمان رضي الله عنه قوله الخالد: «إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآن» (تفسير القرآن العظيم (5/ 111)، وإسناده صحيح موقوف)، وَالْوَازِعُ هو الرَّادع؛ فالقرآن يمثل علاج «الطَّالِي» الذي يعظ القلوب ويطليها بالهدى، فمن كان قلبه قاسياً كالحجر لا تؤثِّر فيه المواعظ، كان لا بدَّ له من «الْكَاوِي»، وهو سيف السلطان وقوة القانون.

وبعد أن سيّر الخليفة عثمان بن عفان عدداً من أهل الكوفة الذين أثاروا الاضطرابات والفتن إلى الشام، لم يلن معهم والي الشام معاوية بن أبي سفيان ولا سعيد بن العاص، فلمّا تمادوا في غيِّهم، أرسلهم معاوية إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حمص، فأقامهم عنده شهراً وعاملهم بمنتهى الشِّدَّة والغلظة ترويضاً لهم وتهذيباً، وكان يقف أمام زعيمهم صعصعة بن صوحان ويقول له مقرِّعاً: «يَا بْنَ الْخَطِيئَةِ! هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ، وَأَنْ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ اللِّينُ أَصْلَحَتْهُ الشِّدَّةُ؟» (تاريخ الأمم والملوك، 4/ 322)، ونفع معهم هذا الحزم وأذابَ قسوتهم حتى أظهروا التَّوبة والنَّدم وعادوا لصوابهم.

التوازن التربوي عند الإمام الغزالي

قال الغزالي: وَقَالَ سُفْيَانُ لِأَصْحَابِهِ: تَدْرُونَ مَا الرِّفْقُ؟ قَالُوا: قُلْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَالَ: «أَنْ تَضَعَ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا: الشِّدَّةَ فِي مَوْضِعِهَا، وَاللِّينَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالسَّيْفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالسَّوْطَ فِي مَوْضِعِهِ» وهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَزْجِ الْغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وَالْفَظَاظَةِ بِالرِّفْقِ؛ كَمَا قِيلَ:

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا     مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى

فَالْمَحْمُودُ وَسَطٌ بَيْنَ الْعُنْفِ وَاللِّينِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَخْلَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْعُنْفُ فِي مَحَلِّهِ حَسَنًا كَمَا أَنَّ الرِّفْقَ فِي مَحَلِّهِ حَسَنٌ، فَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْعُنْفُ فَقَدْ وَافَقَ الْحَقُّ الْهَوَى، وَهُوَ أَلَذُّ مِنَ الزُّبْدِ بِالشَّهْدِ. (إحياء علوم الدين، 3/ 186).

كيف نترجم الكاوي والطالي في عصرنا؟

إنَّ هذه الحكمة التَّراثيَّة المرنةٌ نحتاج إحياءها في تعاملاتنا الحياتية:

1- ففي عالم الإدارة والموارد البشرية: الموظَّف المتقاعس الذي يستمرئ التَّفريط، يُبدأ معه بـ«الطَّالِي» عبر الكلمة المشجِّعة والتَّدريب الجيد، فإذا استسهل اللِّين وأضاع مصالح العمل، وجب الانتقال إلى «الْكَاوِي» الإداري من لفت نظر رسمي، أو خصم، أو إقصاء، لأنَّ هيبة المؤسَّسة هي صِمامُ أمانها.

2- في التربية الذكية وحماية الأجيال: مع انفتاح الفضاء الرَّقمي، نبني مع أبنائنا جسور الحوار وبناء الوازع الدَّاخلي بأسلوب الطَّالِي، لكن حين يُشرف الولد على مهاوي إدمان الشَّاشات أو السُّلوكيَّات المُنحرفة، فإنَّ الحزم يقتضي إعمال الْكَاوِي التربوي بتفعيل تطبيقات الرَّقابة الأبويَّة الصَّارمة، وحجب المواقع، وسحب الأجهزة مؤقَّتاً.

3- مواجهة التنمر الرقمي: في شبكات التَّواصل، يتعرَّض صنَّاع المُحتوى وروَّاد الفضاء الإلكتروني لفئات من المُتعصِّبين والساخرين، والرَّد عليهم باللُّطف الطَّالِي لا يزيدهم إلا جرأة وتطاولاً، وهنا يكون الْكَاوِي الرقمي هو الحسم باستخدام خاصيَّة الحظر، أو المُلاحقة القانونيَّة عبر تشريعات الجرائم المعلوماتيَّة.

ومع نهاية هذه السِّياحة، ندرك أنَّ النَّفس البشريَّة كونٌ متَّسعٌ يحتاج إلى قائدٍ بارعٍ يمسك بالبلسم والمِبْضَعِ معاً، وندرك أن الحكمة لا تُلغي الرِّفق؛ فالرِّفق هو الأصل الذي يبدأ به المرء، لكنَّها حكمةٌ ترفض العجز والاستكانة، فإذا واجهت إنساناً يستمرئ اللِّين ويستبيح العفو، فتذكَّر فلسفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأثر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما، واقلب المِجَنَّ بحكمة الناقد البصير، ودع الطَّالِي جانباً ليأخذ الْكَاوِي مكانه، ليس بقصد الأذى، بل بقصد الإصلاح والتهذيب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة