تصورات «جيل زد» حول الزواج والطلاق
المجتمعات
العربية مجتمعات شابة إذ تجمع الإحصاءات على كون ثلث سكان العالم العربي هم من
الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 - 29 عاماً(1)؛ وهو ما يعني أن ثلث
الكتلة الديموغرافية العربية تنتمي إلى ما يطلق عليه «جيل زد»؛ أي ذلك الجيل الذي
شب ونشأ في ظل صعود العصر الرقمي، وارتبطوا بالرقمية وصارت محدد هويتهم حتى أطلق
عليهم لقب «المواطنون الرقميون».
ويستقي «جيل زد»
أفكاره من الوسائط الرقمية، وهي تشكل الرافد الرئيس للتصورات حول الذات والعلاقات
والأشياء، وفي السطور التالية نحاول أن نبين تصورات هذا الجيل حول الزواج والأسرة،
وكيف أثرت فيها الرقمية.
الزواج.. من ممارسة اجتماعية إلى فردية
كان الزواج في
المجتمعات التقليدية السابقة في مقدمة أولويات الشباب، فلم يكن يتقدم عليه أي
أولوية أخرى حتى العمل، إذ كان كثير من الشباب يتزوج في سن صغيرة ويعيش في كنف
الأسرة الممتدة التي تتولى الإنفاق على الزوجين الصغيرين، لكن هذه الأولوية تراجعت
كثيراً منذ عصر الحداثة، وحلت محلها أولويات أخرى كالتعليم والعمل والهجرة، وتشير
الإحصاءات بوضوح إلى هذا التراجع.
فعلى سبيل
المثال، كشف استطلاع أولويات الشباب العربي لعام 2024م إلى أولوية الزواج لدى في
الدول الخليجية لا تتجاوز 35%، وكشفت إحصائية رسمية جزائرية إلى أن نسبة العزوف عن
الزواج بين الشباب الجزائري بلغت 50%، وأضافت أن 43% من الشباب العازفين يفضلون
الهجرة عن الزواج(2).
وثمة تغير آخر
جوهري طرأ على تصور الشباب للزواج، إذ كان الزواج فيما مضى ممارسة اجتماعية
بالأساس تنخرط فيها الأسر والعائلات في مرحلة ما قبل الزواج إذ كانت الأسرة المسؤولة
عن الاختيار ولم يكن للأفراد دور كبير في ذلك، إذ كان يقع عليها عبء إعالة الزوجين
إن كانا صغيرين أو طرأ لهما تعثر مالي، وكانت تؤدي الدور الأكبر في فض النزاعات
الزوجية.
لكن هذه السردية
اختفت الآن؛ إذ إن الشباب من «جيل زد» الرقمي لا يسمح للأسرة بممارسة تلك الأدوار،
فهو من يقوم باختيار الشريك، وكثيراً ما يكون الاختيار عن طريق وسائل التواصل
الاجتماعي أو مواقع مخصصة للزواج.
وقد أظهرت بعض
الدراسات أن هذه الوسائل غير التقليدية تتمتع ببعض المزايا التي لا توفرها الوسائل
التقليدية، من مثل توفير فرص أكبر للاختيار بين الرجال والنساء، والسماح باختيار
أشخاص لهم اهتمامات متقاربة، كما يبدو ذلك من صفحاتهم على مواقع التواصل
الاجتماعي، كما أنها تسمح بتجسير المسافات الجغرافية وتيسر سبل التعارف الإلكتروني،
وترفع قيود الحرج حيث تتم بمعزل عن الأسرة والمحيط الاجتماعي(3).
«جيل زد».. وإعادة تعريف الأدوار
توصف الأسر
العربية عادة بأنها أسر «أبوية»؛ إذ إن سلطة اتخاذ القرارات يقوم بها الأب عادة،
على حين يقع على الأم عبء تنفيذ هذه القرارات، لكن الأسر التي أقامها أبناء «جيل
زد» يتعذر وصفها بأنها أسر أبوية الطابع، إذ لم يعد الشباب يتقبل التقسيمة
التقليدية السابقة القائمة على أن العمل وكسب المال من اختصاص الرجل، وهو ما يؤهله
يمنحه السلطة الحصرية في اتخاذ القرارات.
على حين تضطلع
المرأة بمهمة رعاية شؤون الأسرة والأطفال، فهناك تيار متزايد يبحث عن اختيار شريكة
ورفيقة للحياة، وليس زوجة تؤدي الدور الأمومي، وكذلك الزوجة بحكم التعليم والعمل
صارت أكثر تمرداً على تلك الأدوار النمطية ولم تعد ترى في نفسها مدبرة منزل، وإنما
شريكة في إدارة المنزل واتخاذ القرارات المتعلقة به.
في ظل هذا
السياق، يعيد «جيل زد» تعريف المفاهيم الأساسية التي حكمت الأسرة، مثل القوامة،
والشراكة، والمساواة، وهي الموضوعات التي تشغل بال المجتمعات العربية حالياً،
ويفترض البعض أنها نشأت بفعل تسلل الفكر النسوي الغربي، لكن الإحصاءات الحديثة لا
تدعم هذا الافتراض.
إذ تشير تقارير «الباروميتر
العربي» إلى أن نسبة تفوق 70% من الشباب في المغرب العربي والخليج، تدعم حق المرأة
في العمل والاستقلال المالي بعد الزواج، وترفض رفضاً مطلقاً نموذج المرأة التابعة
للرجل، الذي كان يروج له سابقاً، وتؤكد أن الشباب الذكور من «جيل زد» لديه قبول
متزايد لفكرة المشاركة في الأعباء المنزلية ورعاية الأطفال، في مقابل مشاركة
الزوجة في الأعباء المالية للأسرة.
التطبيع الاجتماعي مع الطلاق
ثمة تحول بنيوي
في رؤية «جيل زد» للطلاق، إذ كان الطلاق في العهود السابقة أمراً منبوذاً وتعبيراً
عن الإخفاق في إقامة علاقة اجتماعية ناجحة، فإن «جيل زد» لم يعد يرى في الطلاق
إخفاقاً أو وصمة اجتماعية، بل هو خيار ذاتي عقلاني يقدم عليه المرء إن لم يلب
شريكه توقعاته وطموحاته المفترضة؛ وهو ما يعني أن فلسفة الصبر والتضحية من أجل
الحفاظ على كيان الأسرة والأبناء لم تعد قائمة، وحل محلها الفردانية والبحث عن
الرضا الذاتي، وفي هذا السياق غدا الطلاق تصحيح مسار، ووسيلة لإنهاء علاقة غير
متوافقة.
وتعد الرقمية
أحد العوامل التي تؤدي إلى عدم التوافق بين الزوجين الذي ربما انتهى إلى الطلاق،
إذ يشير تقرير «تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في
العالم العربي»، الذي أعده مركز الدوحة للأسرة عام 2024م، إلى أن الخيانة بصفة
عامة تعد السبب الأول للطلاق في الأسر التي تكونت حديثاً، وتشكل اكتشاف الخيانة
عبر مواقع التواصل الاجتماعي نسبة 7.7% من أسباب الطلاق، على حين تشكل النسوية
والأفكار الغربية نسبة 1% فقط من أسباب الطلاق(4).
استخلاصاً مما سبق، يمكن القول: إن أبناء «جيل زد» الرقمي يحملون تصوراً يختلف اختلافاً جذرياً عن تصورات الأجيال السابقة لكل من الزواج والطلاق، ويقوم هذا التصور على اعتبار الزواج مشروعاً فردياً يستهدف تحقيق مصالح ذاتية، ونزع الوصم الاجتماعي عن الطلاق.
الهوامش
- 1 انظر على سبيل المثال: تقرير الإسكوا لعام 2025م حول الاتجاهات الديمغرافية والاجتماعية للمجتمع العربي.
- 2 زهية دباب، التغير في قيم الزواج لدى الشباب الجزائري، بسكرة: مجلة التغير الاجتماعي، ع2، 2017، ص100.
- 3 أسماء محمد نبيل إحسان، اتجاهات جيل زد نحو مواقع الزواج الإلكتروني: دراسة تطبيقية على عينة من الشباب الجامعي، القاهرة: جامعة عين شمس، مجلة القراءة والمعرفة، ع 267، 2024، ص 40-41.
- 4 انظر: معهد الدوحة الدولي للأسرة، تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي، 2024، ص 57.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً