تعليم الكبار.. رفاه واستنزاف في زمن التقشف!

تعليم الكبار.. رفاه واستنزاف في زمن التقشف!

في زحمة الملفات المتراكمة التي تواجه الدولة، يبرز ملف التعليم بوصفه حجر الأساس لأي مشروع وطني جاد، ومن بين زواياه الصامتة، نجد التعليم المسائي وتعليم الكبار، تلك التجربة التي انطلقت ذات يوم بحماس اجتماعي نبيل، لتفتح أبواب الأمل للمتعثرين، وتمنح الفرصة لمن فاتهم الركب أن يلحقوا به، لكن بعد مرور سنوات طويلة، وفي ظل تحولات اقتصادية متسارعة، آن الأوان لأن نعيد النظر: هل ما زال هذا النظام يؤدي دوره؟ وهل تكلفته على ميزانية الدولة مبررة؟

وفي وقت تعاني فيه الموازنات العامة من ضغط متزايد، وتتصاعد فيه المطالب بترشيد الإنفاق وتوجيهه نحو الأولويات، لا بد أن نقف عند أحد الملفات المهملة إعلامياً والمكلفة مالياً؛ التعليم المسائي، أو ما يسمى بتعليم الكبار في الكويت.

هذا التعليم، الذي صُمم ذات يوم بدافع وطني كريم، ليمنح فرصة ثانية لمن فاتهم قطار التعليم، بات اليوم عبئاً مالياً لا يتناسب مع مردوده الفعلي، إذ تُخصص له الدولة سنويًا ميزانيات ضخمة تذهب في معظمها إلى مكافآت العاملين وتشغيل المباني لمدارس مسائية لا يرتادها إلا عدد محدود من الدارسين.

البيان الرسمي الصادر عن ديوان الخدمة المدنية يوضح جانباً من حجم الكلفة: مدير الإدارة يتقاضى 450 دينارًا شهريًا، والموجه الفني 350، بينما يحصل المعلم على 12 إلى 15 دينارًا عن كل حصة، وقد يصل عدد الحصص الشهرية للمعلمين إلى أرقام تضاعف دخلهم الرسمي، كما تُمنح مكافآت إضافية للعشرات من العاملين في كل مركز؛ من مساعدين، سكرتارية، طباخين، محضري مختبرات، وعمال خدمات.. كل ذلك لمراكز تعليمية تفتح أبوابها لساعات قليلة كل مساء، في مشهد يتكرر يوميًا ويُثقل كاهل الميزانية العامة.

لكن المفارقة الصارخة لا تكمن فقط في الكلفة، بل في الجدوى، فالتعليم المسائي ليس تعليمًا إلزاميًا، ولا شرطًا للحصول على وظيفة، ولا حتى ضمانًا لاكتساب كفاءة مهنية حقيقية، كثير من الملتحقين به يبحثون فقط عن شهادة ورقية، وبعضهم لا يلتزم بالحضور أو المتابعة، بل يعتمد على اجتياز الامتحانات بأقل مجهود، وهكذا، نجد أنفسنا أمام نظام تعليمي قائم على دعم غير مشروط، دون أي ضمان للعائد المجتمعي أو الاقتصادي.

أعلم أن ما أطرحه من أفكار قد لا يلاقي قبولًا، أو يصنف كمطالبات غير شعبوية، ولا يؤيدها كثير من العاملين في الميدان التربوي، كونها تمسّ المدخول الإضافي لشريحة واسعة من المعلمين والعاملين في التعليم المسائي، لكنّ ظروف البلد الحالية والضغوط المتزايدة على الميزانية العامة، مع استمرار انخفاض أسعار النفط، دفعت الحكومة بالفعل إلى اتخاذ خطوات جادة في وقف الهدر المالي، كتقليص المعاشات الاستثنائية للوزراء، ووقف بعض البدلات في وزارات أخرى، كما يتداول، بل إن هناك طرحًا لتقليص أو وقف بدل التدريس عن المعلمين خلال الإجازات الصيفية، لذلك، فإن وقف الهدر في نظام تعليم الكبار -وهو تعليم غير إلزامي- أولى وأكثر منطقية من المساس بحقوق المدرسين العاملين بدوامهم الرسمي.

وفي الوقت ذاته، تنظر الكويت إلى يمينها ويسارها فترى دول الجوار وقد سبقتها بخطوات واعية، المملكة العربية السعودية، مثلاً، اعتمدت نظام «المنازل» والاختبارات المعيارية كبديل عن فتح مراكز تعليم الكبار، موفرة بذلك الملايين، الإمارات من جهتها استثمرت في التعليم الرقمي والمنصات التفاعلية، مانحة المتعلم حرية الوقت والمكان، ومانعة عن الدولة عبء البنية التحتية والتشغيل.

ولدينا نحن في الكويت تجارب مميزة تستحق أن تُستثمر وتُبنى عليها، من أبرزها منصة «عُلا» التي أطلقها مجموعة من الشباب الكويتيين في القطاع الخاص بهدف توفير محتوى تعليمي تفاعلي لطلبة المرحلتين المتوسطة والثانوية، وهي منصة رسمية متكاملة تشمل شروحات مصورة، وتمارين تفاعلية، ومصادر إثرائية قابلة للتحديث المستمر، وتُعد نموذجًا واعدًا لإمكانية رقمنة التعليم الرسمي.

كذلك منصة «Baims»، وهي منصة تعليمية كويتية خاصة متخصصة في تقديم شروحات أكاديمية لمقررات الجامعات والكليات بأسلوب تفاعلي ومبسط، وقد نجحت في استقطاب آلاف الطلاب من مختلف التخصصات، سواء داخل الكويت أو في الخليج، وهي تمثل مثالاً حيًّا على قدرة القطاع الخاص على قيادة مسار التعليم الرقمي بكفاءة وجودة.

هذه المنصات وغيرها تؤكد أن هناك بدائل حقيقية وفعالة يمكن أن تُوظف في خدمة تعليم الكبار، دون الحاجة إلى استمرار نموذج تقليدي مكلف، وبما يحقق جودة أعلى وتكلفة أقل.

نحن لا نتحدث عن إلغاء حق التعليم، بل عن إعادة تعريف هذا الحق بطريقة تواكب العصر وتحترم المال العام، التعليم اليوم لم يعد محصورًا داخل الجدران، بل أصبح متاحًا بضغطة زر، عبر مئات المنصات التي توفر محتوى عالي الجودة، مجانيًا أو منخفض التكلفة، ويخضع لمعايير دولية في التقويم والتطوير.

آن الأوان لأن نسأل بجرأة: لماذا تستمر الدولة في دعم نظام تقليدي مكلف، في حين يمكن تحويله إلى نموذج أكثر مرونة وكفاءة؟ لماذا لا نربط المكافآت بالتحصيل، لا بالحضور؟ ولماذا لا نضع حداً للإنفاق غير المنتج في مرفق لم يعد يواكب تطلعات الدولة نحو كفاءة اقتصادية مستدامة؟

القرار اليوم لم يعد خياراً تربوياً فحسب، بل مسؤولية مالية ووطنية، والاستمرار في الصرف على نظام بلا عائد حقيقي، هو إخلال بمبدأ العدل في توزيع الموارد، وتجاهل صارخ لفرص الترشيد التي تفرضها المرحلة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة