تعليم اللغة العربية.. تحديات معاصرة وآفاق مستقبلية
تعد اللغة
العربية من أغنى لغات العالم وأعرقها، فهي لغة القرآن الكريم والأدب العريق، ووعاء
التراث والحضارة الإسلامية عبر القرون، ومع ذلك، تواجه عملية تعليمها في عصرنا
الحديث جملة من التحديات المعقدة التي تستدعي وقفة جادة من جميع المعنيين، بدءاً
من واضعي السياسات التعليمية وصولاً إلى المعلمين وأولياء الأمور والمجتمع بأسره، لقد
غدت العربية -كما يقال- غريبة في ديارها، على الرغم من الاهتمام العالمي المتزايد
بها كلغة دين وثقافة وحضارة.
فالأزمة بالدرجة
الأولى أزمة هوية، فالكثير من المتحدثين بالعربية وللأسف يخجلون الحديث بها في بعض
الأماكن أو في بعض الأوساط العربية انهزاماً وشعوراً بالقصور أمام المتحدثين
بغيرها، ونراه ظاهراً في الفنادق والمطاعم والتجمعات التي تضم خليطاً من الثقافات،
هذا من ناحية.
تحديات عدة
ومن ناحية
التعليم، تواجه عملية تعليم اللغة العربية تحديات عدة أبرزها:
1- ضعف تأهيل المعلمين:
يعاني كثير من
معلمي العربية من قصور في الإعداد المهني واللغوي؛ ما ينعكس سلباً على قدرتهم على
تبسيط المادة وجعلها جذابة للتلاميذ، وهذا يفتح الباب واسعاً للحديث حول دور كليات
إعداد المعلمين ومدى قدرتهم على تخريج معلم قادر على تعليم العربية بكفاءة وإتقان.
2- الوسائل التعليمية التقليدية:
لا تزال العديد
من المؤسسات التعليمية تعتمد على أساليب تقليدية في التدريس، مع ضعف واضح في توظيف
التكنولوجيا الحديثة والتقنيات الحاسوبية المساعدة، وإن وجدت هذه الوسائل الحديثة
انشغل المعلم بها عن الهدف، أو استخدام وسائل متعددة التي من شأنها تشتيت ذهن
المتعلم لا جذبه، وبالنهاية هذه الوسائل لا تخدم ولا تحقق الهدف المرجو.
3- تكريس العامية:
كما لا يخفى
تأثير وسائل الإعلام والفضائيات التي تسهم العديد منها في تكريس اللهجات العامية
على حساب الفصحى، مع عدم الالتزام باحترام الذوق العربي في الأداء اللغوي، وكذلك
سيطرة اللهجات العامية؛ فقد أدى انتشار العامية في الحياة اليومية ووسائل التواصل
إلى إضعاف مكانة الفصحى وجعلها حبيسة الفصل الدراسي فقط.
وقد يوافقني
الكثير في التأثير السلبي لدخول تعليم لغة أخرى على تدريس العربية في السنوات
الأولى من التعليم؛ فتتنازع المتعلم لغتان؛ فمرة يكتب من اليمين إلى اليسار ومرة
من اليسار إلى اليمين، وكل لغة لها طريقة تعليم مختلفة وأصوات وقواعد متباينة تؤدي
حتماً إلى التشويش وضعف لأحدهما إن لم يكن لكليهما.
لغة حياة
لذا، يجب علينا
للتغلب على هذه الظواهر السلبية وغيرها أن تكون العربية لغة الحياة والعلم معاً
حتى تقوى، وتقوى معها هويتنا وذواتنا وقبل أي شيء ديننا، وعملياً، يجب إعادة تأهيل
المعلمين فهم عصب التعليم وعليهم المعول في نقل العلم وإكساب القيم والمهارات.
وتطوير قدرات
المعلمين من خلال برامج تطوير مهنية مستمرة تركز على الكفايات اللغوية والتربوية
والتقنية معاً، لإعداد معلم قادر على مواكبة العصر، وهذا يشمل تدريبهم على استخدام
التقنيات الحاسوبية المتنوعة وأنظمتها الإلكترونية في العملية التعليمية.
كما يجب توجيه
وسائل الإعلام وخاصة القنوات الفضائية الموجهة للأطفال والناشئة، إلى ضرورة
الالتزام باستخدام اللغة الفصحى السليمة، وأن تنتج محتوى هادفاً يعزز الهوية
اللغوية.
ممارسة لغوية
وكذلك تشجيع
الممارسة اللغوية بتنظيم أنشطة صفية ومسابقات ثقافية تشجع على استخدام الفصحى،
وعقد لقاءات افتراضية وحوارية بين الناطقين بالعربية وغير الناطقين بها لخلق فرص
حقيقية للممارسة.
كما يقل تعزيز
الوعي الأسري عن أي أمر آخر وذلك بتوعية الأسر بأهمية تشجيع الأبناء على استخدام
اللغة العربية الفصحى واحترامها، والحد من الاعتماد على المربيات الأجنبيات في
السنوات التأسيسية الأولى.
والاستثمار في
التعليم عن بُعد بتطوير منصات إلكترونية متخصصة في تعليم العربية، مزودة بأدوات
ذكية للتقويم والتغذية الراجعة الفورية، مع الاهتمام بتصميم دورات تراعي التعلم
المتزامن وغير المتزامن لتناسب مختلف احتياجات المتعلمين.
محتوى رقمي إبداعي
وإنتاج محتوى
رقمي إبداعي فيجب الالتفات إلى حث المؤسسات الأكاديمية والشركات المتخصصة على
إنتاج برامج وألعاب تعليمية وتطبيقات جذابة تسهم في تعليم اللغة العربية بطريقة
ممتعة وفعالة.
إن تعليم اللغة
العربية ليس مسؤولية المؤسسات التعليمية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها
الأسرة والمجتمع والإعلام ومؤسسات الدولة، فالتحديات كبيرة، لكنها ليست مستحيلة، واللغة
التي حافظت على هويتها وحيويتها عبر 14 قرناً قادرة على مواجهة تحديات العصر، شرط
أن نتعامل معها بمنهجية علمية وعملية متطورة، وأن نستثمر في الإنسان (المعلم
والمتعلم) والتقنية معاً.
مستقبل اللغة
العربية مرهون بقدرتنا على تقديمها لأبنائنا وللعالم بلغة العصر، لغة واضحة،
جميلة، وعملية، تحافظ على أصالتها وتنفتح على آفاق المستقبل.