تفعيل الشريعة.. إبداع متجدد أم تطبيق فوقي؟

مهاب مراد

 

تحكيم وتطبيق الشريعة؛ شعار ملأ الدنيا وشغل الناس، وقد أخذ زخماً كبيراً مع هيمنة النظم الغربية بصورها الاستعمارية وما بعد الاستعمارية على العالم الإسلامي، بالتزامن مع صعود الحركات الإسلامية، ويحمل هذا الشعار تصورات شديدة التباين على امتداد التيار الإسلامي وغير الإسلامي.

ويمكن فهم تحكيم الشريعة بمعنى تفعيل الشريعة وتجليها كإطار وجودي ومعرفي وقيمي يشكل معياراً للقرارات ويتجسد في الممارسات ويحفز طاقة مجتمعية داخلية سياسية وغير سياسية (بالمعنى الضيق للسياسة) لا يمكن التنبؤ بالشكل النهائي لها وتأخذ وقتاً طويلاً غير متماثل الأبعاد في التشكل ولا تنحصر مجالات تجليها، ويمكننا تفكيك هذا التوصيف كالتالي:

أولاً: سُبل تفعيل الشيء مرتبطة بماهيته؛ فالشريعة التي يتصورها البعض على أنها أحكام جاهزة للكتابة في قوالب قانونية ضيقة ومحصورة، أما الشريعة كتصور عن الوجود بمعنى موقع الإنسان من المتجاوز والطبيعة والآخر، وكتصور معرفي عن إمكانية الحقيقة وسبل الرشاد إليها، وكهرم متفاعل من القيم الأخلاقية، وكمقاصد وعلل وقواعد وأحكام فهي شريعة متدفقة حية في أدق تفاصيل أصحابها على نحو لا يمكن حصره.

والشريعة كتجسد واقعي في الممارسات والعادات اليومية والدورية المجتمعية؛ بمعنى أنها ليست أنساقاً نظرية هائمة، وإنما تجلّت هذه الأطر بالفعل في تجربة تاريخية مستمرة، هي شريعة عملية متجددة في الزمان والمكان منتشرة في خلايا المجتمع، ويفهم المسلمون كليات الشريعة ويمارسونها ليس من خلال الدرس الفلسفي، بل من خلال تجربتهم الحياتية وتفاعلهم وممارستهم للنصوص والأحكام الفقهية التي بدورها تترك في العقول فهما لكليات الشرعية؛ بعبارة أخرى، فهم من الأسفل إلى الأعلى، وهو مسار حيوي في استمرارها، قريب من الطبيعة البشرية في التلقي، يبقي على طبيعة مجتمعية عملية منتشرة للسياسي، وليست فعلاً فردياً عقلانياً.   

إذًا، تشكّل الشريعة بهذا المعنى معياراً ومرجحاً نظرياً ومتجسداً للمسلم في اتخاذ قراراته اليومية وتشكيل السياسات الدولية؛ فاليومي والدولي كلاهما سياسيان، وبفهم الإسلام وما يطلبه من الفرد والمجتمع والدولة من درجات الكمال التي لا تُترك ولا تدرك، تصبح الشريعة الإسلامية من داخلها طاقة محفّزة دائماً على الفعل السياسي (المجتمعي) لأن مُثُلَهَا لا تتحقق ولا يعدل عنها.

ثانياً: كونها سياسية وغير سياسية: هذا التفعيل سياسي؛ أي تقوم به مؤسسات الدولة الرسمية من خلال أدواتها التقليدية التي لا تنحصر في تغيير مواد الدستور، بل في تعريف العدو وتحديد الأولويات وتأسيس المؤسسات وتشكيل السياسات وصياغة البرامج.. إلخ، وهو سياسيّ أيضاً بمعنى عدم الفعل من قبل مؤسسات الدولة؛ إذ تتخذ الدولة قراراً واعياً بالانسحاب من بعض المساحات، فيكون هذا تفعيلاً للشريعة.

وهي غير سياسية بمعنى أن الذي يقود حركة التفعيل في المقام الأول ليست الدولة، بل الفرد (وهو بالطبع عنصر سياسي يقوم بفعل سياسي، ولكن المقصود فاعليته خارج سور الدولة الرسمي)، وبما أن الفرد، أو للدقة المجتمع المسلم، هو المسؤول عن عملية التفعيل فإن هذا التفعيل يأخذ صوراً من التنظيم المجتمعي الذاتي على المستوى المحلي في أمور تتعلق بالمعمار والتعليم والنظافة العامة والخصوصية.. إلخ، وليس المقصود المجتمع بالمعنى الوطني وإن كان ذلك المستوى ممكناً، وإنما الوحدة الأولى هي المجتمع في وحدته الأصغر (المحلية) للفعل السياسي بتفعيل الشريعة.

ولا يمكن التنبؤ بمخرجها النهائي، لأن تفعيل الشريعة عملية إبداعية وليس مخرجاً يمكن تحديده سلفاً من خلال عمليات منطقية تتحمل مقدمتها نتائجها؛ فكل فرد يحمل بمخزونه القدرة على تفعيل الشريعة، ولا يملك أحد حصر الأفراد ومهاراتهم وإبداعهم في مختلف المجالات والبلاد، هذا يلزمه علم بذاتية كل مسلم، وهو ما قد لا يعرفه كل فرد من نفسه إلا في مراحل متأخرة من حياته، ولا يمكن التنبؤ بمخرجها لأنها دائمة التفاعل مع الوقائع الجديدة، ولأنها لن تتملك من الأذهان في حركة متماثلة، ولأنها تحمل في تطبيقيها مساحة واسعة من الخطأ والتصحيح وبحيث لا يمكن أن تتمكن من الواقع إلا في زمن ممتد بوصول غير منتظم للأطراف المختلفة.

وتفعيل الشريعة هنا ليس عملية واعية بالمعنى الكامل، ولكن عندما يتشبع المجتمع بالتصورات القيمية والمعرفية والوجودية يبدأ في تفعيل هذه الأنساق في طرق تنظيم مجتمعه الإنساني بشكل ذاتي، فلا تنتج سياسات فقط، بل تنتج أعرافاً وفنوناً وعمراناً ومؤسسات مجتمع مدني، ولأنها تنبع من الداخل، فإنها لا تتساوى في كل بلاد الإسلام على نحو متطابق، بل تأخذ الاعتبارات المحلية في عملية تشكلها، فتُحافظ على خصوصية المكان، ولأن كل فرد يحمل كليات الشريعة معه، فإن مجالات التجلي لا تنحصر لأن كل فرد يحمل هذا الإطار إلى مجال عمله.

ويمكن إيضاح كيف يكون تفعيل الشريعة عملية إبداعية، باستحضار تعبير المسيري «البيئة الخصبة»، واستحضار مفهوم الـ«nudging» في علم الاقتصاد السلوكي.

ضرب المسيري مثالاً لتوفير البيئة الخصبة بدور تصميم الحذاء وكونه برباط أو لا في تسهيل عملية الوضوء، وكيف يمكن أن توفر الطريقة التي تُنظم بها ساعات العمل وتوافقها مع مواقيت الصلاة، ومكان وعادات الأكل التي تشجع على تعميق الروابط الاجتماعية، والملبس الذي يبرز معنى الحياء ويتناسب مع الموقع الجغرافي، والتربة الخصبة المناسبة للفعل الشرعي.

تفعيل الشريعة بهذا المعنى هو توفير البيئة الخصبة لتنمو القيم الإسلامية، لا أن تنمو وتعزّز القيم على سبيل الوجوب الفقهي، ولا على سبيل الحتمية السببية، وإنما كإيمان وكتربية وكسلوك في فضاء المستحبات والمباحات المطلوبة أو المتروكة لغيرها، البيئة الخصبة هي مجال محفز كيميائياً أو بيئة صالحة زراعياً، فإذا رميت بها العمل الصالح نشط.

بالعودة إلى مفهوم الـ«nudging» في الاقتصاد السلوكي، وهو إمكانية تغيير السلوك الجمعي بشكل كبير من خلال تغييرات بسيطة، دون إجبار ودون أن تُغير تكلفة الفعل، وأيضاً بشكل يساعد الناس على تحقيق النتائج التي يريدونها، تمثل هذه الأداة فرصة لتغيير السلوك الجمعي مع التحرُّز من شبهة الإجبار.

وتطبيقات هذا المفهوم غير محصورة، بدءاً من صور بسيطة مثل رسم صور مشاهير على علب في الشارع لتشجيع الناس على عدم رمي أعقاب السجائر في الأماكن العامة، أو تغييرات في تصميم المبنى لتنظيم حركة الناس في حالات الخطر.

وفي دراسة لتأثير الـ«default» على اختيار الناس للتبرع بأعضائهم في دول أوروبية، اختلف اختيار الناس بما يقارب 90% بعد تغيير الاختيار الأصلي؛ فعندما كان الاختيار الأصلي التبرع، لم يغير غالب الناس لعدم التبرع، والعكس صحيح.

قد يكون هذا الـ«Nudge»؛ أي الدفعة أو الوكزة، مجرد رسالة تذكرك باستهلاكك، أو لوحة، أو تغيير في موعد أو مكان السؤال أو العرض، أو تغيير في تصميم الورقة أو التطبيق الذي سيستخدمه الناس.

والفرد إذا أحاطه، في المواصلات العامة وقاعات الجامعة ومع عقود شركات الكهرباء وغيره، عدد كذلك غير محصور من الوكز لما هو جيد تتفعل حينها الشريعة، وتعيد إنتاج نفسها في السلوك اليومي، وينتج عنها دوائر من التأثر كنثر حبات الحصى على سطح الماء.

إن تفعيل الشريعة عملية دائمة متجددة لا تقف عند حد في مراتب الإحسان والكمال، أولها المجتمع المحلي المسلم منطلق العمل ورأس المسؤولية، وتتجلى منه إلى جميع المستويات حسب الأدوات المتاحة (زماناً ومكاناً) في كل مستوى، وتتجلى في التفاصيل اليومية والهياكل والبنى الاجتماعية والسياسية والقانونية على نحو ملزم وقاهر لبعض الأفعال وعلى نحو محفز ومهيئ لبعض الأفعال.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة