تقرير دولي يكشف: مصر تعاني من أزمة تعوق قدرتها على التوسع في الإنفاق الاجتماعي
كشف البنك الدولي، في تقرير حديث له، أن المالية العامة لمصر لا تزال تعاني من أعباء فوق طاقتها مما يعوق قدرتها على التوسع في الإنفاق على القطاعات الاجتماعية.
ولفت التقرير إلى أن الإصلاحات التي أجريت منذ عام 2016 ساعدت في الحفاظ على زخم ضبط أوضاع المالية العامة في أثناء جائحة كورونا، ولكن السنة المالية 2021 التي ازداد فيها التأثير الكامل لأزمة كورونا شهدت مزيدا من التراجع والعجز في الميزان الكلي للموازنة العامة وصل إلى 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف البنك أن ذلك يأتي رغم تحقيق تقدم جيد في معالجة الأسباب الجذرية للضغوط على المالية العامة.
وأوضح أن نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال مرتفعة، وواصلت ارتفاعها لتصل إلى 92.4%، كما استمر أيضا ارتفاع إجمالي الاحتياجات التمويلية- الذي يعرف بأنه مجموع عجز الموازنة وقيمة الديون التي يحين أجل استحقاقها على مدار السنة.
وأشار التقرير إلى أن هذا الإجمالي يقدر بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشكل الالتزامات الطارئة (التي تقدر بنحو 18.4% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2020) مخاطر إضافية على المالية العامة.
وأوضح التقرير أن الاحتياجات التمويلية الحكومية المرتفعة نسبيا تنطوي على آثار ذات نطاق أوسع على صعيد الاقتصاد الكلي، ولها أيضا تأثير سلبي على عمل القطاع المالي ودوره، مشيرا إلى أن الائتمان المقدم للحكومة لا يزال أكبر مكونات إجمالي الائتمان المحلي.
وقال التقرير إنه على الرغم من أن القطاع المصرفي يحتفظ بنسبة كافية نسبيا من السيولة فإن الاحتياجات التمويلية الحكومية الكبيرة تؤثر على حوافز البنوك التجارية لإقراض القطاع الخاص (ولا سيما الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم).
وأضاف أنه قد يدفع ارتفاع احتياجات التمويل الحكومة أيضا إلى استخدام أكثر أنواع فرض الضرائب تشويها لتمويل أعباء الديون الإضافية في المستقبل.
توظيف الإنفاق الاجتماعي لأغراض سياسية
وكان تقرير لمركز مالكوم كير- كارنيجي للشرق الأوسط قد كشف عن السلبيات التي تحيط بالإنفاق الاجتماعي في عدد من الدول العربية ومنها ومصر، وقال التقرير: ليس من قبيل المبالغة بشيء الادعاء بأن أبرز تحدٍّ يواجه الدول العربية، التي تمر في طور التحوّل إلى الديموقراطية، هو تحدي إدارة الإنفاق الاجتماعي، الذي يشمل ما تنفقه الدول على الصحة والتعليم والإعانات المباشرة والدعم النقدي للأسر المعوزة، علاوة على نفقات التقاعد والتأمينات الاجتماعية. وهناك سمات مشتركة لهذا الإنفاق يمكن تلخيصها بالآتي:
أولاً: تُعتبر المبالغ المنفَقة مرتفعةً عندما تُقارن بحجم الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية (المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان وسورية مثلاً)، وهذا يعني أن فرص تخصيص موارد إضافية لهذا الجانب من الإنفاق تُعتبر ضئيلة.
ثانياً: يتميّز هذا الإنفاق بتدني مستوى الكفاءة، خصوصاً على صعيد الصحة والتعليم، وهما القطاعان اللذان يستحوذان على الحصة الأكبر من الإنفاق الاجتماعي. وهذه قطاعات لا تخضع عادة إلى رقابة ولا توجد مؤشرات تقيس الكفاءة التشغيلية المتعلقة بها. كذلك يذهب الجانب الأكبر من النفقات إلى الأجور والرواتب، ولا يُخصص للتطوير والبحث في تحسين الكفاءة والحد من الهدر.
ثالثاً: تُعتبر هذه القطاعات عصية على التغيير، فهي تستند إلى مرجعيات وأنظمة بيروقراطية بالية. وبسبب تدني معدل الرواتب فيها لكل موظف، لا تستقطب في العادة أفضل الكفاءات. وتهجر الكفاءات الجيدة غالباً القطاع بعد اكتساب الخبرة الضرورية، أو بعد الحصول على فرص عمل أفضل في مواقع أخرى.
رابعاً: ثمة خلل كبير في آليات الإنفاق والاستهداف، خصوصاً في برامج الإعانة الاجتماعية. فكثير من الدعم مثلاً، لا يصل إلى مستحقيه، بل يذهب أحياناً كثيرة إلى الفئات غير المقصودة، فدعم سلعة مثل الخبز أو المحروقات، مثلاً، يعني تخصيص دعم أكبر لمن يستهلك أكثر، وليس الفقراء، وهم في الأساس المستهدَفون من سياسات الدعم، من كبار المستهلكين لتلك السلعة، ما يعني أن جانباً مهماً من الدعم يذهب إلى الأغنياء وليس إلى الفقراء.
خامساً: تُوظّف النفقات الاجتماعية أحياناً كثيرة لأغراض سياسية، لجهة توزيعها الجغرافي أو الديموغرافي، إذ تستهدف أحياناً شراء الولاءات السياسية للأنظمة الحاكمة، بصرف النظر عن اعتبارات الكفاءة.
ونظراً إلى الأوضاع الاقتصادية في الدول العربية المطالبة بتأمين العدالة الاجتماعية إلى جانب تحقيق النمو، يُعتبر الإنفاق الاجتماعي أحد المداخل الأساسية لتحقيق ذلك. وتأتي هذه المطالب في وقت يعاني فيه كثير من الدول العربية عجزاً في الموازنات.
وفي وقت تعجز فيه الدول عن الوفاء بمتطلبات المواطنين حول تأمين فرص عمل في القطاعين العام والخاص، وهو السبيل الآخر لتحقيق درجة أفضل من العدالة الاجتماعية، يبدو القطاع العام مشبعاً بأعداد كبيرة وُظِّفت قبلاً، فيما لا يتمكن القطاع الخاص من فتح مجالات وآفاق استثمارية واسعة تمكنه من استيعاب ولو جزء من الأيدي العاملة الجديدة الوافدة إلى سوق العمل بمهارات متواضعة أو درجات علمية غير مناسبة لحاجات سوق العمل.
كذلك، تجد الحكومات ذاتها أمام خيارات صعبة، فالأنظمة السياسية الجديدة، في مصر وتونس مثلاً، حيث تعي طبيعة المشكلات المرافقة للإنفاق العام، لا تستطيع من ناحية، التوقف عن الإنفاق العام والتخلّص من الأيدي العاملة التي تحتاج إليها، ولا تستطيع من ناحية أخرى، التوسّع في الإنفاق بما يلبي رغبات المواطنين التواقين إلى التغيير ورؤية نتائج عملية لثوراتهم، التي هدفت من ضمن ما هدفت، إلى تحقيق مقدار من العدالة الاجتماعية.
وهنا يجب التمييز بين نوعين من الإنفاق، الأول الذي يعطي نتائج سريعة تشمل نتائج سياسية مباشرة، مثل سياسات الدعم المباشر للسلع أو الإعانات النقدية، فهذا النوع من الإنفاق يساعد على تهدئة الخواطر، وتظهر آثـــاره مباشرة على المواطنين والقواعد الانتخابية. ولذلك يُعتبر مردوده السياسي مرتفعاً، وهو ما يشكّل حافزاً للسياسيين على اتباعه، على رغم أن آثاره في الأجل البعيد تُرتّب استحقاقات على خزينة الدول تُعتبر سلبية وقد تقود إلى عجز مالي يرهق كاهل الدول المعنية بها.
الرابط المختصر :