تيار المتدينين في السياسة الغربية بين الوهم والحقيقة (1)
منذ فترة ليست
بالقصيرة يتردد الحديث في الأدبيات السياسية الغربية، التي يُسمع صداها بوضوح في
بلادنا، عن تحول كبير في توجهات بعض قادة الغرب وسياسييه، يتمثل في ارتفاع الشعور
الديني لديهم، الأمر الذي ينعكس على منطلقاتهم وقراراتهم وتحركاتهم السياسية داخل
بلادهم وخارجها، بل وصل الأمر إلى حد وصف بعضهم بأنهم «مهووسون دينياً»، فما حقيقة
الأمر؟ وهل يؤيد الواقع السياسي والمجتمعي بشواهده لديهم وقوع هذا التحول فعلاً؟
بداية، نقرّر أن
الساسة والقادة بشكل عام هم أبناء مجتمعاتهم وبعض إفرازاتها، وأن كلاً من المستوى
السياسي، والمستوى العام المتعلق بواقع المجتمع في أي بلد، مرتبطان ببعضهما بطبيعة
الحال؛ بمعنى أن كلاً منهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه في آن، فما تشهده ساحات أحدهما
لا يخرج، في هذا السياق، عن أن يكون مقدمة لما يجري على ساحات المستوى الآخر أو
نتيجة له.
وفي هذا الإطار،
نقرر على وجه الخصوص ما هو معلوم من السياسة الغربية بالضرورة، أن الساسة هناك غير
منفصلين عن شعوبهم، لا سيما إذا كانوا في مواقع المسؤولية العليا.
هذا يعني أنه
لكي نقف على حقيقة الظاهرة أو التحول الذي نحن بصدده جيداً، لا مناص من أن ندرس «الحالة»
الدينية للشعوب الغربية، أو أن نتأمل خطوطها العريضة على الأقل، حتى نصل إلى مدى
صحة ما يقال عن تنامي التوجه الديني لدى هؤلاء الساسة والقادة، عبر البحث عن
الانعكاسات العملية لهذا التوجه على واقع مجتمعاتهم من ناحية، وعلى موقفهم
وتحركاتهم في سياساتهم الخارجية من ناحية أخرى.
لا سيما وأنه
يتردد أيضاً أن هذه «اليقظة» الدينية لدى بعض الساسة والقادة تأتي في إطار بوادر
نزعة عامة في مجتمعات الغرب للعودة إلى الدين، وأنها بدأت في سبعينيات القرن الماضي؛
ما يعني أنها إن كانت حقيقة واقعة، فحتماً قد أتت أكُلَها، أو بعضه على
الأقل.
أولاً: «الحالة» الدينية لشعوب الغرب في العقود الأخيرة:
لا يجد المتابع
أي صعوبة في إدراك الضعف الشديد الذي تتّسم به علاقة أبناء المجتمعات الغربية
بالدين اليوم، حتى كفكرة، المسلمون وغير النصارى هناك عموماً خارج دائرة هذا
السياق طبعاً، فالواضح الجليّ أن مسار العلمنة الذي انتهجته هذه المجتمعات والذي
رافَق نهضتها الحديثة منذ مطلعها، قد تحول بعد أن بلغ ذروة التوحش والمغالاة إلى
نبذ فكرة الدين من أساسها إلى حد بعيد، في إطار واقعية مادية مفرطة.
فليس للدين
تأثير يُذكر في حركة هذه المجتمعات ولا حتى في أقوال الناس وأفعالهم، وليست
لمظاهره وشعائره ذاك الحضور المجتمعي المفترض، وبعد أن كان أغلب مفكري الغرب وقادة
الرأي فيه يصرخون من طغيان الكنيسة ورجال الدين على شتى المجالات والأنشطة قبل
بضعة قرون حينما كانت أوروبا تقف على أعتاب نهضتها الحديثة، أضحت بعض الأصوات
ترتفع اليوم في الاتجاه المعاكس، صارخةً من اضمحلال دور الدين هناك، بعد أن تحولت
نسبة هائلة من أبناء هذه المجتمعات إلى الإلحاد، على حين تحولت العلاقة بين النسبة
الباقية ودينها إلى علاقة شكلية اسمية واهية إلى أبعد حد، مع استثناءات جد محدودة.
على سبيل
المثال، وفي المجتمع الأمريكي الذي يوصَف دوماً بأنه الأكثر محافظة وقرباً من
الدين بين شعوب الغرب، كتب جورج بارنا، عضو فريق مركز البحوث الثقافية التابع
لجامعة أريزونا المسيحية، في هذ السياق، وقبل عام واحد فقط، ما نصّه: «يتحول
الأمريكيون من الصورة النمطية لله في الكتاب المقدس نحو إله أكثر تقبلاً وأقل
تطلبًا، فعلى مدى الأعوام الثلاثين الماضية انخفض الإيمان بإله الكتاب المقدس -الكائن
المُحب القادر على كل شيء الذي لا يتزعزع في أخلاقه- انخفاضًا حادًا.
حاليًا يؤمن
حوالي نصف البالغين في الولايات المتحدة بإله الكتاب المقدس، لكن عددًا أقل منهم
يعبده أو يتبعه، أما الشريحة الأسرع نموًا في الإيمان، وهي شريحة الرافضين، فتضم
أولئك الذين لا يعرفون الله، أو لا يؤمنون به، أو لا يهتمون بوجوده»(1).
أما بخصوص
القوانين والأُطُر والأعراف التي تحكم المجتمع وتوجه سلوكيات أفراده وتضبطها، فهي
خالية من أي وجود أو أثر حقيقي للدين، عدا بعض الشكليات البسيطة التي يمكن للمرء
أن يشتم منها رائحة الدين.
فنسب الزواج
هناك ضئيلة، وغالبيتها مع هذا قائمة على الزواج المدني، والعلاقات بين الجنسين
مفتوحة إلى أقصى حد، حتى إن الأوضاع في هذا السياق تجاوزت ليس فقط تعاليم الشرائع
السماوية، بل تعدّت ما جُبل عليه الإنسان بحكم فطرته، وتجاوزت حتى حدود العقل
بالتصالح النفسي والتطبيع المجتمعي مع المثلية الجنسية، ومما زاد الطين بلّة
الترويج لها بين شعوب العالم الأخرى والتدخل لدعم أصحاب هذه الممارسات في كل بقعة
من أرجاء البسيطة.
الأدهى من هذا
شرعنة هذه الممارسات في أغلب مجتمعات الغرب، بسنّ قوانين تضفي الشرعية المجتمعية
على السلوكيات وتدرجها ضمن الحقوق والحريات الشخصية وتقرّ حالات الزواج بين
المثليين، والأسوأ إضفاء الشرعية الدينية على حالات الزواج هذه وتزويج المثليين في
الكنائس وفق طقوسها الدينية.
أما الأمر الذي
يكاد يصيب المرء بالجنون؛ فهو تنصيب بعض الكهنة والأساقفة المثليين على رأس عدد من
الكنائس هناك دون أي غضاضة! والعجيب أن هذه الكوارث باتت تُذكر عرَضا في ثنايا
النقاشات والكتابات مثل أي أمر عادي طبيعي!
على سبيل المثال،
نتأمل هذه الجزئية المقتبسة من مقابلة أجرتها وكالة الأنباء الدينية في الولايات
المتحدة، مع رجل دين وراعٍ لإحدى الكنائس الأمريكية، وما ذكرته مندوبة الوكالة عنه
في إطار تعريفها بشخصه مع نقل ما صرح به: «بدأ غريفز، وهو قس أسود البشرة، مثلي
الجنس، ومتزوج، والذي أصبح راعيًا لكنيسة المسيح الأسقفية في سبتمبر 2024م، بالفعل
في تحفيز هذا التغيير بحذر على المستويين المحلي والوطني، دافعًا الكنيسة لتكون
أكثر شمولًا وانفتاحًا.
وقد وصفه زملاؤه
بأنه «لطيف» و«نبوي»، ويُذكر أنه دُعي هذا الشهر لإلقاء عظة خلال قداس الأحد
المقدس في كاتدرائية واشنطن الوطنية في العاصمة واشنطن في الأول من يونيو، شجع
فيها المئات من الحاضرين والآلاف الذين شاهدوه عبر الإنترنت على مواصلة النضال من
أجل حرية المتحولين جنسياً وثنائيّي الجنس والعديد من أفراد مجتمعاتنا الذين
يعانون من نير القمع»(2)!
هذه بعض جوانب «الحالة»
الدينية الراهنة في مجتمعات الغرب حتى الساعة، وليس قبل 4 عقود؛ أي ليس قبل بداية «الصحوة
الدينية» المزعومة في مجتمعات الغرب عامة، ولدى عدد من قادتها وساستها على وجه
الخصوص، وهي الحالة أو الواقع الديني الذي أفرز الساسة والقادة الذين يُنعتون
بأنهم «متدينون»!
نستكمل جوانب الصورة بالإضافة إلى مواقف هؤلاء الساسة أنفسهم وتحركاتهم ومدى ارتباطها بالدين من عدمه في الجزء القادم بحول الله وقوته.
الهوامش
- 1 Barna, George: Worldview Trends 2025, Publications of CRC - Arizona Christian University, 22-1-2025
- 2 Post, Kathryn (The correspondent for Religion News Service who conducted the interview): Meet the gay millennial priest on a mission to pull the Episcopal Church out of 'free fall', 16-06-2025, interview link: Meet the gay millennial priest on a mission to pull the Episcopal Church out of 'free fall'.