تيار المتدينين في السياسة الغربية بين الوهم والحقيقة (3)
استعرضنا في
الجزأين السابقين الواقع الديني لمجتمعات الغرب، أو الحالة الدينية، كجزء من سعينا
للتحقق مما يتردد منذ فترة طويلة عن علاقة قوية لبعض ساسة الغرب وزعمائه بالدين
وارتباطهم العميق به، ونصل اليوم إلى النقطة المفصلية المتمثلة في استخلاص الملامح
الذهنية والنفسية لهؤلاء القادة أنفسهم، عبر قراءة توجهاتهم ومنطلقاتهم وطبيعة
أدائهم قولاً وفعلاً، ومن ثمّ النظر فيما إذا كانت متّسقة بدورها مع ما يتردد عن
تديّنهم أم مفارقة له.
ثانياً: أثر الدين في مواقف القادة المتدينين وسياساتهم:
1- سياستهم الداخلية:
في ضوء ما تقدم
إثباته عن الحالة الدينية المتداعية في بلاد الغرب وهشاشة الروابط بين مجتمعاتها والدين
بشكل عام وإلى أقصى حد، فإن المنطق يقطع بأن واقعاً كهذا لا يمكن أن يُفرز قادة
وساسة ذوي ميول دينية وشعور ديني ينعكسان في نهجهم وتحركاتهم، وهي حقيقة يمكن
إثباتها أيضاً بشكل عكسي؛ بمعنى أن مجتمعات كهذه لا يمكن أن يكون على رأسها قادة متدينون،
ومع هذا، والتزاما بالدقة والموضوعية، سنستعرض نهج هؤلاء القادة أنفسهم في الداخل
والخارج، لنرى إلى أي نتيجة سنصل، عبر طرح عدد من التساؤلات:
هل سعى أحدهم،
أو طالب ولو لمرة بوجوب مراجعة القوانين للقيام بما يلزم لجعلها متوافقة مع أحكام
شريعتهم وجوهرها وتعاليمها؟
هل دعا قادة هذه
البلاد، أو بعضهم، أو حتى أحدهم، إلى ضرورة تعديل المناهج الدراسية بما يتماشى مع
تعاليم دينهم وحتمية تضمين هذه المناهج جرعة دينية مناسبة؟
هل دعا أحدهم
يوماً ما لمناهضة الانحلال في مظاهر الحياة هناك بوجه عام، وكذا الإباحية والتعرّي
والعلاقات المفتوحة بين الجنسين والوقوف في وجه طوفان الشذوذ عن الفطرة الإنسانية
ذاتها من مثلية وغيرها؟
هل حاول أحدهم
ذات يوم إعادة الاعتبار إلى كيان الأسرة وضبط جميع ما يتعلق به بأحكام شريعتهم
ومنهاجها؟
هل نادى أحدهم
بضرورة تجريم الخمور باعتبارها تتعارض مع تعاليم الرب؟
وغير هذا الكثير،
والحقيقة أن شيئاً من هذا كله لم يحدث، ولو في شكل محاولات أو مطالبات أو نداءات
أو حتى أمنيات، فضلاً عن أننا لم نتعرض للسيرة الشخصية لهؤلاء القادة والساسة
وسلوكياتهم وطبيعة حياتهم وتكوينهم النفسي والذهني والوجداني كأشخاص، التي حتماً
ستصبّ في ذات الاتجاه، ويكفي هنا أن نشير إلى ظهور اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب
ضمن «وثائق إبستين» التي تحوي رذائل وجرائم يندى لها الجبين، بل إن إبستين كان من
أصدقائه المقربين، علماً بأن ترمب أحد الرؤساء اليمنيين المحافظين!
الحقيقة أننا لا
نلمح أيّ أثر لتدين من أي نوع في السياسة الداخلية لقادة الغرب في العقود الأخيرة،
التي يُزعم أنها شهدت يقظة دينية لدى عدد غير قليل منهم، إذ لا يختلف حالهم في هذا
السياق عن الواقع الديني للمجتمعات التي أفرزتهم بشكل عام.
2- تحركاتهم الخارجية:
إن المتابع
لمجريات السياسة الدولية لا يلاحظ كذلك أي توجه ديني لقادة الغرب وساسته، بل لا
يجد أثراً يُذكر لما قد يُفسّر على أنه انعكاس عمليّ لمكنون ديني تنطوي عليه
نفوسهم ويحتضنه وجدانهم، فديدنهم دوماً الانتهازية، والاستغلال، والنفعية المادية،
حتى لو على حساب الحقوق الثابتة للشعوب الأخرى، وحتى لو تحققت أطماعهم على أنقاض
أوطان وعلى أشلاء ملايين الجثث.
وحتى تستبين
حقيقة الأمور بشكل قاطع، سنتناول هنا، على سبيل المثال، الملامح الرئيسة للسياسة
الخارجية لثلاثة من رؤساء الولايات المتحدة الذين اشتُهروا في الأدبيات السياسية
الغربية بأنهم متدينون محافظون، كما يُعرف مجتمعهم بأنه أكثر شعوب الغرب محافظة
ونزوعاً نحو الدين.
أولهم، طبقاً
للترتيب الزمني، الرئيس الأمريكي كارتر (1977 - 1988م)، والمعروف بأنه كان من أكثر
الرؤساء الأمريكيين تديناً، إذ يقول عنه ألونسو جاسكيل، على سبيل المثال، في مقال
له على موقع «باثيوس» الشهير والمتخصص في شؤون الأديان والفكر: «أما جيمي كارتر
فيُوصف غالباً بأنه مسيحي جداً ومتدين للغاية، ليس بسبب شخصيته السياسية فحسب، بل
بسبب حياته التي عاشها قبل وبعد رئاسته»، على سبيل المثال، من المعروف أنه بعد
مغادرته البيت الأبيض بدأ كارتر بتدريس مدرسة الأحد في كنيسته المعمدانية، واستمر
في ذلك لعقود عديدة (إلى أن حالت صحته دون ذلك)، بدأ أيضًا العمل مع منظمة «هابيتات»
من أجل الإنسانية (بعد انتهاء فترة رئاسته)، وشارك في بناء أو تجديد أكثر من 4400
منزل، لطالما اعتُبرت حياة كارتر دليلًا على تدينه الراسخ والمستمر»(1).
هذه هي صورة
كارتر التي يروّجون لها، وفي المقابل سنكتفي بذكر واحد من أهم إنجازاته، ألا وهو
دعمه الكامل للكيان الصهيوني المجرم في حرب العاشر من رمضان، بمختلف الطرق
والأشكال، عسكرياً واقتصادياً.. الذي أتمّه باتفاقية «كامب ديفيد» الجائرة،
وتجاهله التام للحقوق الفلسطينية المشروعة.
أما ثانيهم فهو
جورج دبليو بوش (بوش الابن)، الذي عُرف بأنه من صقور اليمين ومن المهووسين دينياً،
فماذا كانت نتائج تدينه الشديد؟ تدمير عدد من بلاد المسلمين وقتل الملايين من
أهلها وتشريد أضعافهم، وإعطاء الضوء الأسود لآلة الحرب الصهيونية المجنونة لتصبّ
حممها المسعورة على أشقائنا الفلسطينيين، حتى آخر لحظات عهده السعيد حرفياً فيما
أشبه الجحيم آنذاك!
فما صورته في
أدبياتهم؟ يذكر جاسكيل في مقاله المذكور أعلاه: «غالبًا ما يُنظر إلى جورج دبليو
بوش على أنه من أكثر الرؤساء تديّنًا، ويعود ذلك في الغالب إلى صراحته في التعبير
عن إيمانه بالله (خلال فترة حكمه ورئاسته)، مع ذلك، فإن هذا التقييم يستند في
معظمه إلى شخصيته السياسية أكثر من كونه يعكس حياته الشخصية أو ممارساته الدينية،
هو بلا شكّ رجل متدين جدًا»!
ثالثهم الرئيس
الحالي ترمب، وهو أيضاً من أبناء التيار المحافظ وأصحاب التدين المزعوم، ومن أهم
علامات تدينه وأشدها وضوحاً دعمه الكامل؛ عسكرياً وسياسياً واقتصادياً
واستخباراتياً وتقنياً وإعلامياً، للأهوال التي أنزلها الكيان المجرم بغزة وأهلها،
حتى إنه أرسل حاملة طائرات أمريكية إلى شواطئ غزة خصيصاً لمساندة الصهاينة
المجرمين، بالإضافة إلى تورطه في «فضائح إبستين» وجرائمه، وغير هذا الكثير مما هو
معلوم، وإنها لشواهد قاطعة على رهافة حسّه الديني، وعمق روحانيته، وقربه من الله!
بالإضافة طبعاً
إلى أنه ما من أحد من بينهم حقق شيئاً من الأمور المشار إليها في الجزئية السابقة،
ليعيد المجتمع إلى دينه، أو حتى حاول في هذا الصدد!
فما حقيقة الأمر إذن؟ وفيم زعمهم بتدين هؤلاء القادة وغيرهم؟ هذا ما سنتناوله بالتوضيح في المقال القادم بحول الله وقوته.
اقرأ أيضاً
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً