ثروة الأمم وقوى الإنتاج الاقتصادي

ثروة الأمم وقوى الإنتاج الاقتصادي

إن العمل السنوي لكل أمة هو رأس المال (الرصيد/ fund) الذي يمدُّها أصلاً بما تستهلكه هذه الأمة سنوياً من ضروريات الحياة وكمالياتها، التي تتكون دائماً إما من النتاج المباشر لهذا العمل، أو مما يشترى بهذا النتاج من أمم أخرى، وتكون الأمة أحسن إمداداً (supplies) أو أسوأ إمداداً بكل ما تحتاج إليه من ضروريات وكماليات، تبعاً لما يتصف به هذا النتاج، أو ما يشترى به، من تناسب مع عدد الذين يستهلكونه.

ولكن لا بد لهذا التناسب من أن ينظم في كل أمة بمقتضى ظرفين مختلفين؛ أولاً: مدى ما ينتظم مزاولة عملها من مهارة، وسداد رأي، وثانياً: بالتناسب بين عدد المستخدمين في العمل النافع، وعدد غير المستخدمين في عمل كهذا، فأياً ما كان نوع التربة، أو المناخ، أو سعة الإقليم الذي تحتله أمة من الأمم، فإنه ينبغي لوفرة إمدادها السنوي أو ندرته، في هذه الحال المخصوصة، أن تعتمد على هذين الظرفين.

يقول آدم سميث في كتابه «ثروة الأمم»: إن وفرة هذا الإمداد أو ندرته تعتمدان على الظرف الأول أكثر من اعتمادهما على الظرف الثاني، ففي أمم الصيادين يكاد كل فرد قادر على العمل أن يستخدم في عمل نافع، ويسعى قدر الوسع والطاقة في تحصيل ما يستطيعه من ضروريات الحياة وكمالياتها لنفسه، أو لمن كان من عائلته أو عشيرته عاجزاً، لكبر السن أو لصغرها، أو لعاهة تعوقه عن الخروج إلى قنص الحيوان أو صيد الأسماك.

ومع ذلك، فإن أمثال هذه الأمم تعاني من بؤس الفاقة، والأمر خلاف ذلك عند أمم أخرى، فمع أن عدداً كبيراً من أهاليها لا يشتغلون البتة، ومع أن الكثير منهم يستهلكون عشرة أضعاف، وأحياناً مائة ضعف، ما ينتجه القسم الأكبر ممن يزاولون العمل؛ فإن ما ينتج عن عمل المجتمع بكامله كبير إلى حد أن الجميع كثيراً ما يحصلون على وفرة من الإمداد، كما يتاح للعامل، في أدنى وأفقر مراتب العمل، أن يتمتع، إذا ما كان مقتصداً ومجتهداً، بنصيب من ضروريات الحياة وكمالياتها.

إن أسباب هذا التطور في قوى العمل الإنتاجية والترتيب الذي يحكم هذا التوزيع لنتاجها على مختلف مراتب الناس ومنازلهم في المجتمع تشكل موضوع الباب الأول من هذا الكتاب.

ومهما بذلت أمة ما من البراعة، والمهارة، وسداد الرأي في إتمام العمل، فإن وفرة إمدادها السنوي أو ندرته يجب أن تعتمد، خلال استمرار هذه الحال، على النسبة القائمة بين عدد الأشخاص المستخدمين سنوياً في العمل النافع وعدد غير المستخدمين على هذا النحو، وسوف يتبين أن عدد العمال المنتجين والنافعين يتناسب في كل مكان مع كمية رأس المال المستعمل في تشغيلهم، والوجه المخصوص الذي يستعمل فيه، لذلك، يعالج الباب الثاني طبيعة رأس المال، والطريقة التي يتراكم فيها تدريجياً، ومختلف كميات العمل التي يحركها، تبعاً للأوجه المختلفة التي يستعمل فيها.

ثم يؤكد سميث حقيقة أن الأمم التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال البراعة، والمهارة، وسداد الرأي في مزاولة العمل، قد اتبعت خططاً مختلفة في إدارة العمل وتوجيهه؛ وقد لا تتساوى هذه الخطط من حيث مواتاتها لزيادة حجم هذا الناتج، فبعض الأمم اعتمدت سياسة لا نظير لها في تشجيع العمل الريفي؛ بينما اعتمدت أمم أخرى سياسة التشجيع للعمل المديني، ولا تكاد توجد أمة تعاطت بصورة متساوية وغير منحازة مع كافة أصناف العمل.

والظروف التي يبدو أنها قد تسببت في اعتماد هذه السياسة مشروحة في الباب الثالث من هذا الكتاب، إن شرح ما يتكوّن منه دخل جمهور الناس، أو ما كانت عليه طبيعة الأموال التي أمدّتهم بما يستهلكونه سنوياً في مختلف العصور والأمم، هو موضوع الأبواب الأربعة الأولى هذه، أما الباب الخامس والأخير فيتناول دخل الدولة.

أخيراً يقول سميث: وقد سعيت في هذا الكتاب، أولاً، إلى تبيان ماهية النفقات الضرورية، وأي هذه النفقات ينبغي أن تسدد بمساهمة من المجتمع بأسره، وأي منها ينبغي أن يسدده قسم معيّن منه فحسب، أو أفراد معينون من المجتمع.

وثانياً: ما الطرق المختلفة التي يمكن اعتمادها لجعل المجتمع بأسره يساهم في تسديد النفقات المترتبة على المجتمع كله، وما أهم مزايا كل من هذه الطرق وما هي مساوئها.

وثالثاً وأخيراً: ما الأسباب التي دفعت إلى رهن قسم من هذا الدخل، أو الاستدانة، وما كانت آثار هذه الديون على الثروة الحقيقية، والناتج السنوي للأرض ولعمل المجتمع.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة