جيش شبابي يا قوم!
تفرض تطورات الحرب الأمريكية «الإسرائيلية»
على إيران، على دول المنطقة، إعادة ترتيب أولوياتها، على المستويات العسكرية، والسياسية،
والاقتصادية، والفكرية، والتعليمية، والإعلامية، والثقافية.
ولا شك في أن الاعتداءات الإيرانية التي طالت
دول الخليج، ودولاً عربية أخرى، تحتم على صناع القرار في العالم العربي، إعادة تقييم
كافة المسارات، خلال العقود الماضية.
من هذا المنطلق، يأتي إعادة تأهيل المجتمعات،
وترميم التصدعات في بنيانها، وتحصين الجبهة الداخلية كأولوية قصوى، خاصة ما يتعلق بأحوال
الشباب، أمل الغد، وجيل المستقبل.
مسار خاطئ
وفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، يوجد
حول العالم 1.2 مليار شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، يمثلون 16% من سكان العالم،
ومن المتوقع أن يرتفع عدد الشباب بنسبة 7% بحلول العام 2030م، ليصل إلى حوالي 1.3 مليار
شاب وشابة.
على مستوى العالم العربي، يشكل الشباب دون
الـ30 عاماً قرابة 60% من السكان، وفق تقديرات سكانية أممية؛ الأمر الذي يصنع تحدياً
كبيراً، يتعلق بمستوى وقدرات وإمكانات هذا الجيش العرمرم، ومدى جاهزيته للصمود في وقت
الحروب والكوارث، وقدرته على صنع التغيير وتحقيق النصر، وردع أي عدو، أياً كان من هو.
الواقع قد يكون صادماً ومؤلماً، حين نرصد
انغماس أفراد هذا الجيش الشبابي في براثن الإدمان الرقمي، والهوس بكرة القدم، والموضة،
وقصات الشعر، وتقليد المشاهير، أو السقوط في دوامة الجنس والمخدرات، أو الدوران في
فلك الحفلات والمسابقات الغنائية، والألعاب الإلكترونية، أو سقوطه أسيراً للبطالة والعنوسة
والإلحاد.
نحن أمام ملهاة عظيمة، استنزفت طاقات ومقدرات
الشباب العربي، في سفاسف الأمور، وفي كل ما يخدم العدو، لنواجه مأزقاً صعباً، وربما
أزمة معقدة، يتطلب علاجها سنوات وعقوداً، إذا أردنا ضبط البوصلة، وتصحيح المسار.
ألا تحتم علينا الحرب الدائرة في المنطقة،
ترتيب الأولويات، عملاً بقوله سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال:
60)؛ أي جميع أنواع العدة، مما يحتاجه المؤمن في جهاد أعدائه، وقد أخبر النبي
صلى الله عليه وسلم أن القوة هي الرمي، فقال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي،
ألا إن القوة الرمي» (رواه مسلم)؛ يعني معظم القوة، وأهمها الرمي بالنبل والبندقية
والمدفع والرشاش وغير هذا من أنواع الرمي التي تستعمل في كل زمان بحسبه، هي معظم العدة.
ويجب أن يستعمل أيضاً ويعد ما دعت الحاجة
إليه مما يستعمله الناس من سائر ما يعين على الجهاد في سبيل الله كالطائرة والصواريخ
وغير هذا مما يحتاجه المجاهدون إذا كان عدوهم يستعمله، وفق العلامة الراحل الإمام ابن
باز رحمه الله.
تمكين الشباب
لدى الأمة العربية جيش ضخم، يصل تعداده إلى
نحو 200 مليون نسمة دون سن 30 عاماً، وفق تقديرات صادرة عن جامعة الدول العربية، وصندوق
الأمم المتحدة للسكان، هذا الجيش في حاجة إلى حسن توظيفه، وإدارة مكوناته، وترتيب أولوياته،
والاستثمار فيه عبر التنشئة السليمة، والتربية، والتعليم، وتطوير المهارات، وصقل القدرات،
وتوفير فرص العمل، وتعزيز الهوية، ومنحه فرص التمكين السياسي والاقتصادي.
ترصد دراسة معنية بأوضاع الشباب العربي 7
مظاهر أساسية للأزمات المؤثرة في حياة الشباب العربي، خلال السنوات الأخيرة، أولاً:
جائحة «كوفيد-19» وتداعياتها، ثانياً: انعدام الأمن والجوع التي ظهرت مع الجائحة وإبان
الحرب الروسية على أوكرانيا، وثالثاً: أزمات اقتصادية، رابعاً: سوء الإدارة في المؤسسات
العامة، خامساً: مواجهات مسلحة، سادساً: الأزمات البيئية والمناخية، سابعاً: القيود
المفروضة على حقوق الإنسان.
وتصف الدراسة الصادرة عن مؤسسة «فريدريش إيبرت»
الألمانية، الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأنهم «جيل محروم»، حيث تسود
خيبة الأمل والعجز، وتتفشى حالة عدم الرضا العام في دول المنطقة، وأن هناك فجوة متزايدة
بين «ما هو موجود» و«ما يمكن أن يكون ممكناً».
إن تمكين الشباب على كافة المستويات لن يتأتى
بالحفلات الغنائية ودوريات كرة القدم والرياضات النسائية والبرامج التافهة والمسلسلات
الهابطة والأفلام الماجنة، وغير ذلك من برامج وسياسات مميعة ومخنثة، بل إن هذا تضييع
وتبديد وإهدار لقوة بشرية هائلة، لا تقدر بثمن.
بالتأكيد، فإن هذه الجيوش الشبابية تستطيع
أن تغير موازين القوى، كون العالم العربي يحظى بأفضلية في هذا المضمار، على مستوى العالم،
من ناحية الأكثر شباباً، مقابل قارة أوروبية، هي الأكثر شيخوخة، ودول غربية تعاني هي
الأخرى من الشيخوخة، والتفسخ الاجتماعي، والانهيار الأخلاقي.
نحن إذن أمام سلاح إستراتيجي فتاك، يفوق قدرات
أي سلاح صاروخي، أو باليستي، أو نووي، شريطة أن نقدر قيمته، ونصقل قدراته، ونمنحه الفرصة
ليقود الغد، في معركة لن يكون مصير البقاء فيها إلا للأقوى، والأجدر بالنصر.
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً