حاجة البشرية إلى «خطبة الوداع»
في مثل هذه الأيام من كل عام، يعيش المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أجواء
إيمانية وسكينة روحية، ينعمون فيها بالقرب من الله عز وجل، وهم يتشبهون بحجاج بيته
في نسكهم وطاعاتهم في هذه الأيام الفضيلة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:
«ما من أيامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحبَّ إليه العملُ فيهنَّ من هذهِ الأيامِ
العشرِ، فأكثروا فِيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ» (رواه أحمد).
وما أن تأتي هذه الأيام المباركة إلا وتتجدد الذكرى لأعظم خطبة في تاريخ
الإنسانية، وأشملها، وأعدلها وأرحمها، فماذا كانت تحمل للبشرية من أسباب الأمان لا
سيما في العصر الحديث؟
خطب النبي صلى الله عليه وسلم في جموع الحجيج يوم عرفة خطبته العظيمة التي
أعادت الحق إلى نصابه، وأرجعت الحقوق لأصحابها، وأثبتت لكل إنسان حقه في الحياة
الكريمة دون النظر إلى جنسه أو شكله أو جاهه وسلطانه.
النبي صلى الله عليه
وسلم وضع في خطبة الوداع الخطوط العريضة لحقوق الإنسان وأسّس لها
فأكّد فيها حرمة الدماء حفظاً للنفوس، ودعا إلى ردّ الأمانات، وأبطل
التعامل بالربا، ونهى عن ظلم المسلم لأخيه وأخذ ماله بغير حق؛ حفظاً للأموال، وحذر
من الشيطان وخطره، ودعا إلى الاعتصام بالقرآن والسُّنة؛ حفاظاً على دين الإنسان
وعقله، وبيَّن حقوق الزوجية وأوصى بالنساء خيراً؛ حفظاً للعرض والنسل، وأكد رباط
الأخوَّة بين المسلمين وعدم تفرقهم؛ حفاظاً على الأمة جميعها، وغير ذلك مما جاء في
بنود الخطبة.
لقد حركت كلمات هذه الخطبة قلوب بعض المنصفين من غير المسلمين فأبهرتهم بما
تحمله من صلاحٍ لنفوس الناس وإصلاح لدنياهم؛ ما دفع الكاتب البريطاني هربرت جورج
ولز أن يقول عنها: «إن أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب
ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة.. إنها
أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح
الكرم، كما إنها إنسانية السِّمة ممكنة التنفيذ» (معالم تاريخ الإنسانية، 3/ 640).
حقوق الإنسان
وضع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة الخطوط العريضة لحقوق الإنسان
وأسّس لها، في عصر لم يكن فيه للضعيف حقوق، بل كانت الحقوق حكراً على أهل المكانة
والقوة والبطش، فسبق في ذلك غيره من الأمم التي خلت ومضت قبله، والتي كانت كذلك في
زمنه، فأكدها ودعا إليها إلى يوم الدين.
سقطت كل الأقنعة عما
يُسمى حقوق الإنسان في العصر الحديث وكشفت عن وجهها الزائف
ومن أهم ما جاء في الخطبة التأكيد على حفظ الدماء والأموال، والتحذير من أن
يلقى الإنسان ربه ويده ملوثة بالدم الحرام أو المال الحرام، فقال صلى الله عليه
وسلم: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم
هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن
كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها» (السيرة النبوية، ابن هشام).
حفظ النفوس
إن من سمات شريعة الإسلام أنها إنسانية تهتم بالإنسان وسعادته، والإنسانية
أيضاً وصف لكل من يحمل بين جوانحه نفساً تحترم حق غيرها في الحياة الكريمة، وتنأى
به عن الإثم والعدوان، فإذا ما تدنَّت أو اختفت هذه الصفة الجميلة بين الناس عمَّ
الفساد في الأرض، وساد الظلم، وكثر الهرج والقتل.
وإن ما يحدث الآن مِن قتل للنفوس جماعات وفرادى، من كل جنس ولون، وما يترتب
على الحروب المستعرة من إزهاق للأرواح، دون النظر إلى العهود والمواثيق التي تفتقد
الإنصاف والتطبيق العادل والإصلاح بين أطراف الصراع؛ لهو دليل على ذلك.
فمن أعظم حقوق الإنسان أن يعيش آمناً على نفسه أن تُزهق، وعلى حياته أن
تُسلب؛ حتى يعبد الله ويعمر هذه الأرض وهو آمن مطمئن؛ لذا فإن من مقاصد شريعة
الإسلام حفظ النفوس، وقد جاءت في أحكامها وأوامرها ونواهيها وتشريعاتها بما يحفظها،
وجاءت خطبة الوداع لتؤكد هذه الحقوق وتدعو إليها، قبل أن يعرف العالم ذلك ويدونه
على أوراقه بخطوط منمقة ومدادٍ ظهر أنه مغشوش قد ذاب بالعنصرية البغيضة والعصبية
المقيتة، ومُحِيَ بالأطماع والصراعات والحروب الظالمة.
لذا، فإن خطبة الوداع تمثل الدستور الحقيقي الصادق الذي لا يتغير مع تغير
الزمان وتقلب النفوس وتبدل الأحوال، وهي خالدة خلود هذا الدين لتبقى معها الحقوق
محفوظة.
.. فقد ضاعت حقوق
الإنسان وحقوق الطفل والمرأة في غزة وفي غيرها من البلدان
في يوم عرفة كان النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ينصحهم ويعلمهم
ويرشدهم، ويقولون له: نشهد أنك بلغت، وأديت، ونصحت، فيرد عليهم: «اللهم اشهد،
اللهم اشهد، اللهم اشهد».
فماذا لو أنه كان يعيش بيننا الآن ورأى ضياع كثير من تلك القيم الإنسانية
التي تساعد على حفظ النفوس وسألنا عن ذلك فبماذا نجيب؟! فهذه شلالات من الدماء
تسيل هنا وهناك!
وكيف بنا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم بيننا ورأى ما نراه على شاشات
التلفاز من أخبار مفجعة من القتل والتدمير والإبادة، والحصار، والتجويع لأطفال
برآء لم يرتكبوا إثماً، فبطونهم خاوية، وأوعيتهم فارغة، وآمالهم ضائعة، ومدارسهم
هدمت، وبيوتهم دمرت، وعائلاتهم قتلت، وأحلامهم سرقت؟!
ماذا لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم صراع الأخ مع أخيه؛ رغبة في الانتصار
للنفس، وحرصاً على جاه أو منصب ودنيا فانية قد يسبق الأجل إليه فيأخذه قبل أن
يتمتع بها! وقد حذر من ذلك فقال: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ
الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ»؛ (رواه
مسلم)، فهذه إشارة، فكيف بقتله؟!
حقوق ضائعة في عصر الحقوق
ألا إن حفظ النفس إنما يتحقق بكل ما يحييها من أسباب الحياة الكريمة وقد
قال الله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: 32)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَزَوَالُ الدنيا
جَمِيعًا؛ أَهْوَنُ على اللهِ من دَمٍ يُسْفَكُ بغيرِ حقٍّ» (صحيح الترغيب).
فهل تُحفظ النفوس حقاً بموجب مواثيق حقوق الإنسان العالمية والحروب تستعر
ليل نهار لا ترحم صبياً ولا رضيعاً ولا تبقي رجلاً ولا تذر امرأة! وهل تُحفظ
النفوس وقد صارت تجارة السلاح رائجة رابحة تربطها المصالح بلا قانون أو ضابط،
وبدلاً من أن توفر الأمن للناس صارت من أسباب الخوف والفزع وإزهاق الأرواح؟! وهل
تُحفظ النفوس حين يعم الظلم وينتشر الجهل والفقر ويُحتكر الطعام وتجوع البطون،
ويُشرد النساء والأطفال دون جريرة أو ذنب؟!
لقد ظهرت الحقيقة المؤلمة وسقطت بذلك كل الأقنعة عما يُسمى حقوق الإنسان في
العصر الحديث وكشفت عن وجهها الزائف، فهي ليست لكل إنسان، فقد ضاعت حقوق الإنسان
وحقوق الطفل والمرأة في غزة وفي غيرها من البلدان! ويأتي يوم عرفة ليذكِّرنا بحجة
الوداع ويذكِّر الأمة بحقوق أبنائها في رفع الظلم عنهم وحماية أرواحهم، وليظل
نبينا صلى الله عليه وسلم هو الداعي الحقيقي لحقوق الإنسان في كل زمان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً