التربية بين الأمس واليوم.. ما الذي تغيَّر فعلاً؟
من المعلوم
واقعًا أن لكل عصرٍ ملامحه وصبغته، ولكل جيلٍ اهتماماته ومساراته، ومن ذلك التربية
وأساليبها ووسائلها، التي تتغيَّر بتغيُّر الزمن وتسارع نمط الحياة، فبين جيل نشأ
على بساطة المعيشة والانضباط في الحقوق والواجبات والمهام، وجيل يعيش في عالَم
ثورة المعلومات والفضاء الرقمي المفتوح بكل أدواته التي تزداد كل يوم تطوُّرًا
واتساعًا، وهنا تبرز كثير من التحديات والتساؤلات حول التربية بما تحتوي عليه من
قيَم، ومدى تأثرها بكل ما هو جديد ومتغيِّر، أم أن الوسائل فقط هي التي يعتريها
التغيير ولا خوف على الأساس؟
كانت التربية
بالأمس تعتمد على التوجيه الأسري ورقابة الأسرة بشكل مباشر، كما هي القدوة داخل
البيت، بينما اليوم نرى حضور المؤثرات الخارجية بكل أنواعها، وهي الأقرب للكبير
والصغير!
ورغم كل هذه
التغيُّرات والتحديات؛ تبقى التربية مسؤولية الأسرة في المقام الأول، وهي أيضًا
مسؤولية مشتركة مع جهات التأثير الأخرى في المجتمع والدولة.
أساليب التربية.. من الحزم إلى المرونة
كانت التربية
سابقاً تعتمد بشكل كبير على الصرامة والضبط المباشر، وكان الوالدان هما المرتكز
والقدوة، وأكثر حرصًا على التمسُّك بالقواعد وضرورة السيْر عليها دون أي تقصير،
بينما كان الأبناء يتحلَّون بالاستماع والتنفيذ دون اعتراض أو مقاومة غالبًا، وهذا
يتفق مع التوجيه القرآني في الأمور الواجبة، مثل الصلاة (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه:
132).
وهذا الأمر مع
الإيجابية الكبيرة التي فيه؛ فإن فرص الحوار ومساحات التعبير عن الرأي ووجهات
النظر قد تكون قليلة، وهي التي نراها اليوم أكثر حضورًا، إذ يتقبَّل الوالدان
والأسرة آراء الأبناء ويهتمون لمشاعرهم ويشجعونهم على التفكير واتخاذ القرارات
الواعية، وهذا أيضًا هدي قرآني، ويتجلَّى في خطاب لقمان لابنه، وخطاب إبراهيم
لأبيه، وهذا بالطبع موجود في الأسرة التي تتحلَّى بالفهم والقيَم الأصيلة،
والمحافِظة على التوجيه الراشد والحدود الواضحة التي تضمن عدم تحوُّل المرونة إلى
انفلات أو ضياع.
وبناءً على هذا؛
نجد أن التوازن بين الحزم والمرونة الأسلوب الأكثر قبولًا والأوفر حظًا للنجاح في
تنشئة أبناء قادرين على تحمُّل المسؤولية والتكيُّف مع متغيرات العصر.
التكنولوجيا وتأثيرها على التنشئة
نجد اليوم أن
التكنولوجيا أثَّرت بشكل كبير على التنشئة الاجتماعية؛ إذ أصبحت أهم وسيلة لاكتساب
المعرفة والتواصل والخوض في العوالم الافتراضية بأنواعها، والإشكال الكبير يتمثَّل
في الإفراط في استخدامها، حتى تكاد تكون هي كل شيء، والآخذة لكل وقت لأولادنا؛ ما
يؤدي لكثير من السلبيات التي نذكرها في هذا الإطار، بالإضافة لقلَّة الاعتماد على
الخبرات المباشرة والاحتكاك الحقيقي بالأسرة.
ولهذا كان من
اللازم توجيه أولادنا للاستخدام المتوازن للتكنولوجيا بأنواعها، وبما يحقق فوائدها
ويقلل من آثارها السلبية، فهناك أبعاد إيجابية لشبكات التواصل تعود على الفرد
والمجتمع، ومنها، على سبيل المثال، التواصل بين الأهل والأصدقاء، والاستخدامات
التعليمية والحكومية والإخبارية والدعوية والتجارة الإلكترونية، ونحو ذلك.
وهناك كذلك
أبعاد سلبية تعود على الفرد والمجتمع أيضًا، ومنها، مثلًا، سهولة نشر المعتقدات
والأفكار الهدامة، ونشر الشبهات، والدعوة إلى الرذيلة والعلاقات المحرمة، والترويج
للجريمة، ونشر الشائعات والأكاذيب؛ ما يتسبب في كثير من الإشكالات، مثل إهدار
الأوقات، وضعف الوازع الديني، وضياع القيم، إضافة للضعف الفكري والتربوي والتعليمي
والصحي وحتى الاجتماعي، والتمرد على كل ما هو خيرٌ وأبقى(1).
القيم الثابتة والتحديات الحديثة
أساس بناء شخصية
الفرد المسلم هي القيم الدينية والأخلاقية التي جاء بها الدين الحنيف، وهي التي
توجِّه السلوك وتضبط مختلف المشاعر والتصرفات والمعاملات، ورغم التطوُّر الهائل في
عصر التكنولوجيا والعالم الرقمي اليوم؛ فإن هناك قيمًا تربوية باقية ثابتة،
فالاحترام وتحمُّل المسؤولية والتعاون والاجتهاد للتمسُّك بالشعائر وهدي القرآن
والسُّنة؛ ما زال كثير من أبناء الأمة يتحلَّون بها ويسعون لتمثُّلها، ومع ذلك
فالتحديات الجديدة لا تنفك لفرض وجودها؛ فتأثير وسائل التواصل سلبًا، وسهولة
الوصول إلى محتويات لا تتناسب مع القيم الدينية وقيم الأسرة المسلمة، وضعف الحوار
المباشر بين أفراد الأسرة بسبب الانشغال بالأجهزة الرقمية، كلها تشكِّل خطورة على
الفرد والمجتمع.
وهنا كان لا بد
للأسرة من مواكبة العصر الرقمي، من خلال الحوار والتوجيه ومصاحبة الأولاد والسعي
لتوعيتهم بالاستخدام المسؤول للتكنولوجيا مع الحفاظ على القيم الأصيلة.
ومن المهم اليوم
اتباع المنهج النبوي في التربية وغرس القيم الفاضلة، والتركيز في تربية النشء على
المعاني الإيمانية والقيمية، وتوعيتهم بأن هذه هي الفطرة السليمة وأساس الصلاح
والفلاح في جميع مجالات الحياة الدنيا وفي الأخرى، انطلاقاً من قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ) (الروم: 30).
كما هو مطلوب
هنا التوازن أيضًا بين الجوانب كلها، حتى لا يطغى جانب على آخر، انطلاقًا من الهدي
النبوي؛ «وإنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ حَقًّا»(2)، ولا تُعفى
الأسرة اليوم من دورها في غرس القيم، بل المسؤولية اليوم أكبر؛ لأن التحديات كبيرة
وكثيرة ومتنوعة، ولا بد من استيعاب الحث النبوي الكريم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم
مسؤولٌ عن رعيتِهِ»(3).
والأسرة الركيزة الأساسية في غرس القيم الفاضلة لدى الأبناء، ويزداد دورها أهمية في عصر التكنولوجيا الرقمية، ويتحقق ذلك من خلال القدوة الحسنة، والحوار البنّاء، والتوجيه المستمر، وتنمية الوعي بالاستخدام المسؤول للتقنية، بما يساعد على إعداد جيل متمسك بقيمه الإسلامية، وقادر على مواكبة التطورات الحديثة بوعي ومسؤولية.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً