حجاب المرأة المسلمة.. والمذاهب الفقهية
في خِضم التسابق
إلى «الشو» الإعلامي، خرج علينا أحدُهم وادَّعى أن حجاب المرأة المسلمة لم يتحدث
فيه فقهاء المذاهب ولا الظاهرية ولا غيرهم إلا من خلال أن الحجاب شرط من شروط صحة الصلاة، ومن ثم فلا داعي للحديث عن حجاب المرأة خارج الصلاة!
فما صحة هذا
الكلام؟!
وللرد على هذه
الشبهة يجب أن نتحدث في أمرين:
أولاً: حكم الحجاب في الإسلام:
من المقرر شرعًا
إجماع علماء الأمة الإسلامية على أنَّ حجاب المرأة المسلمة فرضٌ على كلِّ مَن بلغت
سن التكليف، وهي السن التي ترى فيه الأنثى الحيض وتبلغ فيه مبلغ النساء؛ فعليها أن
تستر جسمَها ما عدا الوجهَ والكفين، على رأي، ورأي آخر يرى وجوب ستر الوجه والكفين.
ولم يخالف في
هذا الحكم أحد من المسلمين عبر القرون سلفًا ولا خلفًا؛ إذْ هو حكمٌ منصوصٌ عليه
في صريح القرآن والسُّنة، وقد انعقد عليه إجماع الأمة، وبذلك تواتَرَ عملُ
المسلمين كافة على مر العصور وأجمعوا على أن المرأة إذا كشفَتْ ما وجب عليها سترُه
فقد ارتكبَتْ مُحرَّمًا يجب عليها التوبةُ إلى الله تعالى منه، فصار حكم فرضية
الحجاب بهذا المعنى من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن الأحكام القطعية التي تشكل
هوية الإسلام وثوابته التي لا تتغير عبر العصور.
أدلة القرآن الكريم على فرضية الحجاب
استدل العلماء
على فرضية الحجاب بقوله تعالى: (يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا
يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 59)، وبقوله
تعالى: (وَقُلْ
لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ
عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ
آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي
أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ
التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ
الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ
بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى
اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31).
وقد نهت الآية
الكريمة المؤمنات عن إبداء زينتهن، واستثنت الزينة الظاهرة، وقد فسَّر السلف
الصالح الزينة الظاهرة التي يجوز للمرأة إبداؤها بالوجه والكفين، وزادت السيدة
عائشة رضي الله عنها القدمين، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، والثوري، والمزني من
الشافعية، واختيار ابن تيمية من الحنابلة، وبعضهم زاد موضع السوار، وفسرها بعض
السلف بالثياب، أما غير ذلك فلم يختلف أحد من السلف ولا الخلف في عدِّه من الزينة
الواجب سترها، أي إن ما عدا هذه الزينة الظاهرة لا يجوز للمرأة إظهاره باتفاق
العلماء وليس هو محلًّا للخلاف أصلًا على اختلاف أقوالهم في تفاصيل الزينة
الظاهرة.
أدلة السُّنة على فرضية الحجاب
أدلة السُّنة
على فرضية الحجاب كثيرة، نذكر منها: عن عائشةَ رضي اللهُ عنها أن أسماء بنت أبي
بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن
يرى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه. (أخرجه أبو داود، 4104).
وأخرج أبو داود
والترمذي وابن ماجه في «السنن» عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدي فلتحتجب منه»،
وفي الحديث دليل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل ما لم يكن مملوكًا لها، وأنها
إنما أُمِرت بالاحتجاب منه هنا إذا ملك ما يؤدي به وإن لم يؤده حقيقةً تورعًا.
وأخرج أبو داود
في «السنن» عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد كان
قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة رضي الله عنها ثوب، إذا قَنَّعَتْ به رأسها لم يبلغ
رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما
تلقى قال: «إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوكِ وغلامكِ».
وهذا الحديث
صريح في وجوب تغطية الرأس؛ لتحرُّج السيدة فاطمة رضي الله عنها من كشف رأسها حتى
تغطي رجلها، ولو كان أحد الموضعين أوجب من الآخر في التغطية، أو كانت تغطية أحدهما
واجبة وتغطية الآخر سُنَّة لقدَّمَتِ الواجبَ بلا حرج.
الإجماع على فرضية الحجاب:
أما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية سلفًا وخلفًا على وجوب الحجاب وهذا من المعلوم من الدين
بالضرورة، ومما نُقِل من إجماع الأمة في ذلك:
- قال الإمام أبو محمد بن حزم: «وَاتَّفَقُوا على أَن شعر الحُرَّة وجسمها حاشا وَجههَا ويدها
عَورَةٌ، وَاخْتلفُوا فِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ حَتَّى أظفارهما أعورة هِيَ أم
لَا»، وأقره على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فلم يتعقبه في كتابه "نقد مراتب
الإجماع»(1).
- وقال الحافظ
أبو عمر بن عبد البر المالكي: «كلها عورة إلا الوجه والكفين على هذا أكثر أهل
العلم، وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام، وقال مالك وأبو
حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور: على المرأة أن تغطي منها ما
سوى وجهها وكفيها، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة
حتى ظفرها»(2).
ثانيًا: رأي المذاهب الفقهية:
1- رأي الأحناف:
يرى الأحناف أنه
يجوز للمرأة كشف وجهها وكفيها عند أمن الفتنة، والمتأخرون منهم يرون غير ذلك
ويؤكدون وجوب ستر المرأة لوجهها وكفيها لأنهما عورة وهذه بعض النصوص التي تؤكد
ذلك:
روى الحسن عن
أبي حنيفة: أنه يحل النظر إلى مواضع الزينة منها من غير شهوة، وأما عن شهوة فلا
لقوله صلى الله عليه وسلم: «لكل ابن آدم حظ من الزنا فالعينان تزنيان وزناهما
النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والفم يزني
وزناه القبلة والقلب يهم أو يتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» (متفق عليه)، وليس
زنى العين إلا النظر عن شهوة، والأفضل للشاب غض البصر عن وجه الأجنبية، وكذا
الشابة لما فيه من خوف حدوث الشهوة والوقوع في الفتنة، ويؤيده ما روي عن ابن مسعود
رضي الله عنه أنه قال: في قوله تعالى: (إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: 31) أنه الرداء والثياب،
فكان غض البصر وترك النظر أزكى وأطهر(3).
وقال شمس الدين السرخسي: «.. فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة
وعامة محاسنها في وجهها، فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر
الأعضاء»(4).
وقال الطحاوي: «تمنع
المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة كمسه وإن أمن
الشهوة لأنه أغلظ»(5).
2- رأي المالكية:
يرى المالكية أن
جميع بدن المرأة عورة أمام الأجانب إلا الوجه والكفين، فيجوز كشفهما عادة، ولكن
يُكره كشفهما إذا كان هناك ريبة أو فتنة، واستدلوا على إباحة كشف المرأة لوجهها
وكفيها بأن المرأة تكشف وجهها وكفيها في الصلاة، وكذلك للحاجة والمعاملات، وهذا
يدل على عدم عورتهما، ولكن إذا وُجدت الفتنة وجب ستر الوجه والكفين(6).
3- رأي الشافعية:
يرى الشافعية أن
المرأة كلها عورة أمام الأجانب إلا الوجه والكفين، ويجوز كشفهما إذا أُمِنَت
الفتنة، واستدلوا على ذلك بحديث أسماء، وبأن الحاجة تقتضي كشف الوجه والكفين في
البيع والشراء والمعاملات، ولكن إذا خاف الإنسان الفتنة (أي خوف وقوع النظر بشهوة
أو خوف الوقوع في المعصية)، وجب أيضاً ستر الوجه والكفين(7).
4- رأي الحنابلة:
يرى الحنابلة أن
جميع بدن المرأة عورة أمام الأجانب حتى الوجه والكفين، ويجب ستر جميع الجسد، بما
في ذلك الوجه والكفان، واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ
مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)
(النور: 31)، وفسروا «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» بأنه ظاهر الثياب، واستدلوا كذلك
بحديث: «إنَّ المرأةَ عورةٌ، فإذا خرجتِ استشرفها الشَّيطانُ، وأقربُ ما تكونُ من
وجهِ ربِّها وهي في قَعرِ بيتِها» (أخرجه الترمذي، 1173).
ويرى الحنابلة
جواز كشف المرأة لوجهها عند الحاجة (كالشهادة أو البيع أو العلاج)، لكن الأصل
الستر(8).
وهكذا يتضح لنا
أن جمهور العلماء (الحنفية، المالكية، الشافعية) يرون أن الوجه والكفين ليسا عورة
في الأصل، إلا إذا خيفت الفتنة، والحنابلة يرون أن الوجه والكفين عورة ويجب سترهما
خارج البيت أمام الأجانب.
فهل يستطيع عاقل
أن يدَّعي أن أئمة المذاهب لم يشيروا إلى الحجاب إلا على أنه شرط من شروط صحة
الصلاة بالنسبة للمرأة فقط؟!
للمزيد:
- تجديد الخطاب الديني.. رؤية نقدية وتحليلية
- شبهات وردود.. لا توجد آية في القرآن الكريم تفرض الحجاب!
- شبهات وردود.. العنف بين الإسلام والنصرانية
________________
(1) مراتب الإجماع، ابن حزم (1/ 29).
(2) التمهيد،
ابن عبد البر (6/ 364).
(3) بدائع
الصنائع في ترتيب الشرائع (5/ 123).
(4) المبسوط (10/
152 - 153).
(5) رد المحتار
على الدر المختار (1/ 272).
(6) حاشية
الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 214)، بتصرف.
(7) النووي،
روضة الطالبين (1/ 367)، بتصرف.
(8) المغني، ابن
قدامة (1/ 637)، بتصرف
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً