كلمة تحفظ حرمة الإنسان

حرمة المسلم قبل الحكم.. ميزان العلاء بن زياد

د. نصر حسن

08 سبتمبر 2026

81

مشهد تعبيري يجمع بين كتاب تراثي مفتوح ورمز للعدل والتثبت، يعكس أهمية التريث قبل إصدار الأحكام على الآخرين.

أورد الذهبي عن قتادة، عن العلاء بن زياد، قال: «ما يضرك شهدت على مسلم بكفر، أو قتلته»(1).

تحذير العلاء بن زياد من استباحة حرمة المسلم

يقف هذا الأثر عند واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ الفكر الإسلامي المبكر؛ قضية إطلاق أحكام التكفير على المسلمين وما قد يترتب عليها من آثار خطيرة في الدين والمجتمع، فالعلاء بن زياد العدوي كان من عباد التابعين وزهادهم، وقد عاش في البصرة في مرحلة كثرت فيها الاتجاهات الفكرية والجدالات العقدية، وكان ظهور الخوارج وما صاحب فكرهم من استسهال إخراج المسلمين من دائرة الإسلام من أبرز مظاهر الاضطراب في ذلك العصر.

ولا يمكن فصل دلالة كلمة العلاء عن البيئة الفكرية المضطربة التي عاش فيها؛ فهي ليست مجرد عبارة في الوعظ، بل هي صيحة تحذير من بداية الطريق الذي قد ينتهي باستباحة الحقوق والدماء، ومع ذلك فإن قراءة هذا الأثر تحتاج إلى التمييز بين نقد ظاهرة التكفير وخطرها، وبين إصدار الأحكام على الأعيان، وهي مسألة لها أبوابها العلمية وضوابطها عند أهل العلم.

لماذا حذر الشرع من خطورة الأحكام المتسرعة؟

تكمن قوة عبارة العلاء في أنها نقلت قضية التكفير من مجال النقاش النظري إلى مجال المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، فالإنسان قد يظن أن الحكم على الآخرين مجرد موقف فكري أو انفعال عابر، لكن تاريخ المجتمعات يبين أن الكلمات التي تنزع عن الإنسان وصف الإسلام أو تخرجه من جماعة المسلمين ليست كلمات عادية؛ لأنها تمس مكانته الدينية والاجتماعية، وقد يترتب عليها من التعامل ما لا يليق بحرمته.

وهذا المعنى يلتقي مع التحذير القرآني من التسرع في الأحكام على الناس، قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ‌فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 94)، فالآية تؤسس لمبدأ عظيم في التعامل مع الأمور المشتبهة؛ التثبت قبل الحكم، والتأني حتى يتضح الأمر ويتبين وجه الصواب، وقد بيّن السعدي هذا المعنى في تفسيرها، فقال: «أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة»(2)، مبينًا أن التثبت في الأمور المشكلة يكف شرورًا عظيمة، وأن الاستعجال قبل أن يتبين الحكم يؤدي إلى ما لا ينبغي، ومن ثمّ، فإن التثبت قبل الحكم ليس ترفًا، بل ضرورة لصيانة الإنسان من ظلم قد لا يمكن تداركه.

ويتجلى الأثر العملي للتسرع في فهم كلام الناس والحكم عليهم في موقف خالد بن الوليد رضي الله عنه مع بني جذيمة، حين لم يحسنوا التعبير عن إسلامهم فقالوا: «صبأنا صبأنا»، فوقع القتل والأسر، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين(3)، ويكشف هذا الموقف أن سوء الفهم حين يقترن بالتعجل قد يفضي إلى نتائج لا يمكن تداركها بسهولة، وهو ما يجعل التثبت أصلًا لازمًا قبل ترتيب الأحكام والآثار.

أخطار إسقاط حرمة المسلم بذريعة الأحكام العقدية

في بنية المجتمعات، توجد كلمات تؤدي وظيفةً أكبر من معناها المباشر؛ لأنها تمنح أصحابها مبرراتٍ للتصرف، ومن أخطر هذه الكلمات الأحكام التي تُسقط حرمة الإنسان أو تنزع عنه حقوقه.

ولهذا جاء الوعيد الشديد في السنة من إطلاق هذا الباب بغير حق، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أيُّما رَجُلٍ قال لأخيه: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحَدُهما»(4)، فالحديث لا يجعل القضية مجرد لفظٍ عابر، بل يربطها بمسؤولية عظيمة؛ لأن الحكم بالكفر ليس حكمًا اجتماعيًا عاديًا، وإنما هو حكم تترتب عليه تبعات شرعية خطيرة.

ويكشف ذلك بوضوح ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، ‌وَمَنْ ‌رَمَى ‌مُؤْمِنًا ‌بِكُفْرٍ ‌فَهُوَ ‌كَقَتْلِهِ»(5)، وقد بيّن ابن بطّال معنى هذا التشبيه بقوله: «يعني في تحريم ذلك عليه»(6)، فهو قولٌ عظيم الحرمة، لما ينطوي عليه من جرأة على حرمة المؤمن، ومن اعتداء على حقه في أن تُصان منزلته ولا تُنتهك حرمته بغير حق.

وقد أدرك علماء الإسلام عبر العصور أن الخطأ في التكفير قد يكون منطلقًا لفتنٍ تتجاوز الفرد إلى المجتمع كله؛ ولذلك وصف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أصل انحراف الخوارج بقوله: «إِنَّهُمُ ‌انْطَلَقُوا ‌إِلَى ‌آيَاتٍ ‌نَزَلَتْ ‌فِي ‌الْكُفَّارِ ‌فَجَعَلُوهَا ‌عَلَى ‌الْمُؤْمِنِينَ»(7)، ومن هنا يتبين كيف يمكن للخطأ في تنزيل الأحكام أن يتحول من مجرد فهمٍ منحرف إلى منهج يهدد وحدة الجماعة، ويجعل النصوص الشرعية وسيلةً لإسقاط حرمة المخالف بدل أن تكون سبيلًا إلى إقامة الحق والعدل.

دور الخشية في كف اللسان عن الاتهامات

تكشف كلمة العلاء عن جانب عميق من شخصية الزهاد والعباد؛ فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله ازداد احتياطًا في الحكم على عباده، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، وقد بيّن السعدي هذا الترابط بين العلم والخشية بقوله: «فكل من كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه»(8)، فالخشية الحقيقية لا تدفع إلى الجرأة على الناس، بل إلى مراقبة اللسان والقلب.

وهذا المعنى نجده في منهج كثير من السلف الذين كانوا يخافون من القول على الله بغير علم، ويعدون التسرع في الأحكام من أبواب الخطر، وكان من ثمرات هذا الخوف أن ينصرف المرء إلى إصلاح نفسه قبل أن ينشغل بعيوب غيره، ومن أبلغ ما يصور هذا المعنى قول الربيع بن خثيم: «ما ‌أنا ‌عن ‌نفسي ‌براض ‌فأتفرغ ‌من ‌ذمها لذم الناس، إن الناس خافوا الله على ذنوب العباد، وأمنوه على ذنوب أنفسهم»(9)، فمثل هذا الورع لا يقف عند ترك ذم الناس، بل يمتد إلى إحكام زمام النفس وضبط دوافعها؛ فالورع ليس فقط في كثرة العبادة الظاهرة، بل في القدرة على ضبط القوة الداخلية للإنسان؛ غضبه، وحماسه، ورغبته في الانتصار لرأيه.

وفي واقع الناس اليوم يظهر هذا المعنى في صور متعددة؛ فكم من إنسان هُدمت سمعته بسبب حكم متسرع، أو اتهام غير منضبط، أو تصنيف ظالم، وإذا كان كثير من هذا الأذى يبدأ من كلمة تنفلت قبل أن يزنها صاحبها، فإن تهذيب اللسان يصبح الوجه العملي لهذا الورع، ولهذا فإن تهذيب اللسان جزء من تهذيب الإيمان، وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأسود بن أصرم المحاربي ما يجسد هذا المعنى: هل تملكُ لسانَك؟ قال: فما أملكُ إذا لم أملِكْه؟! قال: فلا تقُلْ بلسانِك إلا معروفًا ولا تبسُطْ يدَك إلا إلى خيرٍ(10).

كيف تعالج القيادة الانحراف الفكري في بدايته؟

لم يكن موقف العلاء مجرد رد فعل على حادثة معينة، بل يمثل أسلوبًا قياديًا يقوم على معالجة جذور المشكلة، فالأزمات الكبرى في المجتمعات لا تبدأ غالبًا بنتائجها النهائية، وإنما تبدأ بأفكار صغيرة تتكرر حتى تصبح مألوفة، وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج حين واجه دعوى العصبية التي كادت تشعل النزاع بين المهاجرين والأنصار عند ماء المريسيع، فلم ينتظر حتى تتحول الكلمة إلى صراع، بل بادر إلى معالجة أصلها قائلًا: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» ثم قال: «‌دَعُوهَا ‌فَإِنَّهَا ‌مُنْتِنَةٌ»(11)، فبادر إلى إيقاف الدعوى في أصلها قبل أن تتسع دائرتها، في صورة واضحة من صور معالجة أسباب الخلاف قبل استفحاله.

ومن هنا تأتي أهمية القادة والمربين الذين يواجهون الانحرافات الفكرية في بدايتها، لا بعد أن تتحول إلى صراعات وسلوكيات مؤذية، وقد ظهر هذا المنهج عمليًا في موقف عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حين واجه قومًا ابتدعوا في المسجد، فلم يترك الانحراف حتى يستفحل، بل بادر إلى التحذير من أصله ومن الطريق الذي يقود إليه، فقال: «لقد جئتم ببدعة ظلمًا، ولقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا.. عليكم بالطريق فالزموه، فوالله لئن فعلتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لتضلن ضلالًا بعيدًا»(12)، فالقائد الحكيم لا يكتفي بمعالجة الظاهر، بل يبحث عن الفكرة التي أنتجت هذا الظاهر، ويردّ الأمر إلى من يملك القدرة على تقدير حقيقته ومآلاته.

وهذا المبدأ صالح في الأسرة والتعليم والعمل؛ فبيئة يغيب عنها العدل في الحكم على الآخرين قد تنتج صراعات داخلية، بينما البيئة التي تربي أبناءها على التثبت واحترام الإنسان تكون أكثر قدرة على الاستقرار.

كيف يحمي حفظ اللسان المجتمع من الانقسام؟

إن المجتمعات لا تهدم فقط بالأسلحة، بل قد تهدم حين تنتشر ثقافة التخوين والتجريم وسوء الظن، وعندما يصبح الإنسان سريعًا في إسقاط الآخرين، فإن الثقة الاجتماعية تبدأ في الانهيار، وقد نهى الله تعالى عن بعض صور الأذى اللفظي التي تفسد العلاقات بين الناس، فقال: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) (الحجرات: 11).

وإذا كان الشرع قد نهى عن الأذى اللفظي، فإنه كذلك صان مكانة المسلم وحفظ كرامته، ولهذا كان حفظ مكانة المسلم من مقاصد الشريعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ ‌الْمُسْلِمِ ‌عَلَى ‌الْمُسْلِمِ ‌حَرَامٌ ‌دَمُهُ، ‌وَمَالُهُ، ‌وَعِرْضُهُ»(13)، فحرمة الإنسان لا تقتصر على جسده وماله، بل تشمل عرضه وكرامته ومكانته بين الناس.

ولا يقف الأذى اللفظي عند الفرد، بل قد ينعكس على تماسك الجماعة؛ إذ إن انتشار السخرية والتنابز والتشهير يضعف الثقة بين الناس، ويجعل الاختلاف مدخلًا للخصومة؛ ومن هنا نفهم أن كلمة العلاء بن زياد تحمل بعدًا اجتماعيًا واسعًا؛ فهي دعوة إلى بناء مجتمع لا تتحول فيه الاختلافات إلى عداوات، ولا تُستعمل فيه الألسنة لهدم الثقة بين أفراده، وقد كشفت «حادثة الإفك» عن خطورة ذلك حين بلغ أثر الكلام أن «‌فَتَثَاوَرَ ‌الْحَيَّانِ ‌الْأَوْسُ ‌وَالْخَزْرَجُ ‌حَتَّى ‌هَمُّوا ‌أَنْ ‌يَقْتَتِلُوا»(14)، فجاء تدخل النبي صلى الله عليه وسلم ليضع حدًا للفتنة ويحفظ الجماعة.

كيف تصنع العبارة القصيرة أثرًا أخلاقيًا بالغًا؟

من خصائص كلام الحكماء أن العبارة القصيرة قد تحمل وراءها عالمًا كاملًا من المعاني، وكلمة العلاء جمعت بين التحذير الأخلاقي والتنبيه الشرعي والوعي الاجتماعي، ولعل أبلغ ما يكشف قوة هذا الإيجاز أن النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من عاقبة الكلمة الواحدة، فقال: «‌إِنَّ ‌الرَّجُلَ ‌لَيَتَكَلَّمُ ‌بِالْكَلِمَةِ ‌لَا ‌يَرَى ‌بِهَا ‌بَأْسًا، ‌يَهْوِي ‌بِهَا ‌سَبْعِينَ ‌خَرِيفًا ‌فِي ‌النَّارِ»(15)، فالكلمة التي يستهين بها صاحبها قد تجر عليه عاقبة لا يتوقعها، وهو ما يكشف عن المسؤولية الأخلاقية الكامنة وراء اللفظ.

وهذا الأسلوب البلاغي يوقظ الضمير؛ لأنه ينقل الإنسان من الاستهانة بالكلمة إلى إدراك آثارها، ومن هذا الباب تأتي كلمة العلاء، إذ اختصر في عبارة وجيزة تحذيرًا شديدًا من تجاوز حدود القول إلى الاعتداء على حرمة المسلم.

ولم يكن هذا اللون من الإيجاز الإنذاري مجرد معنى نظري، بل ظهر في مواقف السلف حين كانوا يواجهون الخطأ بكلمات قليلة تحمل من التحذير ما يغني عن الإطالة؛ ومن ذلك موقف عائذ بن عمرو رضي الله عنه حين دخل على عبيد الله بن زياد، فقال له: «‌إِنَّ ‌شَرَّ ‌الرِّعَاءِ ‌الْحُطَمَةُ، ‌فَإِيَّاكَ ‌أَنْ ‌تَكُونَ ‌مِنْهُمْ»(16)، ففي كلمات معدودة جمع بين تقرير الخطر والتحذير من الوقوع فيه، فجاء الإيجاز هنا أشد وقعًا من الإطناب؛ لأن العبارة القصيرة وضعت المخاطَب مباشرة أمام عاقبة ما قد يصير إليه.

وهكذا قد تكون الكلمة قصيرة في مبناها، لكنها بعيدة الأثر في مداها؛ إذ قد تستقر في النفس فتترك جرحًا لا تمحوه سرعة انقضاء الموقف، وهو المعنى الذي صوّره الشعراء في قولهم: جِراحاتُ السِّنانِ لَها التئامٌ     ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللِّسانُ(17)

فإذا كانت الكلمة قد تُلقى في لحظة، فإن أثرها قد يبقى طويلًا؛ ولهذا جاء البيت شاهدًا أدبيًا على بقاء أثر القول بعد انقضاء لحظة صدوره.

كيف نطبق الإنصاف الشرعي مع المخالفين اليوم؟

لا يقتصر معنى أثر العلاء على الأحكام المتعلقة بالإيمان والكفر، بل يمكن أن نستفيد منه في صور متعددة من الحياة الحديثة؛ في بيئات العمل حين يتحول النقد إلى تشويه، وفي الإعلام حين تتحول المخالفة إلى إسقاط للآخر، وفي العلاقات الاجتماعية حين يصبح سوء الظن بديلًا عن التثبت، وهنا تظهر الحاجة إلى ثقافة تفرق بين نقد الفعل والحكم على الإنسان، وبين مناقشة الخطأ وإلغاء صاحبه.

وهذا التفريق لا يستقيم ما لم يتحرر الحكم من كل مؤثر يجرّه عن ميزان العدل، وفي مقدمة ذلك الخصومة والانفعال؛ ومن أجل ذلك قرر القرآن هذا الأصل بأبلغ بيان، فقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8)، فجاء الأمر بالعدل عقب النهي عن أن تحمل الخصومة على الجور، ليقرر أن اختلافنا مع الإنسان أو استنكارنا لفعله لا يسقط حقه في الإنصاف؛ ومن هنا فالإنصاف لا يعني قبول كل قول، لكنه يعني أن يكون الحكم قائمًا على العلم والعدل لا على الغضب والانفعال.

وقد ظهر هذا المبدأ في السنة النبوية بصورة عملية بالغة الدلالة، حين وقع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في خطأ عظيم، فلم يتحول خطؤه إلى ذريعة لإلغاء شخصه أو إسقاط فضله، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق، ‌ولا ‌تَقُولُوا ‌لَهُ ‌إِلَّا ‌خَيْرًا»(18)، ففرّق بين خطأ الفعل وقيمة الإنسان المؤمن، وهو منهج يظل صالحًا في التعامل مع أخطاء الناس واختلافاتهم في واقعنا المعاصر.

وهكذا يصبح أثر العلاء دعوة إلى ميزان أخلاقي يحكم تعامل الإنسان مع غيره؛ أن ينكر الخطأ دون أن يظلم صاحبه، وأن يختلف دون أن يسقط حق المخالف في الكرامة والإنصاف.

قوة الإنسان في القدرة على العدل

يبقى أثر العلاء بن زياد شاهدًا على وعي مبكر بخطورة الكلمات التي تمس أصول الانتماء والكرامة الإنسانية، فقد أدرك هذا التابعي أن الأحكام الجائرة قد تبدأ في صورة قول، ثم تستقر في النفوس حتى يصبح تجاوز حرمة الآخرين أمرًا مألوفًا.

ولهذا، فإن أعظم ما يخرج به القارئ من هذا الموقف هو أن قوة الإنسان ليست في سرعة الحكم، بل في القدرة على العدل، وأن الورع الحقيقي يظهر حين يملك المرء القدرة على القول ثم يختار الصمت أو التثبت خوفًا من ظلم عبد من عباد الله، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ‌كَانَ ‌يُؤْمِنُ ‌بِاللهِ ‌وَالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ ‌فَلْيَقُلْ ‌خَيْرًا ‌أَوْ ‌لِيَصْمُتْ»(19).

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 204). شرح النص: «شهدت» أدّيتَ شهادةً وحكمتَ على مسلمٍ بالكفر، و«ما يضرك» جاءت على سبيل الاستنكار بمعنى: ما الذي يحملك على الإقدام على هذا القول الخطير؟ ومعنى الأثر: التحذير من التسرع في التكفير، وبيان عِظم حرمته؛ إذ قرن العلاء الشهادة على المسلم بالكفر بالقتل، تنبيهًا إلى خطورة انتهاك حرمته.
  • 2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبدالرحمن السعدي (194).
  • 3 أخرجه البخاري (7189).
  • 4 أخرجه البخاري (6104)، ومسلم (60) باختلاف يسير.
  • 5 أخرجه البخاري (6105).
  • 6 شرح صحيح البخاري: ابن بطال (6/ 104).
  • 7 أخرجه البخاري (9/ 16).
  • 8 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبدالرحمن السعدي (688).
  • 9 أنساب الأشراف: البلاذري (11/ 304).
  • 10 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1/ 281) (820)، والبيهقي في شعب الإيمان (4583) باختلاف يسير.
  • 11 أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584) باختلاف يسير.
  • 12 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (4/ 381).
  • 13 أخرجه مسلم (2564).
  • 14 أخرجه البخاري (4750).
  • 15 أخرجه أحمد بسند حسن (7215).
  • 16 أخرجه مسلم (1830). شرح الحديث: الرعاء: هم ولاة الأمور ومن أُسند إليهم شيء من شؤون المسلمين، الحطمة: الوالي الظالم العنيف الذي يعامل رعيته بالقسوة والعسف ويؤذيهم، المعنى العام: يحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من القيادة القائمة على الظلم والقهر، ويبيّن أن شرَّ الولاة من غلبت عليه القسوة وأساء إلى رعيته.
  • 17 فصل المقال في شرح كتاب الأمثال: أبو عبيد الأندلسي (24).
  • 18 أخرجه البخاري (3983).
  • 19 أخرجه البخاري (6475)، ومسلم (74).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة