حسن الخاتمة.. هل تستحقها؟
المسلم
في دنياه يعيش كعابر سبيل، لا يبالي بزينتها، ولا يلتفت لمتاعها، ولا يغره نعيمها،
لأنه علم حقيقتها، ووضع نصب عينيه الهدف الذي خلقه لأجله المولى سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
(الذاريات:56)، كل همه الآخرة، لا ينفك عقله عن التفكير في الجنة ونعيمها،
حاملًا فوق ظهره العدة والمتاع، لا لأجل دنياه، بل انتظارًا للحظة الوداع، عدته
الطاعة، ومتاعه العمل، أول رجائه حسن الخاتمة، أن يرحل عن الدنيا مطمئنا، في سلام،
أن تتنزل عليه الملائكة عند موته تبشره بنعيم الله، أن تُسكب على قلبه الصبر، لأنه
آمن بكتاب الله، وسعى لهذا الموقف، وتخللت قلبه هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30).
حسن الخاتمة ما هو؟
المقصود
بحسن الخاتمة هو أن يُقبض الإنسان أو يموت على طاعة أو عمل يحب أن يلقى الله سبحانه
وتعالى عليه، فتكون بشرى له، فيستريح ويطمئن لما هو قادم، وبذلك يكون موته بداية
للرحمة والمغفرة والفوز بالجنان، لا للعذاب والخسران ودخول النيران، والنبي صلى
الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالخواتيم» (رواه البخاري)، فإذا اُختتمت بخير،
كانت كلها خير، وإن اُختتمت بشر كانت كلها شر، ولذا كان ﷺ يصوم شهر شعبان لأن
أعمال العام ترفع فيه، وكان يقول ﷺ: «أحب أن يرفع عملي وأنا صائم»، كما كان يصوم
الاثنين والخميس من كل أسبوع لأن أعمال الأسبوع ترفع فيهما كما ثبت في صحيح مسلم،
وهذا يحثنا على العمل والجد والعبادة، التماسًا لخاتمة حسنة ترضينا ونرضي بها الله
سبحانه وتعالى.
انظر أيضًا: 6 فضائل لسقي الماء
حسن الخاتمة حقيقة لا جدال فيها
حسن
الخاتمة من الحقائق الشرعية الثابتة، لا جدال فيها ولا خلاف عليها، وليست من سبيل
الأمنيات العشوائية، أو الشعارات التحفيزية كما يعتقد البعض، ومن أدلة حسن الخاتمة
قول المولى سبحانه وتعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم
– 27)، فالله سبحانه وتعالى يثبت المؤمنين بالقول الثابت والعمل الصالح
الطيب ليموتوا عليه في دنياهم، ويبعثوا عليه في آخرتهم، وهذا دليل على محبة الله
سبحانه وتعالى، وأنه يريد الخير لهذه الفئة على وجه التحديد كما بين لنا النبي ﷺ،
فعن أبي عنبة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرًا عسّله،
قيل: وما عسله؟ قال: يفتح الله عز وجل له عملا صالحًا قبل موته ثم يقبضه عليه»،
فحسن الخاتمة حقيقة لا جدال فيها، ومن غير المقبول أن يظن البعض أن حسن الخاتمة
يُنال صدفة دون سعي.
انظر أيضُا: وأحاطت به خطيئته
حسن الخاتمة اجتهاد وعمل
إن
رحمة الله سبحانه وتعالى واسعة، لكن حسن الخاتمة يستلزم اجتهادا مستمرا لا يتوقف،
لأنك لا تدري متى ستلقى الله سبحانه وتعالى، ربما ستلقاه في اللحظة التي تكاسلت
فيها، أو أردت أن تعصيه فيها (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان:34)، فالاجتهاد الدائم يجعلك أكثر عرضة
لحسن الخاتمة، لأنك ما انشغلت إلا بالخير والطاعة، فحريّ بك أن تلقى الله سبحانه
وتعالى على عملك الصالح الذي قُبضت عليه، فعن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: «يُبْعَثُ كلُّ عبدٍ في القبرِ على ما ماتَ، المؤمنُ على
إِيمانِهِ، والمُنافِقُ على نِفَاقِهِ»، فاحذر أن تراك الملائكة على معصية، فيختم
لك بها، ثم تلقى الله عليها، واجتهد بالأعمال التي تحب أن تموت عليها، فمن عاش على
شيء مات عليه.
كيف تموت على حسن الخاتمة؟
ما
أجمل أن يختم المرء فصول حياته ويطوي كتابه على طاعة الله سبحانه وتعالى، وما أجمل
أن يوفّق لحسن خاتمة، تلك التي لا يلقاها إلا الذين صبروا وذوي الحظ العظيم،
وحينما نسمع أن فلانًا مات ساجدًا، وهذا مات صائمًا، وذاك مات ملبيًا، وآخر مات
شهيدًا، تبكي الدموع حبًا وشوقًا ورجاءً لهذا الشرف الكبير، والأجر العظيم الذي لا
يناله إلا الصادقون، الذين أحبوا لقاء الله فأحب الله لقاءهم، هؤلاء الذين جددوا
توبتهم كل يوم، واتخذوا أعمالهم الصالحة زادًا ومتاعًا، متبعين سنة نبيهم صلى الله
عليه وسلم، دون غفلة عن آخرتهم، أو تقصير في دنياهم، هذا دربهم لمن أراد أن يسلكه،
طريق قصير وإن طال، يسير وإن صعب، درب موصل لحياة لا شقاء فيها، ولا موت، حياة
بدأت بالبعث على الأعمال الصالحة، فما أحسنها خاتمة، وما أروعها بداية، أفلا
تستحقها؟
وما
أعددت لها؟
انظر أيضًا: المؤمنون حقاً.. صفاتهم وجزاؤهم
____________________________________
عائض بن
عبدالله القرني، سياط القلوب.
جلال
الدين السيوطي، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة.
علاء
نعمان، عند لقاء الملك جل جلاله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً