حكاية العدو المتمكن وسر سورة الفيل

سعد الحسن

26 يوليو 2026

445

حكاية العدو المتمكن وسر سورة الفيل
يُحكى أن رجلا كانت بينه وبين رجل متمكِّن من أذاه عداوةٌ، فخافه خوفاً شديداً، وأَهَمَّه أمرُه، ولم يدرِ ما يصنع. فرأى في منامه، كأن قائلاً يقول له: اقرأ في كل يوم، في إحدى ركعتي صلاة الفجر، (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) إلى آخر السورة.
قال: فقرأتها، فما مضت إلا شهورٌ، حتى كُفيت أمرَ ذلك العدو، وأهلكه الله تعالى، فأنا أقرؤها إلى الآن.
وحكي التنوخي صاحب كتاب الفرج بعد الشدة عن نفسه قال: دُفِعْتُ أنا إلى شِدَّةٍ لحقتني شديدة، من عدو، فاستترت منه، فجعلت دأبي قراءة هذه السورة في الركعة الثانية من صلاة الفجر، في كل يوم، وأنا أقرأ في الأولة منها: "ألم نشرح لك صدرك" إلى آخر السورة، لخبر كان بلغني أيضاً فيها، فلما كان بعد شهور، كفاني الله أمر ذلك العدو، وأهلكه الله من غير سعي لي في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا أقرؤها في ركعتي الفجر إلى الآن. (الفرج بعد الشدة).

بيان وفوائد:

تكشف هذه الحكاية عن جانب عميق من علاقة المؤمن بربه عند اشتداد الكرب واستفحال الخطر؛ فالإنسان قد يجد نفسه في مواجهة خصم يملك من القوة والنفوذ ما يعجز معه عن دفع الأذى بالأسباب الظاهرة، فيتحول قلبه إلى السماء، مستعيناً بالله، مستمسكاً بكلامه، مؤمناً بأن القوة الحقيقية ليست فيما يملكه الناس، وإنما فيما يقدره الله.
ومن أبرز ما تعلمنا إياه القصة أن الثقة بالله لا تعني ترك الأسباب، وإنما تعني تقديم التوكل عليه مع الأخذ بما يستطيع الإنسان من وسائل مشروعة. فالخائف من عدوه لم يندفع إلى الانتقام، ولم يغامر بما يزيد بلاءه، وإنما لجأ إلى عبادة ثابتة، وجعل القرآن رفيقاً يومياً، حتى جاء الفرج من حيث لا يحتسب.
كما تؤكد الحكاية أن المداومة على الطاعة من أعظم أسباب تفريج الكروب؛ فالنتيجة لم تكن وليدة يوم أو يومين، بل جاءت بعد شهور من المواظبة، مما يرسخ قيمة الصبر والثبات، ويبين أن إجابة الدعاء وظهور آثار العبادة قد تتأخر لحكمة يعلمها الله، فلا ينبغي للمؤمن أن يستعجل.
وتبرز القصة أيضاً القيمة الرمزية لسورة الفيل؛ فهي سورة تذكّر بأن الله أهلك قوةً جبارة جاءت بفيلها وجيشها لتعتدي على بيته الحرام، فانتهت إلى هزيمة ساحقة بوسائل لم تخطر ببال أحد. واستحضار هذا المعنى يغرس في القلب اليقين بأن أعظم القوى لا تساوي شيئاً إذا أراد الله إبطالها، وأن الظالم مهما اشتد سلطانه يبقى أضعف من قدرة الله وعدله.
ومن الدروس المهمة أن القرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب تثبيت وبعث للأمل؛ فالارتباط اليومي بآياته يمنح النفس سكينة، ويخفف وطأة الخوف، ويعيد ترتيب الأولويات، فيتحول القلب من الانشغال بالعدو إلى الانشغال برب العدو ورب العالمين.
كما تلفت الحكاية النظر إلى أن النصر الحقيقي قد يأتي من غير مواجهة مباشرة؛ فقد ذكر التنوخي أن عدوه هلك "من غير سعي لي في ذلك"، وهي إشارة إلى أن الله قد يصرف الشر عن عبده بطرق لا يتوقعها، وأن كثرة التدبير البشري ليست دائماً هي الطريق الوحيد إلى النجاة.
وتؤكد القصة كذلك أن تجارب الصالحين تبعث الأمل ولا تُنشئ أحكاماً شرعية خاصة؛ فهذه الحكاية تحكي تجربة شخصية في المواظبة على قراءة سورة الفيل وسورة الشرح في صلاة الفجر، وهي تدل على أثر حسن الظن بالله والالتجاء إليه، لكنها لا تثبت فضيلة مخصوصة لهذه الكيفية إلا بدليل صحيح من السنة النبوية. ومن هنا ينبغي أن يُفهم المقصود باعتباره تجربة إيمانية لا تشريعاً عاماً.
وأخيراً، فإن أعظم ما تتركه هذه الحكاية في النفس هو أن المؤمن لا يقيس الأمور بميزان القوة المادية وحدها؛ فقد يخيفه الواقع، لكنه لا يفقد الأمل، لأنه يعلم أن تدبير الله فوق كل تدبير، وأن الفرج قد يتأخر لكنه لا يغيب عن قلبٍ أحسن التوكل، وأدام العبادة، وصدق اللجوء إلى الله. وهكذا تتحول المحنة من مصدر يأس إلى باب يقين، ويصبح القرآن رفيقاً في الشدة كما هو رفيق في الرخاء.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة