حياة المسلم.. بين استثمار الحاضر ورفض التسويف

حياة المسلم.. بين استثمار الحاضر ورفض التسويف

كثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة في حياته، ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة، كتحسن في حالته، أو تحول في مكانته وقد يقرنها بموسم معين، أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد، أو غرة عام مثلاً وهو في هذا التسويف يشعر بأن رافدًا من روافد القوة المرموقة قد يجيء مع هذا الموعد، فينشطه بعد خمول ويُمَنِّيه بعد إياس، وهذا وهم، فإنَّ تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس.

والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت، ولا تصرّفه وفق هواها، إنَّه هو الذي يستفيد منها، ويحتفظ بخصائصه أمامها، كبذور الأزهار التي تُطمر تحت أكوام السَّبَخ، ثم هي تشق الطريق إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة! لقد حولت الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح.

كذلك الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته، واحتفظ بحرية الحركة لقاء ما يواجه من شؤون كريهة، إنه يقدر على فعل الكثير دون انتظار أمداد خارجية تساعده على ما يريد، إنه بقواه الكامنة، وملكاته المدفونة فيه، والفرص المحدودة، أو التافهة المتاحة له يستطيع أن يبني حياته من جديد لا مكان لتريث.

إنَّ الزمن قد يفد بعون يشدُّ به أعصاب السائرين في طريق الحق، أَمَّا أَنْ يَهَب المقعد طاقةً على الخطو أو الجري، فذاك مستحيل لا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب، فإنَّ هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير.

 

إذا هـبَّت رياحك فاغتنمها.. فما تدري السكون متى يكون! |  Mugtama
إذا هـبَّت رياحك فاغتنمها.. فما تدري السكون متى يكون! | Mugtama
إذا هَـبَّتْ رياحُك فاغتنمْها   &nb...
mugtama.com
×


الحاضر القريب الماثل بين يديك، ونفسك هذه التي بين جنبيك، والظروف الباسمة أو الكالحة التي تلتف حواليك، هي وحدها الدعائم التي يتمخض عنها مستقبلك.

فلا مكان لإبطاء أو انتظار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل»، ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهاج تجدد بـه حـيـاتـك، وتصلح به أعـمـالك لا يعني إلا إطالة الفترة الكابية التي تبغي الخلاص منها، وبقاءك مهزوماً أمام نوازع الهوى والتفريط، بل قد يكون ذلك طريقًا إلى انحدار أشدّ، وهنا الطامة.

وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أنَّ كل عامل سيقدم على عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها».

والليل والنهار مطيّتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف، فإنَّ الموت يأتي بغتة، ولا يغترنَّ أحدكم بحلم الله عز وجل، فإنَّ الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة).

ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات ناقدة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهنات التي تُزرى به في كل بضعة أيام أنظر إلى أدراج مكتبي لأذهب الفوضى التي حلت به من قصاصات متناثرة، وسجلات مبعثرة، وأوراق أدّت الغرض منها!

يجب أن أرتب كل شيء في وضعه الصحيح، وأن يستقر في سلة المهملات ما لا معنى للاحتفاظ به.

وفي البيت، إنَّ غُرفه وصالاته تصبح مشعثة مرتبكة عقب أعمال يوم كامل، فإذا الأيدي الدائبة تجول هنا وهناك لتنظف الأثاث المغبر، وتطرد القمامة الزائدة، وتعيد إلى كل شيء رواءه ونظامه.

ألا تستحق حياة الإنسان مثل هذا الجهد؟ ألا تستحق نفسك أن تتعهد شؤونها بين الحين والحين لترى ما عراها من اضطراب فتزيله، وما لحقها من إثم فتنفيه عنها مثلما تُنفى القمامة عن الساحات الطهور؟!

ألا تستحق النفس بعد كل مرحلة تقطعها من الحياة أن نعيد النظر فيما أصابها من غنم أو غُرْم؟ وأن ترجع إليها توازنها واعتدالها كلما رجتها الأزمات، وهزها العراك الدائب على ظهر الأرض في تلك الدنيا المائجة؟


قراءة في كتاب «الوقت في حياة المسلم» للدكتور يوسف ‏القرضاوي |  Mugtama

قراءة في كتاب «الوقت في حياة المسلم» للدكتور يوسف ‏القرضاوي | Mugtama
يعد كتاب «الوقت في حياة المسلم» للدكتور يوسف القرض...
mugtama.com
×


إنَّ الإنسان أحوج الخلائق إلى التنقيب في أرجاء نفسه وتعهد حياته الخاصة والعامة بما يصونها من العلل والتفكك.

ذلك أن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الاحتكاك بصنوف الشهوات وضروب المغريات، فإذا تُرك لعوامل الهدم تنال منه، فهي آتية عليه لا محالة، وعندئذ تنفرط المشاعر العاطفية والعقلية كما تنفرط حبات العقد إذا انقطع سلكه، وهذا شأن (مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف: 28)، كما يقول الله عز وجل، وكلمة «فُرُط» هذه ينبغي أن نتأمل فيها.

فالعامة عندنا يسمون حبات العنب الساقطة من عنقودها أو حبات البلح الساقطة من عُرْجونها «فرطًا»، وانتزاع حبات الأذرة من كيزانها المتراصة تمهيدًا لطحنها تُشتق تسميته من المادة نفسها.

والنفس الإنسانية إذا تقطعت أواصرها، ولم يربطها نظام يُنسق شؤونها ويركز قواها؛ أصبحت مشاعرها وأفكارها كهذه الحبّات المنفرطة السائبة لا خير فيها ولا حركة لها.

ومِنْ ثَمَّ نرى ضرورة العمل الدائم لتنظيم النفس وإحكام الرقابة عليها والله عز وجل يُهيب بالبشر -قبيل كل صباح– أن يُجددوا حياتهم مع كل نهار مقبل، فبعد أن يستريح الأنام من عناء الأمس الذاهب، وعندما يتحركون في فُرشهم ليواجهوا مع تحرك الفَلَك يومهم الجديد.

في هذه الآونة الفاصلة تستطيع أن تسأل: كم تعثر العالم في سيره؟ كم مال مع الأثرة؟ كم اقترف من دَنِيَّة؟ كم أضـلتـه حـيرتـه فـبـات محتاجًا إلى المحبة والحنان؟

في هذه اللحظة يستطيع كل امرئ أن يجدد حياته، وأن يعيد بناء نفسه على أشعة من الأمل والتوفيق واليقظة، إنَّ صوت الحق يهتف في كل مكان ليهتدي الحائرون ويتجدد البالون.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيُعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟ حتى ينفجر الفجر»، وفي رواية: «أقرب ما يكون العبد من الرب في جَوْف الليل»، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن.

إنها لحظة إدبار الليل وإقبال النهار، وعلى أطلال الماضي القريب أو البعيد يمكنك أن تنهض لتبني مستقبلك ولا تؤودنَّك كثرة الخطايا، فلو كانت رُكامًا أسود كزبد البحر ما بالى الله عز وجل بالتعفية عليها إن أنت اتجهت إليه قصدًا وانطلقت إليه ركضًا.

إن الكنود القديم لا يجوز أن يكون عائقا أمام أوبة صادقة.





______________________

المصدر: كتاب «جدد حياتك»، الشيخ محمد الغزالي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة