اغتيال حياء الفتاة على يد الموضة و«السوشيال ميديا»!
تستيقظ كل صباح
على نداءٍ واحد؛ الهاتف، لا لتبدأ يومها، بل لتتفقد ذلك الحُكم الصامت الذي يصدره
الناس عنها في هيئة إعجابات وتعليقات، شيئًا فشيئًا، لم تعد ترى نفسها كما هي، بل
كما تريدها العيون أن تكون؛ جميلة أكثر مما يلزم، خفيفة أكثر مما ينبغي، وحاضرة
دائمًا لتُعرض لا لتعيش.
ومع هذا التعلق
الخفي ببريق الشاشة، بدأت تتنازل ببطء عن أحلامها القديمة؛ عن العلم الذي كانت
تريد أن تتوسع فيه، وعن التطوير الذي كان يمكن أن يصنع منها امرأة أقوى وأعمق، أجلت
القراءة، وضيّعت فرص التعلّم، وأخرت خطواتها نحو ذاتها، حتى صار كل شيء فيها
قابلًا للتسويق، وكأن روحها تُستنزف في سباقٍ لا نهاية له نحو قبولٍ سريع، لا يترك
خلفه إلا فراغًا أكبر.
هذه القصة نموذج
مصغر لما يحدث للعديد من الفتيات اللاتي انزلقن في مستنقع فقدان الحياء مع بريق
وسائل التواصل الاجتماعي.
فلم يعد أخطر ما
يواجه فتيات هذا العصر الفقر أو المرض، بل ذلك التحول الهادئ الذي يجعل الإنسان
يبتعد عن نفسه دون أن يشعر، أن تظن الفتاة أن معركتها الحقيقية مع لون بشرتها، أو
شكل ملابسها، أو عدد الإعجابات التي حصدتها صورتها الأخيرة، بينما كانت معركتها
الحقيقية منذ البداية هي أن تبني نفسها، وتحفظ قيمها، وتدرك رسالتها في هذه
الحياة.
لقد أصبحت بعض
الفتيات أسيرات لصورة مثالية لا تصنعها أيديهن، وإنما تصنعها خوارزميات إلكترونية
تعرف جيداً كيف تُبقي الإنسان مشغولاً بما ينقصه، لا بما يملكه، فالفتاة التي كانت
تسأل نفسها قديماً: ماذا سأتعلم؟ وماذا سأضيف إلى الحياة؟ وكيف أكون إنسانة نافعة
لمجتمعي وأسرتي؟ أصبحت تسأل نفسها سؤالاً مختلفاً تماماً: كيف أصبح أكثر قبولاً؟
وكيف أحصل على مزيد من الإعجابات؟ وكيف أبدو أكثر شبهاً بما أراه على الشاشات؟
تهديد للحياة الاجتماعية
في 25 أبريل
2024م، حذرت أودري أزولاي، المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم
والثقافة (يونسكو)، خلال الإعلان عن تقرير «Technology on Her Terms» الصادر عن تقرير الرصد العالمي للتعليم (GEM Report)، من أن الحياة الاجتماعية للأطفال أصبحت تجري بصورة متزايدة عبر
وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن المنصات القائمة على الخوارزميات تضخم في كثير
من الأحيان التعرض للصور النمطية السلبية المتعلقة بالفتيات والنساء، وأن وسائل
التواصل لا ينبغي أن تحصر النساء والفتيات في أدوار تحد من تطلعاتهن التعليمية
والوظيفية.
لم يأت هذا
التحذير من فراغ، فقد كشف التقرير نفسه عن أن المحتوى القائم على الصور
والخوارزميات، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يعرض الفتيات لمواد
تتراوح بين المحتوى الجنسي ومقاطع الفيديو التي تمجد السلوكيات غير الصحية أو تروج
لمعايير جسدية غير واقعية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تقدير الفتيات لذواتهن
وصحتهن النفسية، ويؤثر بالتبعية في مسيرتهن التعليمية والاجتماعية.
ولعل أكثر
الأرقام إثارة للقلق ما أورده التقرير ذاته استناداً إلى الأبحاث الداخلية التي
أجرتها شركة «ميتا» المالكة لتطبيق «إنستجرام»، التي كشفت أن 32% من الفتيات
المراهقات اللاتي كن يشعرن بعدم الرضا عن أجسادهن أكدن أن «إنستجرام» جعلهن يشعرن
بصورة أسوأ تجاه أجسادهن.
قلق واكتئاب
وفي مقال تحليلي
نُشر في 25 أبريل 2024م بعنوان «Technology on Her Terms»، أكدت آنا
كريستينا داديّو، المسؤولة الموضوعية بتقرير الرصد العالمي للتعليم في «يونسكو»،
أن الفتيات أكثر عرضة لبعض الأخطار الرقمية التي قد تؤدي إلى انخفاض تقدير الذات،
والقلق، والاكتئاب.
تقدم قصة ناتالي
سلّوم مثالًا صارخًا على هذا التحول، فقد بدأت ناتالي وهي في السابعة عشرة من
عمرها بمقطع بسيط لتعليم وضع مساحيق التجميل، لكنها فوجئت بانفجار التفاعل مع
الفيديو، ثم وجدت نفسها خلال فترة قصيرة تدخل عالم الشهرة الرقمية من أوسع أبوابه،
حتى جمعت أكثر من 600 ألف متابع على «إنستجرام» ونصف مليون على «يوتيوب»، وما بدا
في البداية نجاحًا خفيفًا ومشجعًا، تحوّل تدريجيًا إلى نمط حياة كامل، إلى درجة
أنها وصفت الأمر بأنه صار بمثابة عمل بدوام كامل.
هنا تبدأ القصة
الحقيقية لا مع الفيديو الأول، بل مع ما بعده، فالشابة التي كانت ترى في اهتمام
الناس بها مكافأة جميلة، بدأت شيئًا فشيئًا تتعامل مع حياتها باعتبارها مادة للنشر
لا مساحة للعيش، ولم تعد الأغراض التي تشتريها لنفسها تُختار لأنّها تناسبها هي،
بل لأنها قد تصلح لتصبح محتوى جذابًا على الشاشة، حتى صار القرار الشخصي تابعًا
لحسابات الصورة، لا لحاجات النفس.
فلاتر الجمال المثالي
هذا المعنى ليس
حالة فردية شاذة، بل ينسجم مع تحذيرات علمية ونفسية من أن المراهقات أصبحن أكثر
عرضة للقلق وانخفاض الثقة بالنفس بسبب المقارنة المستمرة، والسعي وراء القبول
الرقمي، وبناء هوية تتغذى على عدد الإعجابات والتعليقات بدل بناء الشخصية من
الداخل، وأن الخوارزميات والفلاتر وصور الجمال المثالي ترفع سقف التوقعات بشكل غير
واقعي؛ ما يدفع بعض الفتيات إلى الشعور بالنقص أو الفشل أو عدم الرضا عن الجسد
والذات.
د. هدى
القحطاني، أستاذة علم الاجتماع والمتخصصة في دراسات الأسرة والهوية الرقمية، ترى
أن هذا التحول في حياة «فتيات السوشيال» مرض العصر الخفي؛ وهو تحويل الذات
الإنسانية إلى سلعة رقمية.
وتوضح القحطاني
لـ«المجتمع» أن الخطر لا يقتصر على ظاهرة «غرف المرايا» التي تجعل الفتاة تقارن
نفسها بصورٍ معدلة رقمياً، بل يمتد إلى ما هو أعمق؛ استبدال الهوية الرقمية بالهوية
الداخلية.
وتشرح ذلك
قائلة: في علم الاجتماع، كنا نتحدث عن الذات كجوهر ثابت يُبنى عبر التفاعل
الاجتماعي المباشر، لكن اليوم، ومع الخوارزميات المصممة لخلق شعور دائم بالنقص،
أصبحت الذات لدى كثير من الفتيات مشروعاً قابلاً للتعديل حسب رغبة المتابعين،
وكأنها قطعة من البرمجيات تُحدث يومياً بناءً على تحديثات الجمهور.
وتضيف أن خطورة
هذه المرحلة أنها تأتي في عمر حرج (المراهقة)، حيث تتشكل الشخصية، وحينها تصبح
المنصة المعلم الأول، والمعيار الأوحد للقيمة؛ ما ينتج عنه جيل يعاني أزمة هوية
جماعية، حيث تتلاشى الأسئلة الوجودية الكبرى مثل «من أنا؟»، و«ماذا أريد؟»، ليحل
محلها سؤال واحد: «كيف أبدو مقبولة؟».
استعادة الحياء
د. يوسف
الغامدي، أستاذ العقيدة والأخلاق بجامعة الأزهر الشريف، يرى الحل في توجيه دعوة
لاستعادة الحياء كقيمة كونية، وليس مجرد سلوك أخلاقي.
ويؤكد الغامدي،
في حديثه لـ«المجتمع»، أن الحياء ليس انسحاباً من الحياة، بل هو سياج الكرامة
الإنسانية، وهو ما يمنح الفتاة القوة الداخلية لتقف في وجه تيارات الاستهلاك، ويستشهد
بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل دين خُلقاً، وخُلق الإسلام الحياء»، ليبين أن
الحياء ليس ترفاً أخلاقياً، وإنما هو جوهر الرسالة المحمدية، وهو الذي يحمي النفس
من أن تتحول إلى مجرد مادة للعرض والاستهلاك.
ويضيف: ما يحدث
اليوم انقلاب في الموازين، حيث أصبحت عبودية الصورة الدين الجديد، والمعبود عدد
الإعجابات، والخطر الأكبر أن تتحول الفتاة إلى مُعلنٍ عن حياتها الخاصة، متجاوزة
حدود الستر التي شرعها الله لحمايتها، فالمرأة في الإسلام درة مصونة، وليست سلعة
معروضة في نافذة إلكترونية.
ويختم رأيه
بالقول: إن استعادة الحياء تعني استعادة السيادة على الذات، وهي الطريق الوحيد
لتحقيق الحرية الحقيقية من استعباد الخوارزميات، وإن الصورة التي تبقى هي الصورة
عند الله تعالى، التي تُبنى بالعلم، والخلق، والعمل الصالح، لا بتعديلات الفلاتر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً