حين تتحول السياسة إلى «محاكم تفتيش»!

‏في كل مرة تتصاعد فيها الأحداث في المنطقة يخرج علينا من يختزل المشهد المعقد في معادلة بسيطة وسطحية: أنتم ناصرتم غزة، وغزة تقف خلفها «حماس»، و«حماس» مدعومة من إيران، إذن أنتم تقفون مع إيران حتى لو قصفت الخليج.

‏هكذا تُصاغ الفكرة، وكأن السياسة في منطقتنا مجرد خط مستقيم بلا تعقيد، وكأن الضمائر تُدار بريموت كنترول إقليمي!

‏المشكلة في هذا الطرح أنه لا يحاول فهم الواقع بقدر ما يحاول توظيفه، فهو يقفز فوق حقائق كثيرة ليصل إلى نتيجة يريدها مسبقاً؛ وأول هذه الحقائق أن نصرة غزة لم تكن يوماً حكراً على تيار بعينه ولا مرتبطة تنظيمياً بحركة محددة؛ حيث ‏غزة بالنسبة لكثير من الناس قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية، وأرض يعيش عليها شعب محاصَر يتعرض للحروب المتكررة منذ سنوات طويلة، وحتى التقارير الدولية تتحدث باستمرار عن الأوضاع الإنسانية الصعبة في القطاع وعن ملايين المدنيين الذين يعيشون تحت الحصار والدمار.

‏لكن البعض يصر على تحويل التعاطف مع المدنيين إلى تهمة سياسية جاهزة، فإذا قلت: إن قتل الأبرياء مرفوض؛ قيل لك: إنك تبرر لـ«حماس»، وإذا قلت: إن القضية الفلسطينية قضية عادلة؛ قيل لك: إنك تقف في صف إيران.

‏وهنا تظهر أولى المغالطات؛ مغالطة الذنب بالارتباط، فليس كل من تعاطف مع شعب فلسطين مؤيداً لـ«حماس»، وليس كل من اختلف مع سياسات «إسرائيل» متبنياً للمشروع الإيراني؛ هذه قفزة منطقية كبيرة لا تستند إلى دليل بقدر ما تستند إلى رغبة في التشويه.

‏ثم إن العلاقات في المنطقة نفسها أكثر تعقيداً من هذه الصورة الكرتونية، حتى العلاقة بين «حماس» وإيران لم تكن ثابتة كما يُصوَّر، فقد شهدت فترات توتر وخلاف خصوصاً بعد اندلاع الحرب في سورية عندما تباينت المواقف بين الطرفين قبل أن تعود العلاقة للتقارب لاحقاً، وهذا وحده يكشف أن اختزال كل القضية في معادلة «حماس = إيران = كل من ناصر غزة» ليس تحليلاً سياسياً، وإنما تبسيط دعائي.

‏الأغرب من ذلك أن أصحاب هذا الطرح يضعون الناس أمام خيارين لا ثالث لهما؛ ‏إما أن تكون ضد غزة وضد «حماس» وضد أي حديث عن فلسطين، وإما أن تُصنف فوراً في معسكر إيران، وهذه مغالطة أخرى معروفة في الجدل السياسي تسمى «الخيار الزائف»، فالإنسان يمكن أن يكون في الوقت نفسه مع فلسطين وضد قتل المدنيين هناك، وضد أي اعتداء على دول الخليج، وضد المشروع الإيراني في المنطقة، ولا تناقض في ذلك، بل التناقض الحقيقي هو أن تُطلب من الناس مواقف انتقائية حسب المزاج السياسي.

‏ولأن الحقيقة أبسط مما يُراد لها، فإن المواقف الأخلاقية لا تُقاس بالتحالفات السياسية بقدر ما تُقاس بالمبدأ، فمن يرفض قتل المدنيين في غزة سيرفض أيضاً أي اعتداء على الكويت أو الخليج، ومن يرى أن الاحتلال ظلم سيقول: إن قصف المدن ظلم كذلك، فالمبدأ لا يتجزأ، والعدالة لا تتبدل بتبدل الجغرافيا.

‏المشكلة إذاً ليست في الموقف، بل في طريقة قراءة الموقف، فبعض الناس يدخل النقاش بنتيجة جاهزة، ثم يبحث عن أي خيط يربط خصومه بها، وحينها يصبح الهدف ليس فهم الواقع، بل إدانة الآخر، وهكذا تتحول القضايا الكبرى إلى أدوات في معارك صغيرة، ويتحول النقاش السياسي إلى «محاكم تفتيش» لا إلى حوار عقلاني.

‏والحقيقة التي يعرفها كل من يتابع تاريخ المنطقة أن القضايا لا تُفهم بهذه السهولة، فالمنطقة مليئة بالتداخلات والتحالفات المتغيرة، وكل طرف فيها يحاول استثمار الأحداث لمصلحته، لكن وسط هذا الضجيج يبقى هناك شيء ثابت؛ ‏أن الشعوب لا تزال تملك ضميراً يرفض الظلم أينما كان، ويرفض في الوقت نفسه أن تُستغل القضايا العادلة لخدمة مشاريع سياسية أخرى.

‏لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من ناصر غزة؟ ‏بل لماذا يريد البعض تحويل نصرة المظلوم إلى تهمة؟ ‏ولماذا يُطلب من الناس أن يتخلوا عن ضميرهم حتى يثبتوا وطنيتهم؟ والإجابة في الغالب بسيطة لكنها غير مريحة للبعض؛ لأن الاعتراف بأن الإنسان يمكن أن يكون مع فلسطين وضد إيران، ومع الخليج وضد أي اعتداء عليه، ينسف الرواية التي يريدون تسويقها.

‏وفي النهاية، يبقى الفرق كبيراً بين من يرى العالم بعين المبدأ، ومن يراه بعين الخصومة؛ ‏فالأول يبحث عن الحق أينما كان، أما الثاني فلا يرى إلا ما يريد أن يراه، وربما لهذا السبب قال العرب قديماً حكمة تختصر المشهد كله: «‏حُبّك الشيء يعمي ويصم». 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة