حين يبكي الغيم على نوافذ الصمت!
في حياة كل
إنسان لحظة يختار فيها الصمت لا عجزاً عن الكلام، بل لأنّ الكلمات تفقد معناها حين
تضيق بها الروح، الصمت ليس فراغاً كما يظن الناس، بل امتلاء موجع، امتلاء بكلّ ما
لا يُقال، كم من وجع يختبئ خلف ابتسامة متعبة! وكم من قصة مكتومة تتدلّى من نظرة
حائرة أو تنهيدة عابرة!
إنّ الكلام
أحياناً خيانة للمشاعر؛ لأنّ بعض الأحاسيس أعظم من أن تُختصر في جمل عابرة، يقول
جبران خليل جبران: «من لا يعرف أن يصمت لا يعرف أن يتكلم»، تأمل وأنت تنظر إلى أم
فقدت ابنها؛ لا تصرخ، لا تبكي أمام الناس، بل تنظر إلى السماء في صمت طويل في ذلك
الصمت تختبئ ألف قصيدة لم تُكتب، وألف دعاء يعلو بلا صوت، وكذلك المحبّ حين يخذله
من أحبّ لا يقول شيئاً، فقط يبتسم كي لا يفضحه الانكسار في عينيه، هذا الصمت ليس
ضعفاً، بل كرامة تُغنّي بصوت خافت لا يسمعه إلا القلب.
حين تكون الدموع بياناً صادقاً
حين يعجز اللسان
تتكلّم الدموع، هي اللغة التي لا تُكذّب ولا تُتَرجَم ولا تحتاج إلى حروف، الدموع
ليست ضعفاً، بل صلاة صامتة تصعد إلى الله حين لا يجد الإنسان ما يقوله، وكما قال
الإمام عليّ رضي الله عنه: «ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب».
انظر إلى طفل
صغير يختبئ خلف الباب باكياً لأنّ أحدهم أهانه، لا يستطيع التعبير بالكلمات، لكنّ
دموعه تشرح كلّ شيء؛ الألم، والانكسار، والرجاء في حضن دافئ، وتأمل حال العابد
الذي يرفع يديه في الليل باكياً دون صوت؛ لأنّه يعلم أن الدمع أبلغ من أيّ اعتذار،
وأنّ الله يفهم صمته كما يفهم كلماته.
حين يبكي الغيم
لا يعتذر عن المطر، بل يمنح الأرض فرصة جديدة للحياة، وهكذا دموع الإنسان هي مطر
يغسل ما علِق بالروح من غبار الألم، فالبكاء ليس استسلاماً، بل تطهير من الداخل
وانبعاث جديد بعد الانكسار.
الوجع المسكوت عنه
أقسى أنواع
الوجع هو ذلك الذي لا يجد طريقاً إلى الخارج، فالجرح الذي لا يُرى لا يعني أنه غير
موجود، بل إنّ الجروح الصامتة هي الأعمق والأطول أثراً، وفي حياة الناس كم من زوج
يبتسم لزوجته وهو يحمل في قلبه ندبة الخذلان، وكم من صديق يضحك بصوت عال كي يخفي
صوت انكساره الداخلي! ولعل الصمت هنا يصبح قناعاً اجتماعياً يلبسه الناس؛ لأنهم
خافوا أن يُحاكمهم العالم على ضعفهم.
حين يكون الكلام
عديم الجدوى، يصبح الصمت موقفاً، تأمل رجلاً تعرض للظلم في عمله؛ قد يختار الصمت
لا خوفاً، بل لأنّ الشكوى لمن لا يشعر هي عبث، ذلك الوجع المسكوت عنه هو الذي يصنع
فينا العمق.
القلب الذي لم
يختبر الألم الصامت لا يعرف معنى الرحمة، إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من لحظة
الإنصات لأنين أنفسنا، حين نكفّ عن التبرير ونواجه الحقيقة بهدوء، فكما أنّ الغيم
لا يختار أن يبكي أمام الجميع، كذلك الإنسان لا يكشف وجعه إلا لمن يفهم لغته
الخفية.
من ضجيج الكلام إلى وعي الصمت
في زمن امتلأ
بالصخب صار الصمت عملة نادرة، الكلّ يتكلم لكن قليلون من يُصغون، لقد امتلأت
الشاشات بالكلمات وضاع المعنى بين الصور والضوضاء، في مثل هذا العالم يصبح الصمت
مقاومة فكرية وروحية.
قال الحكماء: «إذا
كان الكلام من فضة، فالصمت من ذهب»، لكنّ الذهب الحقيقي هو الصمت الواعي لا الصمت
الجبان، فالصمت الذي ينبع من التأمل قوة، والذي ينبع من الخوف ضعف، تأمل في قصة
ذلك الحكيم الذي يُصغي قبل أن يحكم؛ هذا الصمت يُنقذ الآخرين من الظلم ويمنح
الموقف عدالة، وكما قيل: «الصمت عن السفهاء زكاة العقل»، إنه صمت الإصلاح لا صمت
الانهزام.
إنّ الصمت
الواعي هو بوابة الحكمة؛ لأنه يُعيد الإنسان إلى نفسه، فحين يصمت الغيم لا يعني
أنه انتهى، بل يستعد لمطر جديد، وهكذا الإنسان حين يختار الصمت عن الضجيج، فهو
يُعيد ترتيب ذاته ليعود أنقى وأقوى.
الدموع التي تُصلح القلوب
أحياناً نبكي
لنطهّر قلوبنا من شوائب القسوة، ونصمت لنسمع ما لا يُقال، الدموع في جوهرها لغة
للإصلاح الداخلي التي تُعيدنا إلى إنسانيتنا الأولى.
حين يبكي الغيم
على نوافذ الصمت لا يفسد المشهد، بل يُجمّله، المطر لا يُعيب السماء بل يُطهّرها،
وكذلك دموع الصادقين لا تُقلّل من كرامتهم بل ترفعهم، إنها دليل أنّ القلوب ما
زالت حيّة، وأنّ الإنسان مهما قسا يبقى قادراً على الرجوع إلى نقائه الأول.
الصمت والدمع
وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما إصلاح للنفس بوسائل غير الكلام، فالكلمة قد تخدع، أما
الدمع فلا يعرف الزيف، ولعل أجمل ما في الإنسان ليس صوته العالي، بل تلك اللحظة
التي يبكي فيها وحده، فيسمعه الله دون أن يتكلّم.
ومن نافلة
القول: إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل حين نسمح لأنفسنا للبكاء بصدق، وللصمت
في وعي، ولقول الكلمة في وقتها، فربّ دمعة غسلت ما لم تغسله خطبة، وربّ صمت أصلح
ما أفسده جدال طويل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً