حين يصبح كشف الراتب اختباراً للقيمة!

حين يصبح كشف الراتب اختباراً للقيمة!

كم راتبك؟! السؤال يتصدر ألسنة الأهل عند تقدم الخُطّاب للزواج من ابنتهم، وربما تكون الإجابة عليه مفصلية وحاسمة، قبل اتخاذ قرار الموافقة على الزواج، حيث تؤدي قيمة الراتب دوراً محورياً في تقييم أهلية المتقدم للزواج.

قيمة الراتب تختلف من مجتمع إلى آخر، لكنها تظل تمثل العصب المالي الذي يُبنى عليه الاستقرار الأسري، مصحوباً بتوافر اشتراطات رئيسة مثل مصدر المال، وحسن الخلق، والبيت الطيب، والتكافؤ العلمي والاجتماعي والمادي.

ومع تنامي وتيرة النمط الاستهلاكي، وتفشي المادية، ومظاهر المباهاة الاجتماعية، لم يعد الراتب فحسب مقياساً لتقييم الخطاب، بل توسع الأمر ليشمل امتلاك الواحد منهم منزلاً، وسيارة، ورصيداً بنكياً، أم لا، فضلاً عن الوسامة، وما سيقدمه للعروس من مهر وهدايا ومجوهرات ذهبية.

«الرومانسية» وحدها لا تكفي

تفيد دراسة ألمانية بأن الرومانسية والحب المتبادل وحده ليس العامل الحاسم لاختيار شريك أو شريكة العمر، وأن المال كمعيار لاختيار شريك الحياة أهم لدى النساء مقارنة بالرجال.

وفق الدراسة التي أجرتها شركة «Verivox» الألمانية لاستطلاعات الرأي بالتعاون مع موقع «بارشيب» الذي يقدم خدمة المواعدة عبر الإنترنت، فإن 76% من النساء اللاتي شاركن في الاستطلاع يَرَيْنَ أهمية الجانب المالي لشريك الحياة، وأن 25% يتخيلن العيش مع شريك له موارد مالية أكبر بكثير، بينما من لديه أموال أقل، فهن يَرَيْن في ذلك مشكلة.

في المقابل، تتراجع قيمة الوضع المادي للمرأة في نظر الرجال، ويقول حوالي ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع من الذكور: إن مقدار الأموال الذي تمتلكها أو تكسبها شريكة الحياة لا تؤثر على العلاقة بينهما.

معايير اختيار الزوج

السؤال عن قيمة الراتب والمستوى المادي ليس عيباً، فقد دلت السُّنة النبوية على جواز أن يتزوج الرجل المرأة لمالها، فكذلك يجوز للمرأة أن تتزوج الرجل لماله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (رواه البخاري، ومسلم).

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار على فاطمة بنت قيس برفض معاوية بن أبي سفيان، حتى تقدم لها خاطباً، قَالَتْ: أَتيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقُلْتُ: إنَّ أَبَا الجَهْمِ، ومُعاوِيةَ، خَطباني؟ فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أمَّا مُعَاوِيةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مالَ لَهُ، وأمَّا أَبُو الجَهْمِ فَلاَ يضَعُ العَصا عنْ عاتِقِهِ» (متفقٌ عَلَيْهِ)؛ يعني أنه كان ضراباً للنساء.

يقول العلماء: ليس في الحديث انتقاص لمعاوية رضي الله عنه، ولا دعوة إلى الدنيا، ولكنه حثّ نبوي على اختيار الرجل الأنسب القادر على توفير حاجات المرأة، والنفقة عليها بالمعروف، ومثل هذا لا يذمّ، ولا يعاب.

ما يعاب في الحقيقة أن يصبح المال المعيار الوحيد والرئيس في تقييم شخص، فهذا من الاعوجاج الذي غلب على نظرة الناس في هذا الزمان، بينما توارت معايير أخرى أكثر أهمية مثل الدين والخلق والاستقامة والكفاءة المعتبرة في النكاح، بمعنى أن يكون الزوج كفئاً لزوجته؛ أي مساوياً لها في المنزلة، ونظيراً لها في المركز الاجتماعي والمستوى الخلقي والمالي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (رواه الترمذي).

قيمة الراتب أم حسن الخلق؟

تظل القدرة المالية شرطاً أساسياً لضمان استمرار الحياة الزوجية وتجنب الخلافات المستقبلية، خاصة في ظل تفاقم موجات الغلاء وارتفاع الأسعار وارتفاع كلفة الحياة اليومية من سكن ومرافق وخدمات ومواصلات وتعليم وعلاج.. وغيره.

وتؤكد دراسة بعنوان «حول تكاليف واقتصاديات الزواج»، أن التغيرات الاقتصادية الحالية جعلت الراتب والقدرة المادية المحرك الأول لقرار الموافقة على الزواج، بحسب المركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية والجنائية.

بموازاة ذلك، يجب التأكيد أن قيمة الراتب، أياً كانت، لا توفر الحياة الكريمة والسعيدة، إذا افتقدت شروطاً أخرى مثل الكسب الحلال، وحسن العشرة، وطيب الخلق، يقول الشاعر الأموي المتوكل الليثي:

وَكَمْ كَثِيرِ مَالٍ وَسَيِّئ خُلُقٍ      لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالُهُ وَلَا خُلُقُهُ

والواقع يشهد قصصاً حقيقية لأزواج كانوا فقراء، أو من قليلي المال، لكن حسنت أخلاقهم، وخلصت أعمالهم، وثابروا وجدوا واجتهدوا، فوسع الله عليهم أرزاقهم، وصاروا من أغنياء وكبار القوم، قال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق).

الدنيا دوَّارة، وأحوال الناس متغيِّرة بين الفقر والغِنى، فاختر ما يدوم لابنتك، ويكون لها صلاحاً في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة