فقه المرض وحدود الأسباب
حين يكشف المرض حدود الأسباب.. موقف الربيع بن خثيم
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن سفيان الثوري، قال: «قيل للربيع بن خثيم: لو تداويت،
فقال: ذكرت عادًا وثمود وأصحاب الرس، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، كانت فيهم أوجاع،
وكانت لهم أطباء، فما بقي المداوي ولا المداوى إلا وقد فني»(1).
يكشف هذا الموقف
عن لحظة إنسانية عميقة من حياة الإمام الربيع بن خثيم الثوري، أحد كبار التابعين
ومن المشهورين بالعبادة والزهد ومراقبة النفس، فليس المشهد مجرد إجابة على اقتراح
طبي، ولا هو رفض عابر للعلاج، وإنما هو تعبير عن طريقة خاصة في النظر إلى الإنسان
والمرض والزمن والمصير.
يقع هذا المعنى
في بيئة الكوفة خلال القرن الأول الهجري، حيث برز جيل من التابعين الذين عُرفوا
بقوة الصلة بالقرآن، وشدة استحضار الآخرة، ومحاسبة النفس، وكان الربيع بن خثيم ممن
اشتهروا بقوة التقلل من الدنيا والانشغال بإصلاح القلب، حتى صار موقفه من المرض
امتدادًا لطريقته في رؤية الحياة لا مجرد موقف ظرفي فرضته العلة.
وهذه القراءة لا
تعني أن التداوي مذموم أو أن تركه هو الأصل، فالشريعة أقرت الأخذ بالأسباب، وإنما
تكشف عن مقام فردي في فهم البلاء، حين يتحول المرض من مجرد ألم جسدي إلى باب
للتأمل في حقيقة الإنسان ومآله.
كيف يتحول ابتلاء الجسد إلى رؤية تاريخية؟
كان جواب الربيع
بن خثيم قائمًا على نقل السؤال من دائرة الجسد المحدودة إلى دائرة التاريخ
الإنساني الواسعة، فعندما قيل له: «لو تداويت»، لم يناقش فائدة الدواء من جهة
طبية، بل استحضر أممًا عظيمة مضت: عادًا وثمود وأصحاب الرس، ثم قال: كانت فيهم
أوجاع وكانت لهم أطباء، ومع ذلك انتهى الأمر إلى الفناء.
وهذا الاستحضار
يحمل طريقة قرآنية في التفكير؛ فالقرآن كثيرًا ما يدعو الإنسان إلى النظر في مصائر
الأمم السابقة لا لمجرد معرفة التاريخ، بل لاستخراج السنن الكبرى التي تحكم الحياة،
قال تعالى: (أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ) (غافر: 82)، قال السعدي: فَيَنْظُرُوا: نظر فكر واستدلال، لا
نظر غفلة وإهمال، (كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) من الأمم السالفة، كعاد، وثمود
وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارًا في الأرض، (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ) حين جاءهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا
بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم(2).
فالربيع بن خثيم
لم ينكر وجود المرض ولا قيمة الطبيب، وإنما أراد أن يضع الأمر في حجمه الحقيقي؛
العلاج يعالج مرحلة، لكنه لا يلغي النهاية التي كتبها الله على كل حي، ومن هنا
يظهر الفرق بين من يستعمل الأسباب وهو يعلم حدودها، ومن يجعل الأسباب مصدر الأمان
المطلق.
وفي واقع الناس
اليوم، حيث توسعت قدرة الطب وتطورت أدوات العلاج، يبقى هذا المعنى حاضرًا؛ فالتقدم
الطبي نعمة عظيمة، لكنه لا ينبغي أن يتحول في وعي الإنسان إلى وهم السيطرة الكاملة
على الموت أو الخلود.
كيف يتجاوز المؤمن ألم البلاء بالصبر واليقين؟
من أعمق الجوانب
في هذا الموقف أن الربيع بن خثيم لم يسمح للمرض أن يحدد رؤيته للعالم، فالإنسان
عند الألم قد ينحصر تفكيره في موضع الوجع، وقد يتحول البلاء إلى مصدر خوف واضطراب،
لكن بعض النفوس المؤمنة تستطيع أن تتجاوز ألم اللحظة إلى ما هو أبعد منه.
لقد أحسن الربيع
بن خثيم النظر إلى مرضه؛ فلم ينظر إليه باعتباره خسارة فقط، بل رآه تذكيرًا بسنة
كونية تشمل البشر جميعًا، انتقل من سؤال: كيف أتخلص من هذا الألم؟ إلى سؤال أوسع:
ما حقيقة هذه الحياة التي ينتهي إليها الجميع؟
وهذه القدرة على
توسيع النظر من خصائص النفوس الراسخة؛ فهي لا تنكر الألم، لكنها لا تسمح له بأن
يستولي على القلب والعقل، ولذلك كان أهل الإيمان يجعلون البلاء بابًا للصبر
والمعرفة، لا مجرد حادثة للانكسار، قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ
الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ
إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة)، فالآيات ترسم للمؤمن طريق التعامل مع البلاء؛ إدراك
أنه ابتلاء، ثم الصبر والاسترجاع، حتى يكون البلاء سببًا للرحمة والهداية.
ويظهر هذا
المعنى بوضوح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ،
إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ،
إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ
ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(3)، فالحديث يبين أن المؤمن لا
ينظر إلى الضراء من جهة ألمها وحده، بل ينظر إلى ما فيها من أجر وخير إذا قابلها
بالصبر؛ فيكون البلاء بابًا للصبر والثبات، لا سببًا للجزع والانكسار.
ومن أبلغ
الشواهد العملية على ذلك موقف عروة بن الزبير رحمه الله، حين أُصيبت رجله فقطعت،
وفي اليوم نفسه مات أحد أبنائه، فقال: «اللهم لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحداً
وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت
قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت»(4)، فلم ينظر
عروة إلى الألم من جهة ما فقده وحده، بل وسّع نظره إلى ما بقي له من النعم،
فاستطاع أن يجعل المصيبة باعثًا على الحمد والثبات، وأن يحول شدة الألم إلى قوة في
القلب بالصبر والرضا.
هل يتعارض التداوي والأخذ بالأسباب مع التوكل؟
قد يُفهم موقف
الربيع بن خثيم خطأ إذا عُزل عن مجموع النصوص الشرعية؛ فالإسلام لم يجعل ترك
العلاج علامة على قوة الإيمان، كما لم يجعل استعمال الدواء ضعفًا في التوكل، فقد
ثبت في السنة الأمر بالتداوي، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَدَاوَوْا،
فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً»(5).
ويؤكد هذا أن
استعمال السبب لا يتعارض في أصله مع التوكل على الله، وفي الوقت نفسه، لم يجعل
الشرع الأخذ بالأسباب منافيًا للتوكل، بل جمع بين فعل السبب والاعتماد على الله،
قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: 159)؛ فجاء التوكل عقب العزم،
دالًّا على اجتماع فعل ما يستطيع الإنسان من أسباب مع الاعتماد على الله، فالعزم
يتضمن الأخذ بما يستطيع الإنسان من أسباب، ثم يأتي التوكل على الله بعد ذلك.
لكن مقامات
الناس تختلف؛ فقد يختار الإنسان الأخذ بسبب معين، وقد يترك بعض المباحات لأمرٍ
يخصه، بشرط ألا يجعل اختياره تشريعًا عامًا يلزم به غيره، ومن هنا لا يصح أن يُجعل
ترك الربيع للتداوي أصلًا يُقاس عليه، وإنما يُنظر إليه في سياق حاله ونظرته
الخاصة إلى المرض والمصير.
ومن هنا يظهر
فقه دقيق؛ أن الأسباب مطلوبة، لكنها ليست أربابًا مستقلة، والدواء سبب من الأسباب
التي أجراها الله، وليس قوة منفصلة عن تقديره، وقد تجلى ذلك في موقف عمر بن الخطاب
وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما حين بلغهما الطاعون بالشام؛ فلما همَّ عمر
بالرجوع، قال له أبو عبيدة: «أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟» فقال عمر: «نَعَمْ نَفِرُّ
مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ»(6)؛ فدلّ موقفه على
أن الأخذ بسبب الوقاية لا ينافي الإيمان بالقدر، وأن الأسباب تجري بقدر الله ولا
تستقل عنه، ومن هنا يُفهم موقف الربيع بن خثيم في تركه التداوي في سياقه الصحيح؛
فلم يكن دعوة إلى ترك العلاج، وإنما كان موقفًا شخصيًا عبّر عن نظرته إلى المرض
والمصير، فالقيمة في موقفه ليست في ترك الدواء لذاته، وإنما في معرفة حدود السبب،
وتعلق القلب بمسبب الأسباب سبحانه.
كيف يصبح ثبات العالم قدوةً في لحظات الابتلاء؟
لم يكن الربيع
بن خثيم في هذا الموقف مجرد مريض يجيب عن نفسه، بل كان صاحب أثر فيمن حوله، فالإنسان
الذي يحمل مكانة علمية وروحية يصبح تعامله مع أزماته رسالة بحد ذاته؛ إذ قد تكون
أفعاله في لحظات الضعف أبلغ من كثير من الكلمات، وهذه هي حقيقة القدوة التي أرشد
إليها القرآن في قوله تعالى: (لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)؛ فالقدوة
لا تظهر في أوقات السعة وحدها، وإنما تتجلى حقيقتها حين يواجه الإنسان ما يضعف
النفوس ويختبر الثبات.
لقد حوّل الربيع
بن خثيم وجهة الحديث أمام من نصحه؛ فلم يجعل الحديث عن المرض يدور حول الخوف
والقلق، بل حول حقيقة الإنسان ورحلته ومصيره، وهذه صورة من صور القيادة بالقدوة؛
إذ إن بعض الرسائل لا تحتاج إلى خطب طويلة، وإنما تصنعها طريقة استقبال الإنسان
لما ينزل به، ومن أبرز ما يظهر فيه أثر القدوة ثبات الإنسان عند نزول الشدة، ويؤكد
النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ
الصَّدْمَةِ الْأُولَى»(7)؛ فالثبات عند أول وقع الشدة يكشف ما في
القلب من يقين، ويؤثر فيمن يشهد ذلك الموقف.
ويظهر أثر هذه
القدوة في صناعة المعنى للآخرين في موقف أبي بكر رضي الله عنه يوم وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم؛ فقد اضطرب الناس لهول المصيبة، فثبت أبو بكر، وقال:« أَلَا مَنْ
كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ
مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ
فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ »، ثم تلا قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (آل عمران: 144)(8)، فلم
يكن ثباته مجرد ضبط لمشاعره، بل تحوّل إلى رسالة أعادت للناس توازنهم، وصرفت
أنظارهم من هول الفقد إلى حقيقة الإيمان بالله، وهكذا يظهر أن القيادة في لحظات
الضعف لا تعني غياب الألم، وإنما تعني أن يحسن الإنسان حمل ألمه بحيث لا ينقل
اضطرابه إلى من حوله، بل يمنحهم من ثباته معنى يعينهم على تجاوز الشدة، وفي
المؤسسات والأسر والتعليم والدعوة، تظهر هذه القاعدة بوضوح؛ فالناس لا يتأثرون بما
يقوله القائد فقط، بل بما يظهر منه عند الشدة، فالثبات في الأزمات يمنح الآخرين
قدرة على تجاوز اضطرابهم، بينما يضاعف الجزع من أثر الأزمة.
بلاغة الإيجاز في بيان حقيقة الفناء البشري
من أجمل ما في
جواب الربيع قوله: «فما بقي المداوي ولا المداوى إلا وقد فني»، فهي عبارة قصيرة،
لكنها تحمل بناءً فكريًا متكاملًا؛ إذ اختصر فيها حقيقة الإنسان ومصيره في كلمات
معدودة.
جمع فيها بين
طرفي المعادلة: الطبيب والمريض، صاحب الخبرة وصاحب الحاجة، من يقدم العلاج ومن
يطلبه، وكأنها تقول إن جميع الأدوار البشرية، مهما عظمت، تجري داخل إطار الفناء، وهذا
المعنى تؤكده الآية الكريمة: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن)؛ فقد جمعت الآية في ألفاظ قليلة حقيقة شاملة، هي فناء
الخلق وبقاء الله سبحانه.
وفي هذا الأسلوب
تظهر قوة البيان العربي؛ إذ إن المقابلة بين «المداوي» و«المداوى» تجعل المعنى
حاضرًا في السمع قبل العقل، وتحوّل الفكرة المجردة عن الفناء إلى صورة لغوية مؤثرة،
ويقارب هذا الإيجازَ في اختصار المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُنْ فِي
الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»(9)؛ ففي كلمات
قليلة صوّر حقيقة مقام الإنسان في الدنيا، وربط قِصر العبارة باتساع المعنى، فصار
اللفظ الموجز حاملًا لمعنى يتجاوز ألفاظه.
حين لا تملك الوسائل وحدها صناعة النتائج
يقدم موقف
الربيع درسًا مهمًا للإنسان المعاصر: أن يستفيد من الأدوات دون أن يستعبد لها، فالعلم
والتقنية والطب من أعظم نعم الله، لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الإنسان من احترام
الوسيلة إلى تقديسها، وقد تجلّى ذلك في موقف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يوم
مؤتة، حين رأى المسلمون كثرة عدوهم وقوته، فذكّرهم بأن النصر لا يكون بالعدد
والكثرة والقوة وحدها، قائلًا: «يا قومِ! واللهِ إنّ الذي تكرهون لَلّذي خرجتُم له
تطلبون: الشهادةُ، وما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، وإنما نقاتلُهم بهذا
الدِّينِ الذي أكرمَنا اللهُ به»(10)، فهذا الموقف لا ينفي قيمة
العدد والقوة، وإنما ينفي أن تكون الوسائل المادية وحدها مصدر النصر والنتائج، وهو
المعنى الذي يحتاج الإنسان المعاصر إلى استحضاره مع تعدد أدواته واتساع قدراته.
في عالم اليوم
قد يتعلق الإنسان بالأجهزة والخطط والتأمينات والقدرات البشرية حتى ينسى أن فوق كل
ذلك سننًا لا تتغير، وليس معنى ذلك ترك العمل أو تعطيل الأسباب، وإنما إعادة وضعها
في موضعها الصحيح، ومهما اتسع ما يملكه الإنسان من العلم والمعرفة، فإنه يظل محدود
الإدراك، كما قال تعالى: (وَمَا
أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85)؛ فالآية تضع
العلم البشري في موضعه الصحيح، فلا يتحول ما أوتيه الإنسان من معرفة إلى وهم
بالإحاطة والقدرة المطلقة.
فالإنسان الناجح
هو من يبني ويخطط ويعالج، لكنه يبقى واعيًا بأن النتائج النهائية ليست في يده
وحده، وأن أعظم ما يملكه هو قلب يعرف وجهته مهما تغيرت الظروف، ولذلك قال الله
تعالى: (قُل لَّا أَمْلِكُ
لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (الأعراف: 188)؛
فمهما اتخذ الإنسان من أسباب، لا يملك النفع والضر استقلالًا، وإنما تجري الأمور
بمشيئة الله وتقديره.
إن موقف الربيع
بن خثيم لا يقدم دعوة إلى الاستسلام للمرض، بل يقدم دعوة إلى التحرر من الوهم؛ وهم
أن الإنسان يستطيع أن يحيط بكل شيء أو يضمن لنفسه البقاء، إنه يذكر بأن قيمة
الإنسان ليست في قدرته على دفع كل ألم، بل في قدرته على التعامل مع الألم بقلب
ثابت ومعنى واضح.
ومن هنا يبقى هذا الموقف شاهدًا على أن أعظم قوة داخل الإنسان ليست قوة الجسد وحدها، وإنما قوة اليقين التي تجعل المؤمن يرى وراء الحادثة العابرة حكمة أوسع وسنة أعظم.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 260).
- 2 تفسير السعدي (744).
- 3 أخرجه مسلم (2999).
- 4 البداية والنهاية: ابن كثير (9/ 120).
- 5 أخرجه أحمد في مسنده (18454)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط.
- 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219).
- 7 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (1283) ومسلم (926).
- 8 أخرجه البخاري (3667).
- 9 أخرجه البخاري (6416).
- 10 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (15011)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (6/157-159)، وقال: «ورجاله ثقات إلى عروة».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً