خديجة أم المؤمنين.. امرأة سمع الله لها
في قلب مكة، حيث
ضجت الأسواق بأصوات الرجال من السادة التجار وغلمانهم يروّجون لبضائعهم التي
جلبوها من أقاصي الجزيرة العربية ليتاجروا ويربحوا، أو يجهزون قوافلهم المغادرة
الأرض المقدسة لأنحاء بعيدة تحمل من بضائع مكة وأموال كثيرة لشراء كل ما هو جديد
في رحلات الشتاء والصيف.
وبينما هم كذلك
كانت هناك امرأة ليست ككل النساء، جمعت بين الحسب والنسب والمال والفطنة؛ ما جعلها
نداً في مجتمع ذكوري يئد الفتيات لمجرد كونهن إناثاً، لتنال احترام الجميع بجدارة،
فكانت الحسناء ذات الثروة وحسن الخلق والتميز الإنساني والكرم والجود والحكمة
والرحمة، إلى جانب النجاح الكبير الذي حققته في تجارتها وإدارة إرثها.
تلك هي المرأة
المختارة لتكون شريكة النبي صلى الله عليه وسلم في أصعب مراحل الدعوة، تنتمي إلى
بني أسد بن عبد العزّى من بطون كنانة.
يصفها ابن إسحاق
بأنها كانت «ذات شرف ومال»(1)، لتكون أو من يؤازر، وأول من يؤمن، وأول
من يجود بوقته وماله، وثالث امرأة تكمل في البشرية بعد آسية امرأة فرعون، والسيدة
مريم، ثم يليها ابنتها فاطمة رضي الله عنهن جميعاً، ثم تلقى ربها بينما جبريل عليه
السلام يبلغها من ربها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب،
فإلى رحاب خديجة بن خويلد:
قد سمع الله لقلبها
هل يجوز أن
تتعلق امرأة قوية برجل أو تعجب به فتبدي رغبتها في الزواج منه؟ شريعة الإسلام لم
تمنع المشاعر الإنسانية ولم تحاربها، إنما أتت لتهذيبها وتوجيهها لمسارها الطبيعي
فيما شرع الله عز وجل، فلا سبيل لهؤلاء إلا الزواج؛ فالشرع لم يحرم المشاعر، إنما
حرم الفعل الناجم عنها إذا خرج عن إطاره.
والعرف أن
المرأة مرغوبة لا راغبة، مطلوبة لا طالبة، حيية في خدرها حتى يأتيها من يطرق باب
وليها، لكن ماذا تفعل إن تحرك قلبها تجاه من يستحق، لا بأس أن تطلب بطريقة آمنة،
لا تنال منها، ولا تقلل من شأنها، وهي ذات الشأن العظيم.
وقد كان الصادق
الأمين يعمل في مالها مع الغلام ميسرة، وبعد عودته من إحدى رحلات الشام، سمعت عنه
ما يعجب كل امرأة شريفة، فوقع في قلبها رضي الله عنها.
يروي ابن هشام
قصة الزواج المبارك فقال: «وجدت فيها ضالتها المنشودة، في الوقت الذي كان يسعى فيه
السادات للظفر بها فتأبى، تمنت أن يكون لها زوجاً، فسألت الله أن يكون، فاستجاب
الله لها بالرغم من أنها لم تكن مسلمة بعد، فحدثت بما في قلبها لصديقتها نفيسة بنت
أمية -وهي المرأة العاقلة التي تعرف كيف تتصرف في أمر كهذا- فذهبت إليه تعرض عليها
خديجة وكأنها هي صاحبة الاقتراح، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدث إلى أعمامه
فتم الأمر»(2).
نعم، لا بأس بأن
يتخير ولي الأمر لابنته زوجاً طالما وجد فيه ما لم يجد في غيره، وليس على المرأة
شيء في أن ترى رجلاً بعينه زوجاً لها، لكن مع ذلك لا تفقد حياءها كامرأة.
امرأة شاركت في تأسيس دولة
إننا حين نستعرض
أحداث التاريخ، نجد أن هناك أعمدة من الرجال قامت عليها الدول والحضارات، قد يكونون
جيوشاً، أو قادة، وقد يكونون شاركوا بأموالهم أو بأنفسهم أو بأوقاتهم أو حتى
بأبنائهم، لكنهم في مجمل الأمر رجال متميزون بالحنكة والشجاعة والكرم والطموح،
وفوق كل هذا الإيمان بقضاياهم وعدالتها، وعلى قدر تضحياتهم تكون النتائج.
وفي الإمبراطورية
الإسلامية الكبرى، كانت هناك علامات فارقة في تاريخ تلك الدولة العظيمة، منهم رجال،
ومنهم نساء، لتكون خديجة رضي الله عنها سابقة الرجال والنساء في التضحيات وكم
العطاء والصبر والحكمة والدفء والأمان.
إنها إحدى
الشخصيات المفصلية في تاريخ الدولة، حيث كانت حاضرة اللحظة الأولى في التقاء الأرض
بالسماء ونزول الوحي، واستطاعت بحكمتها وإدارتها للموقف الذي لا يتحمله بشر عادي
أن تعبر بنبي الأمة لمهمته برفق.
وها هي عائشة
رضي الله عنها تروي تفاصيل تلك اللحظة الفارقة في حياة البشرية: «.. حتى دخل على
خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: أي خديجة،
ما لي (وأخبرها الخبر)، قال: لقد خشيت على نفسي، قالت له خديجة: كلا أبشر، فوالله،
لا يخزيك الله أبداً، والله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب
المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به
خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها،
وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل
بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي.
فقالت له خديجة:
أي عم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول
الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على
موسى صلى الله عليه وسلم، يا ليتني فيها جذعاً، يا ليتني أكون حياً حين يخرجك
قومك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم لم يأت رجل
قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً».
وفي رواية: أول
ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي وساق الحديث بمثل حديث يونس، غير
أنه قال: «فوالله، لا يحزنك الله أبداً»، لتكون خديجة هي حاضنة الوحي الأولى.
(أخرجه البخاري).
تكاليف أن تكون المرأة زوجة داعية
أجمعت كتب
السيرة على أن أم المؤمنين خديجة هي أول من أسلم على الإطلاق(3)، وبما
أن خديجة مختلفة، فقد كان إيمانها مختلفاً، كان عطاء وتضحية مضاعفة، كان بذلاً
للمال، وتهيئة لبيت الرسول صلى الله عليه وسلم ليتفرغ لمهمته الأسمى في تبليغ دعوة
ربه، لم تكن عبئاً عليه يوماً، بل معيناً دافعاً لنبي الأمة، ليقول فيها صلى الله
عليه وسلم: «ما نفعني مال أحد ما نفعني مال خديجة» (مسند أحمد).
إنه البيت الذي
يمثل النسق الإنساني والأسري للبشرية، حيث إن الرسول بشر، يحتاج إلى ما يحتاج إليه
البشر من دعم الزوجة ومؤازرتها، وقد كانت هي السكن والأمان في مواجهة صناديد الكفر
في مكة.
وقد غارت منها
عائشة حين ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، فعنها رضي الله عنها قَالَتْ: «مَا
غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى
خديجةَ رضي اللَّه عنها، ومَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، ولَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ
ذِكْرَهَا، وَرُبَّما ذَبح الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاء، ثُمَّ
يَبْعَثُهَا في صدائِق خدِيجةَ، فَرُبَّما قلتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ في
الدُّنْيَا إِلَّا خديجةُ! فيقولُ: إِنَّها كَانَتْ، وكَانَتْ، وكَانَ لي مِنْهَا
ولَدٌ» (متفقٌ عَلَيه).
لم تنج بنفسها
من حصار شِعب أبي طالب، وقد كانت تستطيع وهي العزيزة في قومها ولن يقرب منها أحد،
لكنها أبت إلا أن تكون واحدة من المسلمات تذوق الجوع لثلاث سنوات دون أن تضجر أو
تقول كلمة لوم، حتى هلك من هلك منهم(4)، حتى أثر على صحتها وماتت بعدها
بقليل ليكون وقت موتها عاماً للحزن.
إن حياة أم
المؤمنين خديجة ليست مجرد حكاية يجب أن يتم دراستها للفتيات في مناهج التعليم
وحسب، بل كانت نموذجاً قيادياً للرجال والنساء على السواء، نموذجاً للداعية وصاحب
الرسالة والأم والزوجة استطاعت أن تجمع بين الصلابة واللين، بين الحكمة والطهر،
بين العاطفة والقوة، فمن مثل أم المؤمنين خديجة؟
اقرأ
أيضاً:
________________
(1) السيرة
النبوية، ابن هشام، ج1، ص120.
(2) المرجع
السابق (1/ 113)، الرحيق المختوم، ص60، (بتصرف).
(3) الطبقات
الكبرى، ج1، ص131.
(4) السيرة النبوية، ابن هشام، ج1، ص350.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً