خلاف المصلحين.. سُنة ربانية وفطرة بشرية (1 - 2)
الخلاف بين
المصلحين سُنة إلهية، وبعض من نأى عن فقه السنن الإلهية، الظن بأنَّ الصلاح والإصلاح
يستلزمان التطابق التام في الرؤى، والاتحاد المطلق في المواقف والاجتهادات.
ويسود اعتقاد
سطحي: إذا كان المصلحون على حق، فلماذا يختلفون؟ بيد أنَّ الاستقراء التاريخي،
والتأصيل الشرعي، يعطيان درساً وعبرة مغايرة تماماً لهذه الرؤية القاصرة.
إن الخلاف قضى
الله به في خلقه، ولم يكن المجتمع الإسلامي الأول بمعزل عن هذه السُّنة؛ بل وقع
بينهم الخلاف في أدق المسائل وأخطر المنعطفات التاريخية، وسجل القرآن الكريم،
والسيرة النبوية هذه المواقف ليكون الخلاف درساً حياً للأمة، يرسخ أنَّ وقوعه لا
يقدح في صلاح المصلحين، ولا ينفي عنهم صفة الاستقامة والفضل.
حتمية الخلاف وطبيعته في الفكرة الإسلامية والسنن الإلهية
يقوم التصور
الإسلامي للكون والإنسان على مبدأ التنوع والتعدد؛ فالإنسان لم يُخلق قالباً
مصمتاً، بل جُبل على التفاوت في العقول، والأفهام، والمدارك، والبيئات، وهذا
التفاوت ينتج بالضرورة اختلافاً في تقدير المصالح والمفاسد، وتنزيل الأحكام على
الوقائع.
ولقد قرر القرآن
الكريم في مواضع شتى، أنَّ رفع الاختلاف الكلي بين البشر ليس مقصداً إسلامياً، ولا
هدفاً شرعياً، بل إنَّ المشيئة الإلهية اقتضت هذا التباين، وهذا الخلاف والاختلاف،
لابتلاء العباد، وتفعيل حركة الحياة والاستخلاف؛ (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ
أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ
رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود)؛ فتشير الآية بوضوح إلى أنَّ الاختلاف مستمر، وملازم
للطبيعة الإنسانية.
وفي سورة «المائدة»،
يربط الله تعالى بين تنوع الشرائع والمناهج، وبين الابتلاء والمسابقة في الخيرات: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (المائدة:
48).
التطبيقات العملية لخلاف المصلحين من الرعيل الأول
إنَّ خير مشهد،
وأوضح مثال لتوضيح هذه السُّنّة الإلهية، وفهمها، هو مجتمع الصحابة الكرام، الذين
شهد لهم الوحي بالعدالة والفضل، ومع ذلك، حفلت سيرتهم بمواقف ومحطات تجلى فيها
الخلاف في قضايا مصيرية.
1- غزوة «بدر» ونزول سورة «الأنفال»:
شهدت غزوة «بدر»
وهي فرقان الإسلام الأول صورتين من صور الخلاف بين المصلحين، سجل القرآن تفاصيلهما
ليكون النقد الذاتي والمراجعة منهجاً تربوياً مستمراً.
أ- الخلاف في
الخروج وقسمة الغنائم: عندما خرج المسلمون لعير قريش ثم تمخض الأمر عن لقاء عسكري
مع قريش، وأصبح النفير واقعاً حتمياً، كرهت طائفة من المؤمنين هذا التحول بدافع
الخوف البشري الطبيعي أو عدم الاستعداد؛ (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ {5} يُجَادِلُونَكَ فِي
الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ
يَنظُرُونَ) (الأنفال).
ثم بعد انجلاء
المعركة والنصر، اختلف الصحابة في كيفية تصريف الغنائم؛ فنزل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ
قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ
بَيْنِكُمْ) (الأنفال: 1)، هذا الخلاف في توزيع المغانم كان خلافاً بين
مصلحين مجاهدين بذلوا أرواحهم، ولم ينزع عنهم القرآن صفة الإيمان، بل وجههم إلى
تزكية النفوس وإصلاح ذات البين.
ورغم هذا الخلاف
حول غنائم أول معركة حربية بين المسلمين والكفار، لم ينزع عنهم القرآن، ولا النبي صلى
الله عليه وسلم أنهم خير البشر، بل كانت هذه الثلة المجاهدة من أهل «بدر» من
المبشرين بالجنان.
ب- الخلاف في
أسرى «بدر»: هذا الموقف يمثل ذروة التجلي لحتمية الخلاف؛ حيث وقع بين النبي صلى
الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فبعد الأسر، استشار النبي صلى
الله عليه وسلم صاحبيه؛ فرأي أبي بكر الصديق مال إلى العفو وأخذ الفداء، تعليلاً
بأنهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله أن يهديهم للإسلام، وما يؤخذ منهم يكون قوة
للمسلمين.
ورأي عمر بن
الخطاب مال إلى الحسم والشدة، ورأى أن يُمكّن كل مسلم من قريبه ليضرب عنقه، ليعلم
المشركون أن ليس في قلوب المسلمين هوادة لهم، ولأنهم أئمة الكفر.
وقد نزل القرآن
الكريم موافقاً لرأي عمر في الحسم والشدة في تلك المرحلة التاريخية المعينة؛ (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ
لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 67).
2- في غزوة «أُحد»:
تجسد الخلاف في
مستويين؛ مستوى الشورى العسكرية قبل المعركة، ومستوى الالتزام بالتكتيك العسكري
أثناءها.
أ- الخلاف في
مكان المعركة: كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم وشيوخ المهاجرين والأنصار البقاء
في المدينة والتحصن فيها، فإن دخلها العدو قاتلوهم في الأزقة، بينما نزع الشباب الذين
لم يشهدوا «بدراً» إلى الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة حرصاً، وشجاعة، وإقداماً،
وبسالة، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي الأغلبية تجسيداً لمبدأ الشورى،
بالرغم من خلافه معهم في وجهة النظر.
ب- خلاف الرماة
على الجبل: عندما لاحت بوادر النصر التكتيكي أول الأمر، اختلف الرماة الذين وضعهم
النبي صلى الله عليه وسلم على الجبل لحماية ظهر المسلمين، طائفة رأت البقاء
التزاماً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصارم، وطائفة رأت النزول لجمع المغانم
ظناً منهم أنَّ المعركة انتهت؛ (حَتَّىٰ
إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا
أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۖ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ
الْآخِرَةَ) (آل عمران: 152).
3- «صلح الحديبية» وخلاف عمر بن الخطاب:
يعتبر «صلح
الحديبية» عام 6هـ نموذجاً فريداً في دراسة فقه السياسة الشرعية، وعلاقتها باختلاف
المصلحين، فقد جاءت بنود الصلح في ظاهرها مجحفة بالمسلمين.
ولم تتقبل عقول
كثير من الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، هذه الشروط؛ لقوة إيمانهم وعزتهم
العالية، فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلماته المشهورة المدونة في
صحيح البخاري: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ علامَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال
صلى الله عليه وسلم: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري».
ثم ذهب عمر إلى
أبي بكر فقال له مثل ذلك، فأجابه أبو بكر بنفس جواب النبي صلى الله عليه وسلم لعمق
فقه الصديق رضى الله عنه، واستيعابه لمراد رسول صلى الله عليه وسلم.
فعمر في هذا
الموقف، كان ينطلق من محض المصلحة، والغيرة على الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم
كان ينطلق من الوحي، وبُعد النظر الإستراتيجي والسياسي، ولم يكن خلاف عمر قادحاً
في إيمانه، بل قال عن نفسه لاحقاً: «عملتُ لذلك أعمالاً» (أي من الصدقة والصلاة
والعتق تكفيراً عما وجده في نفسه من محاورة النبي صلى الله عليه وسلم)، ونزل
القرآن مسمياً هذا الصلح فتحاً، فقال تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) (الفتح: 1).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً