خُلُق التغافل

خُلُق التغافل

نعيش في زمن كثرت فيه العلاقات وتشعبت فيه طرق التواصل مع الناس، بل تعددت فيه وسائل التواصل، في زمن كثرت فيه أسباب تعب النفس، منها اختراق المشاعر وكسر الخواطر، تسمع كلمة تظن أنها فيك فتؤذيك، تصلك رسالة تنزعج منها، تشاهد تصرف لا يعجبك، وغيرها من أسباب انزعاج النفس، لذلك أصبح الناس يطلبون الراحة ويبحثون عن استقرار البال، والراحة التي يطلبها الناس ليست مقتصرة على البدن، وإنما النفس تطلب الراحة، بل قد تكون راحة النفس أهم من راحة البدن، لذلك «التغافل» يحقق هذا المطلب.

إذا كان لديك عمل في المنزل تستطيع أن تفعله لكنه مُجهد، تأتي بالعمال ليقوموا بعمل اللازم مقابل مبلغ من المال طلباً لراحة جسدك، كذلك التعب النفسي ينبغي أن نقدم لدفعه مبلغاً معنوياً لترتاح النفس، وذلك المبلغ المعنوي هو «التغافل».

التغافل هو ألا تدقق في أخطاء من حولك، ولا تعاتب من قصّر في حقك، والمتغافل ليس مغفلاً، لكنه يتظاهر بالغفلة، فهو ذو فطنة وعقل ويميز بين الخطأ والصواب، لكنه يتغافل لمصلحة أكبر وغاية أسمى.

التغافل لا يعني أن نتغاضى عن الأمور المهمة، لكنه يسمح لنا بتجنب التصعيد في المواقف الصغيرة، ويساعدنا في بناء علاقات أقوى وأكثر استقرارًا.

ولا بد أن نفرق بين التغافل المحمود والمذموم، فالتغافل عما يجب القيام به شرعاً أو عقلاً أو عرفاً مذموم، فالتغافل عن القيام بالواجبات لا يُمدح صاحبه، ولا ينجيه من الإثم، كالتغافل عن دخول وقت (إِنَّ الصَّلاةَ كانَت عَلَى المُؤمِنينَ كِتابًا مَوقوتًا) (النساء: 103)، وكتفويت أدائها في أول وقتها أو إخراجها عن وقتها، والتغافل عن نصاب الزكاة وتمام الحول وعدّ حسابها سبباً للعقوبة وتعلق حقوق الفقراء في الذمة.

وفي ميدان التربية -التي معناها المتابعة في إقامة خُلُقِ مَن تربيه- تجد أن أكثر الناس يعتنون بتوفير المأكل والمشرب والمسكن ويغفلون عن تقويم سلوك الطفل فلا يتابعون سلوك أولادهم ولا يعرفون شيئاً عن أصحابهم، ولا يحرصون على تزويدهم بالمعارف الدينية والدنيوية.

أما في أمر المجتمع، فلا شك أننا جزءٌ منه، وما يضره يضرنا، وما ينفعه ينفعنا، فعندما نرى أمراً يمس مجتمعنا فلا ينبغي أن نتغافل عنه بحجة أن كل شخص مسؤول عن نفسه، بل لا بد أن نحافظ على أمنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، إن رأيت منكراً تنهى عنه وفق الوسائل المشروعة شرعاً وقانوناً.

والتغافل يتماشى مع العفو والتسامح المذكورين في القرآن، فالله سبحانه وتعالى يقول: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)؛ أي: خذ ما عفا وسمح من أخلاق الناس، وأمر بما تعارف الناس على حسنه شرعاً وعقلاً؛ لأنك لا بد حينئذ ستبتلى بالسفيه الذي سيجهل عليك ويستخف بك، فعليك بالإعراض عنه وعدم الالتفات إليه، فأنت تسمو إلى معالي الأمور، ومن كان كذلك فلا ينزل لسفاسفها التي منها الالتفات للسفهاء ومجاراتهم والرد عليهم.

ومن الآيات التي تعزز جانب التغافل، ما أرشد الله به رسوله الكريم حيث قال: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (الأحزاب: 48)؛ «وَلا تُطِعِ الكافِرينَ»؛ تغافل عن الاستجابة لهم، «وَدَع أَذاهُم»؛ تغافل عن الانشغال بهم، «وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ»؛ تغافل عن الخوف منهم.

(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94)؛ يقول الشيخ السعدي في تفسيره: لا تبال بهم واترك مشاتمتهم ومسابتهم مقبلاً على شأنك.

وأنت في حياتك ستُبتلى بأناس يحاولون صرفك عن تحقيق أهدافك وغاياتك حسداً أو حقداً، فلا تلتفت لهم لأنهم سيؤخِّرونك.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتغافل عن بعض الأمور الصغيرة، ويعفو عن الأخطاء؛ ما ساعد في نشر المحبة والتسامح بين الناس؛ مثال ذلك، تعامله مع الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث لم يغضب بل علمه برفق، فقد جاء في الحديث أنَّ أعرابيًّا بالَ في المَسجِدِ، فثارَ إليه النَّاسُ ليَقَعوا به، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «دَعوه، وأهريقوا على بَولِه ذَنوبًا مِن ماءٍ -أو سَجلًا مِن ماءٍ- فإنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرينَ ولم تُبعَثوا مُعَسِّرينَ»، ومن الأحاديث التي تشير إلى التغافل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، والتغافل جزء من حسن الخلق.

وخدمه أنس بن مالك رضي الله عنه عشر سنين، ومع هذه المدة الطويلة لم يسمع منه كلمة عتاب ولا لوم، فعَنْ أَنَسِ قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟» (رَوَاهُ مُسْلِم).

بل كان كذلك حتى مع أعدائه من المشركين، فكانوا يلعنونه ويسبونه، ويقولون «مذمماً» بدل «محمد»، ومع هذا أعرض عنهم وتغافل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟! يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ!» (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ)، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ويحتاج التغافل من الإنسان أن يحبس نفسه عن الغضب، عن العتاب أو العقاب، وهذا لا شك فيه مشقة، لذلك جاء الحث على الصبر وكظم الغيظ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يتصبر يصبِّرهُ الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر»، وقال: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء» (رواه أحمد).

قال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل؛ أي لا تمر ولا تنتهي إلا بالتغافل.

كم من الأحداث التي توقفنا عندها وأخذنا وأعطينا فيها، فطالت تفاصيلها وعظُمت، ثم لم يكن المخرج منها إلا بحصول شرخ في العلاقات أو بالرضوخ بأن التغافل هو الأسلم والأحكم، لذلك كان التغافل الخيار الأول والقرار الأسرع لتمر بعض المواقف وتنتهي دون حصول مضاعفات لا يمكن علاجها فيما بعد.

قال أكثم بن صيفي: «من شدّد نفّر، ومن تراخى تألّف، والشرف في التغافل»؛ فالذي يطلب الشرف عليه أن يجعل التغافل في رصيد شرفه ومن مطالب نفسه.

ولا شك أن عدم التغافل أيسر على النفس، لأن الإنسان بطبيعته يريد إنفاذ ما تمليه عليه نفسه، فإذا قمعها شق ذلك عليها، لكن مراتب الشرف والمروءة والكرم تحتاج إلى مجاهدة، قال المتنبي:

لولا المشقّةُ ساد الناس كلُّهُمُ      الجود يُفْقِرُ والإقدامُ قتّالُ

لا بد أن نعي بأن عدم التغافل متعب، فمن يدقق كثيراً يتعب كثيراً، ويتخاصم كثيراً ويخسر كثيراً، ولكي ترتاح كثيراً، عِش مع الناس في تغافل لا يضرُّك، ولا يُجَرِّئُهم عليك.

وعندما تعتاد التغافل تشعر بالراحة، لأنك تعتاد ألا تنزعج من أذية الحاقدين أو حماقة السفهاء، وإن قيلت فكأنّكَ لم تسمعها.

وإن بُليتَ بشخصٍ لا خلاقَ له     فكن كأنّكَ لم تسمع ولم يَقُلِ

في بعض الأحيان نحتاج أن نتغافل عن الموقف بالكامل، قال تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، فإذا تجاهل عليك أحد السفهاء وأهل الطيش فينبغي أن تعرض عنه كلياّ حتى لا تُمتَهن وتسلم من سفهه وتحفظ مقامك، والإعراض الكلي يكون مع السفهاء وغيرهم.

ومثال ذلك لما اتُّهمَ أخو يوسف بالسرقة وأُخذ من أخوته ليبقى في مصر قال إخوة يوسف: (إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) (يوسف: 77)؛ وهم يقصدون يوسف عليه السلام حيث اتُّهِمَ وهو صغير بالسرقة وهو منها براء، فيوسف تغافل عن مقولتهم بالكلية وأعرض عنهم وقال سراً في نفسه: (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف: 77).

وأحياناً أُخرى مطلوب منا أن نتغافل عن بعض تفاصيل الموقف، ونواجه بعضه، وهذا غالباً يكون في ميدان التربية، حيث يُشعر المربي من هم تحت يده أنه يعلم بما حصل ولكن دون إخبارهم به.

مثال ذلك: سهر ابنك على هاتفه طوال فترة الليل حتى طلع الفجر، فمن التغافل أن تقول: سمعت صوت هاتف البارحة فلا أريد أن يكرر هذا الفعل وأنت تعرف من هو هذا الولد لكنك تغافلت عن ذكر اسمه لمصلحة أخرى، وهو من باب «ما بال أقوام يفعلون كذا»، وهذا الأسلوب كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، فلو أنك ذكرته ربما أوقعته في إحراج أو ربما رد فعله يكون معاكساً؛ فيصرخ ويغضب أو يكرر الفعل مرة أخرى.

ولا بد أن نشير إلى أن التغافل مهم في الحياة الزوجية، فهو يجعل الحياة الزوجية هادئة وخالية من المشكلات، وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه فقال: «لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنةً إن سخِطَ منْها خُلقًا رضِيَ منْها آخرَ» (رواه مسلم)، فإن رأى الزوج من زوجته شيئاً يكرهه مما لا يُخلُّ بشرف ولا دين، ينظر إلى ما في الزوجة من أمور حسنة، وكذلك الزوجة بالنسبة لزوجها.

تعاملك مع الناس في العمل، أثناء قيادتك للسيارة، في مراجعتك لتخليص معاملاتك، تجد أصنافاً من الناس منهم العاقل الرزين، ومنهم الجاهل والسفيه، ومن خلال تسلحك بهذا الخلق تتفادى الكثير من المشكلات.

إذا نطقَ السفيه فلا تجبه     فخيرٌ من إجابته السكوتُ

فإن كلمته فرّجتَ عنه       وإن خلّيته كمداً يموتُ

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة