خلَّوا بين أبنائكم والقرآن
عبر تاريخ الإنسانية، كان هَمّ الأبناء أعظم الهموم التي لا تبارح أفئدة الآباء، يبدأ هذا الهم من قبل وجود الأبناء ولا ينتهي حتى ينتهي وجود الآباء على هذه الأرض.
هَمّ يولد قبل أن يولدوا
فهذا نبي الله زكريا عليه السلام يدعو الله قائلاً: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران: 38).
وهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه وعلى أنبياء الله كافة الصلاة والسلام يدعو
الله قائلاً: (رَبَّنَا هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 74).
هم يرافقك العمر
وبعد أن تأتي الذرية يأتي معها هَمّ التربية الذي قد يمتد العمر كله، ولا
يسلم من معالجة هذا الهم حتى أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذا نوح
عليه السلام في لحظات الكرب العظيمة يلح على ابنه في ركوب السفينة لينجو مع
الناجين، فيناديه نداء الأب المؤمن المحب الشفيق الذي يعلم عاقبة ما يصنعه هذا
الولد العاق لربه ولوالده في هذه اللحظة العاصفة: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب
مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ {42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ
يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ
مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود).
هَمّ لا يموت حتى تموت
وإن هذا الهم ليسكن أفئدة الآباء فيطرد عنها السكون حتى تسكن الأنفاس، وإنه
لا يُخَلِّي الأسِرَّة لسكرات الموت، بل إنه ليجد له في هذه اللحظات متسعاً، فنبي
الله يعقوب عليه السلام لا يركن لجهود عمر كامل في التربية والتوجيه، بل يريد أن
يطمئن لتلك الجهود هل أثمرت فيسأل أبناءه وهو على فراش الموت: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ
حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي
قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 133).
بل إن هذا الهم ليدفع الكريم إلى البخل، والشجاع إلى الجبن، قال عليه
الصلاة والسلام: «إنَّ الولدَ مَبخلةٌ مَجبنةٌ» (صحيح ابن ماجة).
وكذلك قد يدفع حب الأبناء والحرص على البقاء معهم إلى ترك معالي الأمور من
الضرب في الأرض والبحث عن أسباب الغنى، وفي التراث العربي ما يؤيد هذا المعنى؛
يقول حطان بن المعلى:
لَوْلَا بنيات كزغب القطا رددن
من بعض إِلَى بعض
لَكَانَ لي مضطرب وَاسع فِي
الأَرْض ذَات الطول وَالْعرض
وَإِنَّمَا أَوْلَادنَا بَيْننَا أكبادنا
تمشي على الأَرْض
لَو هبت الرّيح على بَعضهم لامتنعت عَيْني من الغمض
مخرج من الهم
وإذا كان الأمر بهذه الخطورة والهم بهذا الاتساع، فما الحل إذن؟ وأين نجد
الأمان في هذا الواقع المائج بالمخاوف على الأبناء والعصر المشحون بأسباب الفتن من
كل لون وجنس، وعبر كل الوسائل والوسائط والوجهات؟
إن المتلفت في جهات الأرض مشارقها ومغاربها لا يجد إلا الحسرة التي تفتت
أكباد الآباء والأمهات والحيرة التي تفتك بهم وهم يرون أبناءهم ينسربون من بين
أيديهم انسراب الماء من بين الأصابع.
ولا يجد إلا جهة واحدة يظللها الأمان وتغشاها السكينة وتتنزل عليها
الرحمات.
إنها حلقات القرآن الكريم، حيث الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم؛ عقيدة
وعبادة وأخلاقاً وتربية وسلوكاً وعلماً وعملاً، الكتاب الذي يربي على مكار
الأخلاق، الكتاب الذي جعل أعظم وصف للنبي صلى الله عليه وسلم الخُلُق العظيم.
فيا معشر الآباء والأمهات الذين أقلقهم الخوف على فلذات أكبادهم وأرّقهم
الواقع الماثل والمستقبل المغيب، والذين يريدون أن يجدوا في صحائف أعمالهم بعد
الموت عملاً صالحاً لا ينقطع، لن تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض محضناً أكثر
أمناً من محضن يجعل كتاب الله هو مادة التربية والتعليم وهو الموجه والمرشد.
فخلّوا بين أبنائكم وكتاب الله؛ يخلِّ لكم أبناءكم من الشرور ويملأ صدورهم
وقلوبهم بالنور؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ
اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم
السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ
فيمَن عندَهُ» (رواه مسلم، وأبو داود، بإسناد صحيح).
وليكن شعار بيوتنا جميعاً العمر كله: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ) (الإسراء: 9).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً