5 حِكَم للسكينة بعد عرفة.. لماذا يبيت الحجاج في مزدلفة؟

5 حِكَم للسكينة بعد عرفة.. لماذا يبيت الحجاج في مزدلفة؟

الانتقال إلى مزدلفة بعد عرفة لم يكن مجرد محطة تنظيمية بين مناسك الحج، وإنما رحلة تربوية مقصودة داخل مدرسة الحج، تحمل وحدها في داخلها معاني نفسية وإيمانية مختلفة، وكأن الحج لا يريد للإنسان أن يعيش الدين كطيف عاطفي عابر، وإنما كتوازن طويل بين حرارة الإيمان، وسكينة القلب، ولذلك جاءت مزدلفة بعد عرفة مباشرة، لتعيد تشكيل النفس بطريقة مختلفة، فلماذا مزدلفة بعد عرفة؟

أولاً: لأن الإيمان ليس انفعالاً عاطفياً دائماً:

في عرفة، يعيش الحاج واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً وجدانياً في حياته كلها، حيث لا يضيع دقيقة في غير دعاء، أو ذكر، أو بكاء، أو الشعور بالقرب من الله عز وجل.

فالوقوف بجبل عرفات ليس مجرد طقس أو شعيرة، بل تجربة تغير الإنسان من الداخل، فكثير من الحجاج حين وصفوا مشاعرهم في تلك اللحظة قالوا: إنهم يشعرون وكأنهم قد ولدوا من جديد بعد عرفة، فالدموع تنهمر دون قدرة على إيقافها، والقلب يخفق منفصلاً عن العالم الدنيوي وكأنه انتقل لعالم جديد بالفعل متصل بالسماء لا بالأرض، والصوت يرتجف بالدعاء، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة بأنه خير أيام الدعاء فقال: «خير الدعاء يوم عرفة» (رواه الترمذي).

ومع عظمة المشهد والمقام، إلا أن الإسلام لا يريد للإنسان أن يبقى أسير لحظة شعورية واحدة، لأن المشاعر مهما بلغت قوتها، فهي إلى هدوء مع الوقت، ولذلك فالإيمان الحقيقي لا يبنى على لحظات عاطفية مؤقتة، وإنما يبنى على الثبات بعد هدوء المشاعر، فجاءت مزدلفة بعد عرفة لتعلم الحاج أن القرب من الله لا يكون في لحظات البكاء والدعاء فقط، بل كذلك يكون في السكينة والصمت والطمأنينة.

ثانياً: لأن السكينة عبادة مثل الحركة تماماً:

ينتقل الحاج في رحلته من ذروة الحركة والطواف والسعي والوقوف بعرفة، إلى سكينة مزدلفة التي تفرض عبادة الهدوء والتأمل، فبعد يوم عرفة العظيم، لم يطلب الله من ضيوفه جهداً جديداً، بل منحهم رخصة المبيت والذكر الخفي عند المشعر الحرام، لتسكن الجوارح وتطمئن القلوب؛ يقول تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة: 198).

وقد بات النبي صلى الله عليه وسلم بمزدلفة حتى الفجر كما ورد في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم، والمشعر الحرام المذكور في القرآن هو جميع المزدلفة، وبه قال جمهور المفسرين وأصحاب الحديث والسير(1).

ولم يكن ذلك فراغاً بين المناسك، وإنما عبادة مقصودة يتعلم فيها المسلم أن السكينة ليست نقصاً في الإيمان، بل قد تكون من تمامه، قال النووي: المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات: نسك، وهذا مجمع عليه(2).

ثالثاً: لأن الإنسان بعد الانكسار يحتاج إلى الطمأنينة:

بعد وقوف الحاج بعرفة باكياً منكسراً، تأتي مزدلفة لتهدئة النفس بعد هذا التدفق الروحي العظيم؛ فالقلب يحتاج إلى الطمأنينة بعد شدة الرجاء؛ ولذلك تجلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الانتقال إليها ملتحفاً بالهدوء والسكينة ، فعن أسامة بن زيد قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة، نص قال وكيع: والنص يعني فوق العنق. (متفق عليه)، ومعنى الحديث: أنه كان يسير بسكينة وطمأنينة دون اندفاع أو اضطراب.

وكأن الحج يربي المسلم على أن الإيمان الحقيقي لا يصنع إنساناً متوتراً مضطرباً، وإنما إنساناً أكثر هدوءاً واتزاناً حتى بعد أشد لحظات التأثر.

رابعاً: لأن معارك الإنسان الكبرى تبدأ بأشياء صغيرة:

في مزدلفة، وبعد صلاة المغرب والعشاء مجتمعين، ينشغل الحاج بجمع حصيات صغيرة لرمي الجمرات في اليوم التالي، مشهد يبدو بسيطاً للغاية، لكنه يحمل معنى عميقاً، فالحرب مع الشيطان لا تبدأ بأسلحة ضخمة، وإنما تبدأ بأمور صغيرة قد يستهين بها الناس، فلم يطلب الإسلام من المسلم حمل سيف لمحاربة الشيطان، وإنما حصى صغيرة لا تكاد تؤذي طفلاً، لكنها ترمز إلى المقاومة، مقاومة كافة أمراض النفس وضعفها، مقاومة الكبر، والشهوة، والرياء، والغضب، والذنوب المتراكمة، فكما أن الجبال تُبنى من حصى، تُصنع النفس الصالحة بتراكم المجاهدات الصغيرة.

ولذلك، لم ينتقل الحجاج من عرفة إلى رمي الجمرات مباشرة؛ بل شُرعت مزدلفة لتكون محطة للتهيئة والإعداد النفسي قبل بدء المواجهة.

خامساً: لأن الإنسان لا يعود إلى الحياة كما تركها:

ليس المقصود من الحج أن يعيش المسلم أياماً مؤثرة ثم يعود بعدها كما كان، وإنما أن يعاد تشكيله من الداخل، ولذلك لم يجعل الله نهاية يوم عرفة احتفالًا صاخباً أو مشهداً استعراضياً، بل جعل نهايته نوماً على الأرض تحت السماء، ليعود الإنسان إلى فطرته الأولى بعيداً عن الزينة والترف والتكلف، ففي مزدلفة تختفي كافة الفوارق الاجتماعية تماماً، الغني والفقير على التراب نائمون، المسؤول والعامل البسيط، الجميع يفترشون الأرض بلا أدنى فروق ظاهرة، لأن النفس بعد أن تهتز بعرفة، تحتاج إلى أن تستقر، وبعد أن تبكي، تحتاج إلى أن تهدأ، وبعد أن تواجه ضعفها أمام الله، تحتاج إلى طمأنينة تساعدها على بدء حياة جديدة أكثر توازناً.

وأخيراً، فإن مناسك الحج وترتيبها لم يكن أمراً عبثياً لمجرد أداء الفريضة، وإنما لكل توقيت، ولكل موضع حكمة أراد الله منها درساً عظيماً في طريق تشكيل نفس عظيمة، تصلح لأن تقود الدنيا إلى عمران الدنيا والآخرة لتضمن سعادة الإنسان المطلقة في الدارين.

الهوامش
  • 1 النووي المجموع (8/ 152).
  • 2 شرح النووي على مسلم (8/ 188).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة