5 قرارات إستراتيجية صنعت نجاح الهجرة النبوية
تقاس الأحداث
الكبرى بحجم ما تحدثه من تغيرات أو تحولات في مسار التاريخ، ومن هذا المنطلق كانت
الهجرة النبوية من أعظم الأحداث في تاريخ البشرية، وهنا يبرز سؤال محوري: لماذا
نجحت الهجرة بينما كانت هناك عبر التاريخ حركات إصلاحية ولم تنجح؟ لماذا كانت
الهجرة نقطة ارتكاز عظيمة في تاريخ الإنسانية، استطاعت الأمة الوليدة من خلالها أن
تنطلق من يثرب لتمتد من حدود الصين شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً؟
إن الهجرة لم
تكن حدثاً عابراً كرد فعل لاضطهاد قريش، إنما كانت مشروعاً إستراتيجياً دقيقاً أعد
له طويلاً للخروج بالإسلام من حيز المحلية، واتخذت خلاله قرارات مصيرية صنعت نجاحه
التاريخي، ومن بين تلك القرارات يمكننا أن نقف عند خمسة منها، كان لكل واحد من
بينها أثر مباشر في نجاح المشروع الإسلامي كله:
أولاً: تأمين الوطن البديل قبل مغادرة مكة:
من أخطاء
التخطيط الكبرى أن تغادر أرضك دون أن تجد بديلاً أكثر ثباتاً قبل مغادرتك، ويظن
البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك مكة أولاً، ثم أخذ في البحث عن وطن بديل
للدين الجديد بعد خروجه منها، فالوقائع التاريخية تؤكد عكس ذلك، حيث اتجه نحو
الطائف بحثاً عن مجتمع قادر على حماية الدعوة واستقبالها، ولهذا كان النبي صلى
الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل.
فعن جابر بن عبدالله
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول: «ألا رجل
يعرض عليّ قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» (صحيح سنن الترمذي)،
واستمر الأمر طويلاً حتى التقى بوفود الأوس والخزرج، ثم جاءت بيعة العقبة الأولى
ثم الثانية التي تضمنت التزاماً بالنصرة والحماية.
وهنا يظهر
القرار الإستراتيجي الأول: عدم مغادرة البيئة القديمة قبل التأكد من وجود بيئة
جديدة قابلة للحياة، فالهجرة لم تكن قفزة نحو المجهول، بل كانت انتقالاً مدروساً
بوعي لبيئة سبق إعدادها جيداً، ونفوس أحسن تربيتها، ولهذا سجل الله تعالى قصة
الهجرة في كتابه العزيز، فقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ
أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر 10).
ثانياً: تأمين النصرة والمنعة قبل الرحيل:
مثلت بيعتا
العقبة الأولى والثانية تأسيساً قوياً لقاعدة اجتماعية متينة تستقبل الدين الجديد
وتذود عنه، يقول د. علي الصلابي: كانت البداية مثمرة مع وفد من الخزرج في موسم
الحج، عند عقبة منى، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنتم؟»، قال: «أمن
موالي يهود؟»، قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟»(1)، وعرض عليهم
النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلموا، وحين عادوا إلى قومهم دعوهم حتى فشا
بينهم؛ «فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم»(2).
وهذا يعني أن
الهجرة لم تسبقها ترتيبات أمنية فقط، بل سبقها إعداد ثقافي واجتماعي وفكري،
فالرسالة التي ستنتقل إلى المدينة كانت قد وصلت بالفعل إلى قلوب كثير من أهلها.
ثالثاً: قرار اختيار الرفيق المناسب:
وفي المنعطفات
التاريخية الكبرى، تبرز ركيزة «الرفيق أولاً»؛ فلم تكن رحلة المصير بحاجة لقوة
مادية كعمر أو حمزة، بل لروحٍ كأبي بكر الصديق، قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر كثيراً
ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة؛ فيقول له النبي صلى الله عليه
وسلم: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً» فيطمع أبو بكر أن يكونه.
فرح الصديق
بالخبر: قال ابن إسحاق: عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية،
حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج
من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة
كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث. (رواه البخاري، ومسلم).
لقد كان الرجل
حريصاً على الصحبة، تواقاً لها، ولذلك أعد لها العدة وخطط وأعد أهله لما بعدها،
وقد كان بالفعل حريصاً على سلامة النبي صلى الله عليه وسلم في كل مواضع الرحلة،
فعن أنس بن مالك: أن أبا بكر الصديق حدثه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا
ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه،
فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (رواه البخاري، ومسلم).
إن قرار اختيار
الصديق صاحباً في الهجرة يعلمنا أن المشاريع الكبرى لا يعتمد نجاحها على عظم
الفكرة وحدها، وإنما قدرة من يحملونها كذلك.
رابعاً: قرار التخطيط للعوائق المحتملة:
من أعظم الدروس
الإستراتيجية في الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع الأخطار
بالإنكار أو التهوين، أو التقليل من شأن العدو بدعوى التوكل على الله، وأن النصر
للإسلام، لقد كانت هناك تحديات كبيرة في سبيل الهجرة، كرصد مكافآت ضخمة لمن يوقف
الركب المهاجر، قال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة
مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم(3).
فانتشرت فرق
المطاردة في أنحاء الجزيرة، ولذلك اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم عدة إجراءات
لتفويت الفرصة على مطارديه في اللحاق به؛ اختيار وقت الخروج، وإخفاء الوجهة
الحقيقية، والمبيت في غار ثور في جنوب مكة مع أن المدينة تجاه الشمال، واستخدام
دليل محترف، وطمس الآثار بالأغنام، فالقائد الحقيقي لا يقلل من شأن التحديات، بل
يتعامل معها ويضع بدائل لكل ظرف يمكن أن يطرأ.
خامساً: قرار البدء ببناء المؤسسات فور الوصول:
في الرسالات
الكبرى، لا وقت للراحة أو التقاط الأنفاس، فبمجرد الوصول بعد رحلة شاقة بدأ العمل
بوضع أسس بناء الدولة.
فأول شيء فعله
صلى الله عليه وسلم في قباء هو بناء المسجد، وأول شيء فعله في المدينة المنورة
بناء المسجد النبوي، وفعله هذا ليس مصادفة أو إشارة عابرة، بل هو منهج أصيل.
فلا قيام لأمة
إسلامية بغير تفعيل لدور المسجد(4)، وتلك إشارة كبيرة لأهمية دور
المسجد في بناء الدولة المسلمة.
إن نجاح
الانتقال من مكة للمدينة لم يكن وحده كافياً لبناء دولة، وإنما كان العمل الدؤوب
فور الوصول ببناء المؤسسات، فمن المسجد تمت المؤاخاة، ومن المسجد انطلقت وثيقة
المدينة، ومن المسجد انطلقت الغزوات ثم الفتوحات، ومن المسجد اتخذت أهم قرارات
الدولة، وبذلك تحولت جماعة مستضعفة هاجرت هروباً، إلى أمة رسالة ودولة وحضارة.
ولعل أعظم ما نتعلمه من الهجرة أن التاريخ لا تصنعه الأمنيات، وإنما تصنعه القرارات الصحيحة حين تتخذ في الوقت المناسب، فبين مكة والمدينة لم تكن المسافة هي التي غيرت العالم، بل كانت الرؤية التي أدارت تلك الرحلة، والقرارات التي صنعت نجاحها.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً