يوميات متقاعد (26)

دروس الاحتواء وإدارة الخلاف

دروس الاحتواء وإدارة الخلاف

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

رحلة بين القلوب والأماكن.. كيف نصنع الفرح ونحل المشكلات؟

نبدأ بهذا الموقف الذي حدث في 4 مايو 2025م، حيث كان لدينا مُصَلّى في مسجد حيِّنا يمتاز بالنشاط والحيويَّة والحماس والطاقة في إقامة علاقات مع أهل المسجد وإدخال سرور في قلوبهم، وذات يوم علَّق أحد المصلين جهاز العطورات داخل المسجد بنيَّة حسنة، إذ رأى أن رائحة المسجد لا تُطاق، وبالتالي لا بُدَّ من تغييرها من خلال هذا الجهاز والعطورات التي فيه.

لكن أحد روّاد المسجد كانت عنده حساسية من هذه العطورات، فقام وأطفأ الجهاز، ثم قام المُصَلِّي صاحب النشاط والحماس والطاقة بتشغيله من جديد، هنا بدأ الموقف يأخذ منحى تصاعدياً، ولكنَّه لم يصل إلى النزاع، لأنَّ الجميع احتكموا إلى إمام المسجد.

الاحتواء بدل التصعيد

اتَّفقنا جميعاً على حلٍّ وسط، وهو أنَّه في وقت الصلوات يتمُّ إطفاء الجهاز، وخارج أوقات الصلوات يتمُّ تشغيله لتلطيف الجو داخل المسجد، وهكذا تمَّ حلُّ المشكلة.

فهذه طريقة من طرق حلّ المشكلات التي تقع بين أفراد المسجد، وأفراد المؤسَّسات، وأفراد البيت، حيث إنَّ الإنسان عندما يبحث عن حلّ وسط يُرضي الجميع ويراعي مشاعرهم، فإنَّه يختار الطريق الصحيح في احتواء المشكلات بدلاً من التصعيد.

والأصل في حلّ المشكلات الاحتواء وليس التصعيد، كان بإمكان المُصَلِّي المتضايق الذي يعاني من الحساسية أن يُصعِّد الموقف ويكتب شكوى، وهذا خطأ، وكان بإمكان صاحب النشاط والحيويَّة والطاقة أن يُصِرَّ على رأيه ويُشغِّل الجهاز على مدار الساعة، وهذا أيضاً خطأ.

لكنَّ الصواب كان في موقف الإمام الذي احتوى المشكلة وأوجد حلاً وسطاً يُرضي الجميع، وهذا درس عملي في فن إدارة الخلافات.

بداية الرحلة إلى تركيا

ننتقل إلى موقف آخر حدث في 5 مايو 2025م، في هذا اليوم اتَّفقتُ أنا وأخي د. زهير أن نسافر لمدَّة 7 أيَّام إلى تركيا، وكانت هذه السفرة سفرة رائعة أدخلتُ من خلالها السرور في قلب أخي، حيث قال لي بالحرف الواحد: إنَّه كان ينتظر هذه الرحلة منذ 12 سنة، وقد آن أوانها.

فالحمد لله الذي مكَّنني من إدخال السرور في قلب أخي، فما لدينا في هذه الدنيا إلَّا أحبابنا وزملاؤنا وأصدقاؤنا وأقرباؤنا وأفراد عائلاتنا، وهؤلاء هم الذين ينبغي أن نحرص على إدخال السرور في قلوبهم.

في هذه الرحلة إلى تركيا تيسَّرت الأمور بشكل غير متوقَّع، كانت الرحلة رائعة، لم يكن فيها تأخير، وكانت الطائرة هادئة في سفرنا من غير مطبَّات، وعندما وصلنا إلى مطار صبيحة الدولي لم نجد ازدحاماً في الطوابير، وتمَّ ختم جوازاتنا بسهولة ويُسر.

ثم ذهبنا إلى سوبر ماركت مشهور اسمه «مايغروز»؛ وهي سلسلة سوبر ماركت مشهورة جداً في تركيا تابعة لشركة «Migros Ticaret A.Ş» لنشتري طعاماً لذلك اليوم، وأعتقد أنَّ هذا كلَّه كان بسبب الدعاء الذي دعا به أخي أن يُيسِّر الله لنا أمر هذه الرحلة، فالدعاء قويٌّ، وعلى الإنسان قبل أن يسافر أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يُيسِّر له أمره.

مدينة بورصة.. عبق التاريخ وجمال الطبيعة

توالت الأنشطة أثناء وجودنا في مدينة بورصة، وهي المدينة الكبيرة الثانية في تركيا، وكانت عاصمة الدولة العثمانيَّة الأولى.

في صبيحة اليوم التالي، ذهبنا إلى أحد المولات الكبيرة هناك، ويُعرف باسم «ماركة مول»، حيث تناولنا الفطور معاً، ثم بعد ذلك قمنا بتبديل السيارة التي استأجرناها، لأنَّها كانت تهتز أثناء القيادة في الطريق، فذهبنا إلى نفس الشركة لتأجير السيارات وكان لها فرع في بورصة، وقاموا باستقبالنا بحفاوة وحسن ضيافة، وبدَّلوا السيارة لنا بأخرى من غير اهتزازات، فشكرناهم على ذلك.

جولة بين الشلالات والحدائق

في اليوم نفسه، ذهبنا إلى شلالات تُسمى بشلالات «سعيد آباد»، وقمنا بشراء بعض الهدايا من سوبر ماركت صاحبه أخٌ سوريٌّ، وفي طريق العودة زرنا مصنعاً لصناعة المربَّى، وكان اسمه «المربابجي»، وكلمة «جي» في نهاية الكلمة تشير إلى صانع المربَّى (Reçelci).

ثم زرنا حديقة تُسمى «هُدافندكار»، وهي حديقة تتمتع بسعة الأفق وتنوُّع الأشجار، وكان الأطفال يلعبون هنا وهناك، والآيس كريم يُباع في كل مكان، ممَّا أضفى جواً من البهجة.

وفي اليوم الثاني، بدأنا نُصلِّي الصلوات الخمس في أقرب مسجد لمكان سكننا، وتعرَّفنا على الإمام واسمه الشيخ رجب، وتعرَّفنا على بعض المصلِّين هناك، وكانت اللغة المشتركة بيننا هي الكلمات العربية البسيطة مثل السلام عليكم، وكيف حالكم؟

وكان اسم المسجد «أولياء الله» (Evliyalar)، وهو اسم جميل يُضفي روحاً خاصة على المكان، وفي مساء تلك الليلة تناولنا وجبة العشاء في البيت الذي كنا نسكن فيه، حيث قمنا بإعداد الطعام بأنفسنا من بيض وطماطم وخيار وفاكهة.

يوم الفلافل والذكريات الجميلة!

في 7 مايو 2025م، ذهبنا إلى محلٍّ يبيع سندويش الفلافل بالقرب من مول كينت ميدان، وكان اسمه «ملك الفلافل» (Falafel Kralı)، وكانت الفلافل لذيذة جداً، خصوصاً أننا لم نتناولها منذ 3 أيام.

ثم زرنا مول «كينت ميدان» (Kent Meydanı)؛ بمعنى مول ساحة المدينة، واشترينا منتجات تركية من متجر يُسمى «كافيه دونياسي»؛ أي عالم القهوة، وبعد ذلك زرنا «مكتبة بورصة الوطنية»، وكانت مكتبة رائعة أُعجب بها أخي كثيراً، واشتريتُ كتاباً عن كيفية تجنُّب السرطان من خلال الغذاء، وكان كتاباً مميَّزاً، وأهديته لأختي عند عودتي إلى الكويت، لأن هذا المجال من اهتماماتها.

مغامرة البحيرة والقصص الإنسانية!

زرنا أيضاً بحيرة تُسمى «نَفَس» (Nefes Gölü)، وهي بحيرة جميلة جداً، واستأجرنا مركباً في يومٍعاصف، وكانت الرياح شديدة، ممَّا أضفى طابعاً من المغامرة.

وتحدَّثنا مع شخص سوري اسمه غسّان، وسمعنا منه قصة عجيبة حول رحلته الصعبة من سورية إلى تركيا وكيف جلب أهله معه أثناء الأزمة السورية، وكانت قصته مؤثِّرة وتحمل معاني الصبر والإصرار.

وفي 8 مايو 2025م، استمتعنا بنعمة المشي في حديقة بورصة الكبيرة ذات الأشجار الكثيفة، ثم زرنا حديقة أخرى تُسمى «Gök Daire»، التي تعني المسارات الدائرية السماوية، وفي الصباح تناولنا الفطور في مدينة مودانيا، في مطعمٍ يُسمى «يلدز تبه»؛ بمعنى تلة النجمة، وكان يُطلُّ على بحر مرمرة، واستمتعنا بمشهد البحر من أعلى الجبال، وكان منظراً يأخذ الأنفاس.

التاريخ العثماني حيٌّ في كل زاوية

بعد ذلك زرنا بانوراما بورصة، التي تحكي تاريخ الدولة العثمانية، واشترينا بعض الهدايا التذكارية مثل الأكواب والمعلَّقات، ثم زرنا قبر عثمان مؤسس الدولة العثمانية الذي دفن في مدينة بورصة، وكذلك قبر زوجة ابنه أورهان، وهي نيلوفر (Nilüfer)؛ أي زهرة اللوتس، التي سُمِّيت مناطق كثيرة في بورصة باسمها.

في اليوم نفسه، زرنا الجالية العربية في بورصة، وقدَّمتُ محاضرة عن مهارات القيادة الفعَّالة، بينما قدَّم أخي د. زهير محاضرة عن كيف تتشكَّل القيم القرآنية في أذهان الناس، وكان معظم الحضور من الإخوة الفلسطينيين.

ختام الرحلة بروحانية الجمعة

في يوم الجمعة 9 مايو 2025م، حرصنا على أداء صلاة الجمعة في أقدم جامع في بورصة، وهو الجامع الكبير الذي بُني عام 1399م، وكانت تجربة روحانية مميزة ختمت يومنا بأجمل صورة.

هذه الرحلة لم تكن مجرَّد انتقال من مكان إلى مكان، بل كانت رحلة في القيم، في العلاقات، وفي إدخال السرور، وفي فهم الحياة بشكل أعمق، من موقف بسيط في مسجد إلى رحلة ممتدَّة في تركيا، يتبيَّن لنا أن الإنسان يستطيع أن يصنع الفرق إما بالتصعيد أو بالاحتواء، إماً بالأنانية أو بالمحبة.

فالاختيار بأيدينا، والطريق واضح لمن أراد أن يسير فيه.

___________

مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة