دروس من تحويل القبلة
شهد شعبان 2هـ حدثًا
عظيمًا زلزل أركان المدينة، وهو حدث تحويل القبلة، فبعد أن كان النبي صلى الله
عليه وسلم يصلي ناحية بيت المقدس، إذ به يتحول ليصلي مستقبِلًا البيت الحرام.
فعَنِ
الْبَرَاءِ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ،
صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) (البقرة: 144)؛ فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ
الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ
يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ قَدْ
وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ»(1).
دروس من تحويل القبلة
1– أهمية المسجد الأقصى:
تحويل القبلة من
المسجد الأقصى إلى البيت الحرام، يبين لنا الأهمية العظمى للمسجد الأقصى، فالله
جلت قدرته كان من الممكن أن يجعل القبلة للبيت الحرام من البداية، فقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم يصلي إليهما وهو في مكة، فيصلى لبيت المقدس جاعلًا الكعبة بين
يديه، فلما هاجر إلى المدينة تعثر الجمع بينهما، فظل يصلي لبيت المقدس نحو 16
شهرًا؛ ما أحدث في قلبه وحشة كبيرة لبيت الله الحرام.
والسؤال: لِمَ
الصلاة لبيت المقدس كل هذه المدة طالما سيتحول عنها؟ والجواب هو أهمية وفضل بيت
المقدس، وتحريره واجب على المسلمين، والحفاظ عليه من المسلَّمات الإسلامية.
2– لا يضيع الله عمل مؤمن:
جاء بعض الصحابة
يسألون دون اعتراض أو شك، يسألون عن صلاة إخوانهم الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة،
فأنزل الله تعالى: (وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة: 143)، قال الإمام ابن
كثير: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله(2).
3– أهمية السياسة الشرعية في حياة الأمة:
لقد كان من
التوجه لبيت المقدس شيئًا من السياسة الشرعية، وهو تألف اليهود علهم أن يسلموا وهم
يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى عند تحول القبلة ظهرت السياسة الشرعية،
فلم يأت الأمر مجردًا بالتحول لبيت الله الحرام، بل معه: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)، ومعه أيضًا: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ
الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن
يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ) (البقرة: 143)، وأيضًا: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: 143).
4– ضرورة الثبات عند الاختبار:
يبين الله تعالى
أن القبلة كانت لبيت المقدس، ثم تحولت للكعبة المشرفة، ليكون ذلك ابتلاءً
للمؤمنين، ولبيان صدق إيمانهم من كذبه، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ
وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)، وهنا
يمتدح من ثبت واتبع الرسول في التغيير دون وجه اعتراض، ويصم بالسفه كل من اعترض
على أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
5– اقتداء الصحابة:
الصحابة كانوا
يعرفون معنى الاقتداء، ومعنى السمع والطاعة؛ لأنهم يعلمون أن أمر الله وأمر رسوله صلى
الله عليه وسلم هو الحق والصدق وإن لم يوافق العقل، بل كانوا يتعاملون بمبدأ عظيم
وهو: «لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ»(3).
6– عظم قدر النبي:
قدر العبد عند
الله تعالى بقدر قدره عند الله تعالى، فالعظيم من عظمه الله تعالى، وقدر النبي صلى
الله عليه وسلم رفيع عند ربه سبحانه، لذلك قال له ربه: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح: 4)، ويظهر
قدر النبي صلى الله عليه وسلم هنا في قصة تحويل القبلة عند قول الله تعالى له: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)، فلم يقل له
قبلة نحبها أو نريدها، ولكن ترضاها، فما أعظم مقام وقدر النبي صلى الله عليه وسلم
عند ربه!
7- أهمية الدعاء:
كان النبي صلى
الله عليه وسلم يحب الاتجاه ناحية الكعبة، ولكن أمرًا كهذا لا يكون إلا من عند
الله عز وجل فلا حيلة فيه للبشر، لذلك لم يكن أمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا
الدعاء ثم الدعاء، بل والإلحاح فيه، وإن الله تعالى يحب عبده اللحوح، أي في دعائه،
وألح النبي صلى الله عليه وسلم على ربه مرارًا حتى قال عنه سبحانه: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
فِي السَّمَاءِ)؛ فعندئذ جاءت الإجابة.
حول ليلة النصف من شعبان
كثرت الأحاديث في ليلة النصف ولم يصح منها في فضل هذه الليلة سوى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه»(4)، وقوله: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن»(5).