يوميات متقاعد (67)

دروس من يوم حافل بالأحداث والتجارب

رجل_مسن_يجلس_على_ربوة_يدون

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبَر المستفادة منها.

يحمل بعض الأيام أحداثًا متتابعة تترك في النفس أثرًا عميقًا، وتمنح الإنسان دروسًا عملية في الاستفادة من التقنية، وخدمة الآخرين، واستثمار الوقت، وتطوير المبادرات النافعة. وكان يوم 12 أغسطس 2025م، واحدًا من تلك الأيام التي تنوَّعت فيها المواقف، واجتمعت فيها تجارب مختلفة، لكنها اشتركت جميعًا في هدف واحد، وهو البحث عن الخير، وتسخير الإمكانات المتاحة لخدمة الناس، والاستفادة من الوسائل الحديثة في تحقيق المقاصد النبيلة.

الذكاء الاصطناعي والإنترنت في خدمة المبادرات الخيرية

بدأت أحداث ذلك اليوم باتصال من أخ عزيز طلب مني مساعدته في الوصول إلى المراكز الإسلامية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المعروف أن هذه المراكز كثيرة جدًّا، وتنتشر في مختلف الولايات والمدن الأمريكية. ويكفي أن نعلم أن مدينة لوس أنجلِس، وهي مدينة واحدة في ولاية كاليفورنيا، تضم نحو 45 مركزًا إسلاميًّا، فما بالنا ببقية مدن الولاية، فضلًا عن بقية الولايات الأمريكية التي يبلغ عددها 50 ولاية.

في البداية قد يظن بعض الناس أن جمع هذه المعلومات مهمة شاقة، لكنني لجأت إلى شبكة الإنترنت، فوجدت قواعد بيانات منظمة تحتوي على أسماء المراكز الإسلامية، وعناوينها، وأرقام هواتفها، ووسائل التواصل معها. وما إن حصلت على هذه المعلومات حتى أرسلتها مباشرة إلى ذلك الأخ الكريم ليستفيد منها في مشروعه.

وهنا توقفت عند درس مهم، وهو أن الإنسان لا ينبغي له أن يستسلم لفكرة توحي باستحالة إنجاز أي مهمة قبل أن يبحث عنها بالوسائل الحديثة. ففي عصر الإنترنت، ومع التطور الكبير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي، أصبحت كثير من الأعمال التي كانت تحتاج إلى أيام أو أسابيع تُنجَز في وقت قصير جدًّا.

وقد أدركت فيما بعد أن لهذا الطلب هدفًا نبيلًا؛ إذ كان لدى ذلك الأخ منهج متكامل في القيم القرآنية، يسعى إلى نشره في المدارس التابعة للمراكز الإسلامية، من خلال تدريب المعلمين والمعلمات على تطبيقه، ليكون وسيلة لتربية الأبناء والبنات على القيم الإسلامية الأصيلة.

المراكز الإسلامية ودورها في تربية الأجيال

تؤدي المراكز الإسلامية في الدول غير الإسلامية دورًا محوريًّا في المحافظة على هوية المسلمين، وتعزيز ارتباط أبنائهم بدينهم ولغتهم وثقافتهم. فهي لا تقتصر على إقامة الصلوات والأنشطة التعبدية، بل تهتم أيضًا بتعليم الأطفال منذ سنواتهم الأولى، وتوفير البرامج التربوية والتعليمية المناسبة لهم.

كما تخصص كثير من هذه المراكز يومًا أو يومين في الأسبوع، وغالبًا ما يكونان يومي السبت والأحد، لتقديم دروس في القرآن الكريم، والعقيدة، والسيرة النبوية، والأخلاق الإسلامية، بما يتناسب مع أعمار الطلاب وحاجاتهم.

ولهذا، فإن توفير مناهج تربوية رصينة، وبرامج تعليمية قائمة على القيم القرآنية، يُعَدُّ من أفضل صور الاستثمار في بناء الأجيال؛ لأن أثره يمتد إلى سنوات طويلة، وينعكس على الأسرة والمجتمع بأسره.

رسالة تعزية إلى أسرة صحفي من غزة

ومن الأحداث المؤثرة في اليوم نفسه خبر وفاة أحد الصحفيين العاملين في غزة، وهو الصحفي أنس الشريف، الذي كان ينقل للعالم تفاصيل الأحداث لحظة بلحظة، ويوثق معاناة الناس على أرض الواقع بكل مهنية وشجاعة.

وقد شعرت بالحزن عند سماع هذا الخبر، وأردت أن أقدِّم واجب العزاء لأسرته، فبحثت عن وسيلة للتواصل معهم، حتى عثرت على رقم منشور عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فأرسلت رسالة تعزية دعوت فيها الله سبحانه وتعالى أن يتقبله في الشهداء، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

كما أكدت لهم أننا في دولة الكويت نقف إلى جانبهم، وأن الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإنسانية الكويتية، التي يزيد عددها على 150 جمعية ومبرة خيرية، تمتلك سجلًّا طويلًا في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية، وهي على استعداد للمساهمة في دعم الأسر المتضررة، كلما تيسرت السبل إلى ذلك.

ولا يملك المسلم أمام ما يجري في غزة إلا أن يُكثر من الدعاء، سائلًا الله سبحانه وتعالى أن يثبت أهلها، ويربط على قلوبهم، ويصبِّرهم، ويحفظهم، ويكتب لهم الفرج القريب، وأن يرفع عنهم ما هم فيه من شدة وبلاء.

بين التقنية والإنسانية

تكشف هذه المواقف المتعددة عن حقيقة مهمة، وهي أن التقنية الحديثة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة يمكن توظيفها في خدمة الإنسان، وتحقيق الخير، وتقريب المسافات بين الناس، وتيسير الوصول إلى المعلومات، ودعم المبادرات التعليمية والدعوية والإنسانية.

فالإنترنت والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت أدوات مؤثرة، يستطيع الإنسان من خلالها أن يخدم الآخرين، ويصل إلى أصحاب المبادرات، ويتواصل مع المحتاجين، وينشر المعرفة، ويشارك في الأعمال النافعة، متى أحسن استخدامها، واستثمرها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى.

مشروع نهايات الآيات القرآنية وأثره في تثبيت الحفظ

ومن الأحداث التي استوقفتني في اليوم نفسه أنني كنت أراجع بعض المشروعات غير المكتملة المحفوظة في حاسوبي، فوقعت على مشروع قديم يحمل عنوان «نهايات الآيات القرآنية». وقد استغرق هذا المشروع نحو شهر كامل من العمل المتواصل خلال أحد أشهر رمضان الماضية، إذ كان الهدف منه دراسة نهايات 6236 آية من آيات القرآن الكريم، ومحاولة تصنيفها وفق أنماط متكررة تساعد على فهمها والاستفادة منها.

وانطلقت فكرة المشروع من ملاحظة أن كثيرًا من حفظة القرآن الكريم يواجهون صعوبة في تمييز خواتيم الآيات المتشابهة، مثل الآيات التي تنتهي بألفاظ من قبيل: «عليم»، و«تعلمون»، و«يعلمون»، وغيرها من الألفاظ التي تتكرر في مواضع متعددة، مع اختلاف السياق والمعنى.

ومن هنا برزت فكرة البحث عن قواعد أو أنماط تربط بين موضوع الآية وخاتمتها، بحيث تصبح هذه الروابط وسائل مساعدة للحفظ والاستذكار، فيتمكن الحافظ من استحضار نهاية الآية بطريقة أسهل وأكثر دقة.

ولا شك أن أي جهد علمي يسهم في خدمة كتاب الله تعالى، ويعين على حفظه وفهمه، يُعَدُّ من الأعمال المباركة، خاصة إذا كان قائمًا على الدراسة والتأمل، بعيدًا عن التكلف أو تحميل النصوص ما لا تحتمل. وما زلت أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لإكمال هذا المشروع، وأن يلهمني الأفكار التي تساعد على الوصول إلى نتائج نافعة يستفيد منها حفظة القرآن الكريم وطلابه.

تجربة تطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي

ومن المواقف اللافتة في ذلك اليوم أيضًا أن أخًا عزيزًا تواصل معي بعد أن انتهى من تطوير تطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وطلب مني تجربته وإبداء الملاحظات حوله قبل إطلاقه بصورة أوسع.

وتقوم فكرة التطبيق على طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بسلوك الإنسان وعبادته وأخلاقه وعلاقته بربه، ثم يحلل الذكاء الاصطناعي الإجابات، ويقدم للمستخدم مؤشرًا تقريبيًّا يساعده على تقييم حاله، ويشجعه على مراجعة نفسه والعمل على تحسينها.

وقد رأيت أن الفكرة في أصلها تهدف إلى تشجيع الإنسان على محاسبة نفسه، وهو مقصد محمود إذا قُدِّم بأسلوب صحيح. ومع ذلك، أوضحت لصاحب التطبيق أن قرب الإنسان من الله سبحانه وتعالى لا يمكن الجزم به من خلال برنامج أو خوارزمية؛ لأن حقيقة الإيمان وما في القلوب من إخلاص أو تقوى لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

ولهذا اقترحت عليه إعادة صياغة بعض الأسئلة لتكون أكثر دقة وواقعية، وأن يكون الهدف من التطبيق تعزيز ثقافة المراجعة الذاتية، لا إصدار أحكام قطعية على الناس أو قياس إيمانهم بقياس رقمي.

وقد رحب بهذه الملاحظات، وأبدى استعداده لتطوير التطبيق بما يجعله أكثر فائدة؛ لأن نجاح أي مشروع تقني يعتمد على جودة الفكرة، وسلامة المنهج، والاستفادة من آراء المختصين والمستخدمين قبل إطلاقه.

إن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا واسعة في مجالات التعليم والتدريب والإرشاد، لكنه يبقى أداة مساعدة، ولا يمكن أن يحل محل العلم الشرعي، أو التربية الإيمانية، أو المحاسبة الصادقة للنفس التي تنبع من يقظة القلب ومراقبة الله سبحانه وتعالى.

التقاعد بداية مرحلة جديدة من العطاء

وفي اليوم نفسه اتفقت مع أخي الأكبر على القيام بجولة مشي رياضي في أحد المراكز التجارية بدولة الكويت. وكان قد تقاعد حديثًا من عمله، وأراد أن يتحاور معي حول كيفية الاستفادة من مرحلة التقاعد، خاصة أنني سبقته إلى التقاعد منذ نحو خمس سنوات، واكتسبت خلال هذه الفترة بعض الخبرات التي أحببت أن أنقلها إليه.

وأخبرته أن التقاعد لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه نهاية العطاء، بل هو بداية مرحلة جديدة يمتلك فيها الإنسان وقتًا أوسع، يستطيع أن يوجهه إلى ما ينفعه في دينه ودنياه.

فالإنسان الذي يتقاعد دون أن يضع لنفسه أهدافًا أو برامج يومية قد يجد نفسه أسير الفراغ، فتتشابه عنده الأيام، ولا يشعر بمرور الوقت، وقد يتسلل إليه الملل شيئًا فشيئًا. أما من يملأ وقته بالأعمال النافعة، فإنه يعيش حياة أكثر نشاطًا وإنتاجًا وطمأنينة.

ومن أفضل ما يمكن أن يشغل به المتقاعد وقته حفظ القرآن الكريم أو مراجعته، وطلب العلم، وقراءة الكتب، والمشاركة في الأعمال التطوعية، وصلة الأرحام، وخدمة المجتمع، والمحافظة على الرياضة، والعناية بالصحة، وتطوير المهارات، ومساندة أفراد الأسرة فيما يعود عليهم بالنفع.

وقد قرأت سابقًا بعض الدراسات التي تشير إلى أن المحافظة على النشاط الذهني والاجتماعي والجسدي بعد التقاعد ترتبط بتحسن جودة الحياة والصحة العامة. ومع ذلك، فإن الآجال بيد الله سبحانه وتعالى وحده، ولا يعلم موعدها إلا هو، ولذلك لا ينبغي ربط عمر الإنسان بأرقام أو متوسطات على سبيل الجزم.

وقد دلت النصوص الشرعية على فضل كثير من الأعمال الصالحة، ومن ذلك صلة الرحم، التي ورد في شأنها أن الله سبحانه وتعالى يبارك لصاحبها في عمره ورزقه. كما أن أبواب الخير في الإسلام كثيرة، وتشمل الإحسان إلى الناس، وتعليم العلم، والصدقة، والإصلاح بين الناس، وبذل المعروف، وكلها أعمال تملأ حياة الإنسان بالمعنى، وتجعله أكثر أثرًا في مجتمعه.

إن التقاعد الناجح ليس انتقالًا من العمل إلى الفراغ، وإنما انتقال من الوظيفة إلى رسالة أوسع، يختار فيها الإنسان ما يناسب قدراته وميوله، ويواصل من خلالها العطاء ما دام قادرًا على ذلك.

يكشف هذا اليوم الحافل بالأحداث كيف يمكن للإنسان أن يحول المواقف اليومية إلى فرص للتعلم والعطاء. فمن البحث عن المراكز الإسلامية، إلى مواساة أسرة صحفي، مرورًا بمراجعة مشروع لخدمة حفظ القرآن الكريم، وتجربة تطبيق قائم على الذكاء الاصطناعي، ثم التأمل في مرحلة التقاعد، تتجلى حقيقة واحدة، وهي أن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه من نفع للآخرين، وبقدر حرصه على استثمار وقته فيما يعود عليه وعلى مجتمعه بالخير.

كما تؤكد هذه التجارب أن التقنية الحديثة، إذا استُخدمت استخدامًا واعيًا، يمكن أن تكون وسيلة فعالة لخدمة العلم، والدعوة، والتعليم، والعمل الإنساني، وأن التخطيط الجيد، وحسن استثمار الوقت، ومحاسبة النفس، والعمل الصالح، هي مفاتيح النجاح في مختلف مراحل الحياة، بإذن الله تعالى.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة