قضاء الدَّيْن.. أدعية نبوية لسعة الفرج
في لحظات الضيق
التي يثقل فيها الدَّيْنُ الكاهلَ، ويضيق فيها الصدرُ من ثقل الهمّ والالتزامات،
لا يجد المؤمن ملجأ أصدق ولا بابًا أوسع من باب السماء، يرفع يديه متضرعًا إلى
ربه، يردد بقلب منكسر: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك»، فما
من همٍّ إلا له فرج، ولا دينٍ إلا له مخرج.
منزلة الدعاء في قضاء الدَّيْن
الدعاء ليس مجرد
ألفاظ تُقال، بل هو عبودية خالصة، وتفويض تامّ للأمر إلى الله عز وجل، كما قال
تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل: 62).
وكان النبي صلى
الله عليه وسلم يكثر من الدعاء لتفريج الكرب وقضاء الدين، ويُعلّمه أصحابه؛ ليكون
لهم زادًا في أوقات الشدة.
أدعية نبوية في قضاء الدَّيْن
حملت السُّنة
النبوية عددا من الأدعية العظيمة لسداد الدين، منها ما يأتي:
1- استعاذة النبي من الدَّيْن:
روى البخاري،
ومسلم، عن عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ
مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: «إِنَّ
الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ»؛ والمراد بالمأثم:
الإثم والذنب، أما المغرم فهو الدّين.
وروى البخاري
عَنْ أَنَس بن مالك قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ،
وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ
الرِّجَالِ».
2- دعاء النبي بقضاء الدَّين والغنى من الفقر:
روى مسلم في
صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، كَانَ يَدْعُو عِنْدَ النَّوْمِ: «اللهُمَّ رَبَّ السَّماوَاتِ
السَّبْعِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ،
مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى،
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ
بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ لَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ
لَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ لَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ
الْبَاطِنُ لَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ
الْفَقْرِ».
3- إرشاد النبي أصحابه إلى أدعية لقضاء الدّين:
روى الترمذي
بسند حسنه الألباني عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ
عَجَزْتُ عَنْ مُكَاتَبَتِي فَأَعِنِّي، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ
عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ
عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ
اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ
سِوَاكَ».
وروى الطبراني
بسند حسنه الألباني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً
تَدْعُو بِهِ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْنًا لَأَدَّى اللَّهُ
عَنْكَ؟ قُلْ يَا مُعَاذُ، اللَّهُمَّ مَالِكُ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ
تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ،
وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
رَحْمَانُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تُعْطِيهُمَا مَنْ تَشَاءُ، وَتَمْنَعُ
مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ
سِوَاكَ».
وروى أبو داود
في سننه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ
الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا
لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟»، قَالَ: هُمُومٌ
لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكَ
كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟»،
قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «قُلْ: إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا
أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ
ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي».
أسباب معينة على قضاء الدّين
الدعاء باب من
أبواب الفرج، لكن من تمام الإيمان أن يُقرن بالدعاء أخذٌ الأسباب، ومن ذلك:
1- عدم
الاستدانة إلا لضرورة: لا يستدين المسلم في الكماليات والرفاهية وبلوغ الكفاية
التامة؛ بل لا يلجأ إلى الاستدانة إلا في الضرورات والاحتياجات التي لا غنى عنها،
ولا يستدين إلا بقدر الكفاف الذي يحفظ له الحياة، ويسد عنه الحاجة، ويكفيه
الضرورة.
2- تقليل
النفقات الخاصة: لا ينفق من ماله الذي يكتسبه إلا الجزء اليسير الذي لا تقوم
الحياة إلا به، ثم يؤدي الباقي كله للدائنين، فالمسلم يعلم أن الدائنين أولى بكل
ما زاد عن نفقته الضرورية، وهو لا يتهاون في أمر الدَّيْن، ولا ييأس من سداده
فينساه أو يقصر في البحث عن مخرج منه، فإن الدّين مذلة.
3- الاجتهاد في
الكسب الحلال والسعي الطيب: فإن الله يفتح للعبد أبواب الرزق والخير بالسعي
والعمل.
4- الصدق في
النية والعزيمة على السداد: روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ
أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ
اللهُ».
5- كثرة
الاستغفار: قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ
كَانَ غَفَّاراً {10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً {11}
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل
لَّكُمْ أَنْهَاراً) (نوح).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً