دفع البلاء ورعاية المبتلى.. بين مسؤولية الأمة ومقاصد الرعاية

دفع البلاء ورعاية المبتلى.. بين مسؤولية الأمة ومقاصد الرعاية

إذا كان جانبٌ كبير من الخطاب الديني حول البلاء يتوجه إلى المصاب بالسؤال عما ينبغي له من الصبر والرضا والاحتساب، فإن ثمة سؤالًا آخر لا يقل عنه شرعيةً ولا خطورة، وهو ما الذي يجب على من لم تصبه المصيبة تجاه من أصابته، فالشريعة لم تجعل المبتلى وحده مخاطبًا عند نزول البلاء، وإنما خاطبت الأمة المحيطة به، وجعلت لمصيبته حقوقًا في أموالها وطاقاتها ومواقفها وضمائرها؛ ومن الخطأ أن نحول فقه الابتلاء كله إلى تكاليفَ نُلقيها على كاهل الضحية، فنطالبها بالصبر والرضا والتوكل، بينما يبقى القادر على النصرة والإغاثة متفرجًا يكتفي بالدعاء، وهذا يجعلنا نتحدث عن مسئولية الأمة نحو هذا المبتلى أو رعاية هذا الممتحن أو نصرة هذا المظلوم، ومقاصد الشريعة في هذا كله.

أولًا: مسؤولية الأمة في دفع البلاء ونصرة المظلوم:

والقرآن يجعل نصرة المستضعفين تكليفًا لا هامشًا أخلاقيًّا زائدًا، فيقول سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (النساء: 75)، والآية لا تكتفي بوصف ألم المستضعفين، وإنما توجه العتاب إلى القادرين على نصرتهم؛ فكأن استغاثة المظلوم لا تنشئ مسؤولية على الظالم وحده، وإنما تستدعي كذلك مسؤولية كل من يملك قدرة مشروعة على رفع الظلم أو تخفيفه.

وقد صاغ النبي صلى الله عليه وسلم صورة الأمة في حديث لا يسمح للمؤمن بأن يكون متفرجًا محايدًا أمام جرح أخيه، فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(1)، والتعبير النبوي بالغ الدلالة، فلم يقل إن بقية الجسد تعرف أن العضو يتألم، ولا أنها تحزن لألمه فحسب، وإنما قال «تداعى له»، أي إن ألم الجزء يستنفر الكل، فتتحول المعرفة إلى استجابة، والشعور إلى حركة، والتعاطف إلى فعل.

ولهذا يتسع واجب الأمة في النوازل بقدر اتساع القدرة، فهناك طعام لمن جاع، ودواء لمن جرح، ومأوى لمن شرد، وكفالة لمن تيتم، وتعليم لمن انقطع عن مدرسته، وعلاج نفسي لمن حطمته الصدمة، وعمل لمن فقد مصدر رزقه، وإعادة إعمار لمن تهدم بيته، وهناك واجب الكلمة والإعلام والتوثيق والدفاع القانوني، وواجب الإصلاح السياسي والدبلوماسي، وواجب الضغط المشروع لوقف العدوان وفتح طرق الإغاثة وحماية المدنيين؛ وليس كل مسلم مكلفًا بكل هذه الواجبات، وإنما يكلف كل واحد بقدر استطاعته وموقعه وخبرته، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16).

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تفريج الكرب من أجل أبواب القرب، فقال: «من نفَّس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وقال في الحديث نفسه: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(2)؛ فالمؤمن لا يقف عند حدود التأثر بكربة أخيه، وإنما يسعى في تنفيسها، والفرق بين الأمرين هو الفرق بين عاطفة تمر بالقلب، ومسؤولية تتحول إلى فعل.

وتتفاوت المسؤولية بتفاوت القدرة، فصاحب المال ليس كالفقير، والطبيب ليس كغير الطبيب، والعالم ليس كالعامي، والإعلامي يملك ما لا يملكه غيره، وصاحب القرار السياسي يحمل من التبعة ما لا يحمله المواطن العادي، والمؤسسة القادرة على إغاثة الآلاف ليست كفرد لا يملك إلا القليل؛ ولهذا لا يستقيم أن تختزل واجبات الجميع في عبارة واحدة من قبيل «عليكم بالدعاء»، فالدعاء عبادة عظيمة، لكنه لا يعفي القادر من العمل الذي أقدره الله عليه، كما أن العمل لا يغني المؤمن عن الدعاء والافتقار إلى الله تعالى.

بل تلفت السُّنة النظر إلى أن الضعفاء الذين نظن أننا ننصرهم قد يكونون هم سبب نصر الأمة ورزقها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «هل تُنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»(3)، وفي هذا قلبٌ لموازين القوة المادية الصرفة، فالطفل الجائع، والأرملة المشردة، والشيخ العاجز، واللاجئ الذي لا يملك شيئًا، ليسوا أعباء هامشية على الأمة، وإنما لهم من الحق والحرمة والمنزلة ما يجعل القيام بشأنهم جزءًا من أسباب البركة والنصر والرزق.

وتقع على العلماء والدعاة في أزمنة الحروب مسؤوليةٌ مضاعفة؛ لأن الكلمة في زمن السلم قد تبقى رأيًا محدود الأثر، أما في زمن الدم فقد تتحول إلى رصاصة أو إلى حاجز يمنع الرصاصة؛ ولهذا ينبغي للعالم أن يكون صوتًا للشرع والعدل، لا لاصطفافه الحزبي أو القبلي أو السياسي، وأن يعظّم حرمة الدماء، ويحذر من التكفير والتحريض والثأر الجماعي، ويمنع توظيف النصوص في تبرير جرائم أي طرف، ويقف مع المظلوم بقدر ما تبين له الحق، ويسعى في الإصلاح حيث يمكن الإصلاح، ولا يحول الدعوة إلى المصالحة إلى باب لمساواة المعتدي بالمعتدى عليه.

وقد رسم القرآن منهج الإصلاح في النزاع المسلح بدقة بالغة، فقال سبحانه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9)، فالآية بدأت بالإصلاح، لكنها لم تجعل الإصلاح حيادًا أخلاقيًّا بين الباغي والمبغي عليه، بل أمرت برد الباغي عن بغيه، ثم أعادت الإصلاح بعد الفيئة إلى ميزان العدل؛ وهذا من أدق ما يحتاجه خطاب العلماء في الفتن، فالإصلاح الذي لا يقوم على العدل قد يوقف صوت السلاح مؤقتًا، لكنه يجمد الظلم ولا يعالجه.

ولا تقف واجبات النصرة عند حدود الجماعة المسلمة نفسها، بل يثور في زمن الحروب سؤال الاستعانة بغير المسلمين، وبالدول والمنظمات والمؤسسات الدولية، لرفع العدوان وحماية المدنيين وإغاثة المنكوبين، وهنا ينبغي تحرير المسألة من الإطلاقات والشعارات؛ لأن الشريعة تفرق بين الولاء العقدي وبين التعاون على مصلحة مشروعة، وقد قال سبحانه فيمن لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8)، فالعدل والتعاون الإنساني لا يسقطان لمجرد اختلاف الدين.

وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته بعبد الله بن أريقط دليلًا خريتًا، وكان على دين قومه(4)، وهذا أصلٌ في جواز الانتفاع بخبرة غير المسلم المأمون في العمل المشروع، كما عرف النبي صلى الله عليه وسلم حلف الفضول الذي تعاهدت فيه بطونٌ من قريش على نصرة المظلوم ورد المظالم، وأثنى عليه بعد البعثة، وأخبر أنه لو دعي إلى مثله لأجاب(5)؛ بما يؤكد أن التعاون على رد الظلم وإقامة العدل لا يُرفض لمجرد اختلاف الدين إذا خلا من المحظور الشرعي.

أما الاستعانة العسكرية بغير المسلمين فللفقهاء فيها تفصيل معروف، وليست من المسائل التي تحسن فيها الأحكام المطلقة، فقد تكلم الفقهاء في الحاجة، وأمن الخيانة، واستقلال القرار، وما يترتب على الاستعانة من المصالح والمفاسد كما ه مدون في كتب الحنفية والشافعية والحنابلة، وغيرهم، والمقصود: أن طلب الضغط الدولي لوقف قتل المدنيين، أو طلب الإغاثة الإنسانية، أو الاستفادة من الوساطة، أو اللجوء إلى المؤسسات القضائية الدولية، أو مطالبة الدول بممارسة نفوذها لوقف العدوان، لا يصح إدخاله تلقائيًّا في باب الولاء المحرم، وإنما ينظر في طبيعة الوسيلة ومقصدها وثمنها وآثارها ومآلاتها.

وهنا يظهر الميزان المقاصدي بأوضح صوره، فالشريعة جاءت بحفظ النفوس والحقوق والأموال والكرامة، والوسائل تقدر بمقدار ما تحققه من تلك المقاصد وما تستجلبه من مصالح أو تدفعه من مفاسد، وقد قرر العز بن عبد السلام أن مصالح الدنيا ومفاسدها تعرف في جانب كبير منها بالعقل والتجربة، وأن مدار الشريعة على تحصيل المصالح ودرء المفاسد(6)، كما قرر الشاطبي قاعدة جليلة بقوله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة»(7)؛ ولذلك لا يكفي في طلب النصرة صلاح النية وحده، وإنما لا بد من فقه الوسيلة وثمنها ونتيجتها ومآلها.

فإذا كانت استعانةٌ ما تُوقف قتل الأبرياء دون أن تفتح بابًا لمفسدة أعظم فهي غير استعانة تنتهي إلى احتلال أو هيمنة جديدة، وإذا كان التعاونُ الدولي يُعيد حقًا لأصحابه فهو غير اتفاق يسلبهم حقوقهم، وإذا كانت الوساطة توقف نزيف الدم على أساس العدل فهي غير تسوية تكافئ المعتدي على عدوانه، وإذا كان القضاء الدولي وسيلةً متاحة لملاحقة مرتكبي الجرائم فهو باب من أبواب الأخذ بالأسباب ما لم يستلزم تنازلًا محرمًا أو إقرارًا بباطل؛ فالفقه هنا ليس فقه أسماء وشعارات، وإنما فقه حقائق ومصالح ومآلات.

وفي غزة والسودان واليمن وليبيا وسائر مواطن المحن يتأكد هذا المعنى، فليس من المقبول شرعًا ولا أخلاقًا أن تتحول صورُ القتل والجوع والنزوح إلى مادة يومية يعتادها الناس حتى تفقد قدرتها على تحريك الضمير، وليس من المقبول أن يكون نصيبُ المسلم من مأساة أخيه لحظة حزن ثم انتقالًا إلى خبر آخر، فاعتياد المأساة صورة من صور موت الحس، والأمة التي أرادها النبي صلى الله عليه وسلم جسدًا واحدًا لا يمكن أن يصبح نزيفُ بعض أعضائها خبرًا عابرًا لبقية الجسد.

ويبدأ الواجبُ من سؤال يستطيع كل مسلم أن يطرحه على نفسه: ما الذي أملكه ويمكن أن أخدم به هذا المبتلى، فإن كان مالًا فبالمال، وإن كان علمًا فبالعلم، وإن كان طبًّا فبالطب، وإن كان إعلامًا فبالإعلام، وإن كان قانونًا فبالقانون، وإن كان نفوذًا سياسيًّا فليُستخدم في رفع الظلم، وإن كان قدرة على الإصلاح فليسعَ في الإصلاح، وإن لم يملك إلا الدعاءَ الصادق فلا يحتقر الدعاء؛ وإنما الخلل أن يملك الإنسانُ بابًا من أبواب النصرة ثم يغلقه على نفسه ويتذرع بأنه لا يملك شيئًا.

وبهذا يكتمل فقه الابتلاء في صورته الجماعية، فالمحنة ليست امتحانًا للمصاب وحده، وإنما امتحانٌ لمن يشاهده أيضًا، والجائع مُمْتَحَنٌ بجوعه، والغني ممتحن بجوع الجائع، والمظلوم ممتحن بثباته، والقادر ممتحن بنصرته، واليتيم ممتحن بفقده، والمجتمع ممتحن بكفالته، والمريض ممتحن بمرضه، والطبيب ممتحن بما آتاه الله من قدرة على علاجه؛ وبهذا يُصبح البلاءُ شبكةً من التكاليف المتبادلة، لا قدرًا فرديًّا مغلقًا على صاحبه.

ثانيًا: المقاصد الشرعية في رعاية المبتلى ونصرة المظلوم:

لا تقف مقاصد الشريعة في باب الابتلاء عند بناء قدرة الإنسان على الصبر والاحتمال، وإنما تتجه كذلك إلى حفظ المبتلى وترميم ما أصابت المحنةُ من كيانه وحياته وحقوقه، فالشريعة لا تريد إنسانًا يصبر على الجوع مع إمكان إطعامه، ولا مريضًا يحتسب ألمه مع القدرة على علاجه، ولا مشردًا يرضى بالقدر بينما يملك المجتمع إيواءه، ولا مظلومًا يحسن الصبر ويترك ظالمه يتمادى في عدوانه، وإنما تجمع بين بناء الإنسان من داخله ورفع البلاء عنه من خارجه، وبين تقوية روحه واستنفار الأمة لنصرته؛ ومن هنا يمكن ردُّ مقاصد الشريعة في التعامل مع المبتلى إلى مقصد جامع، هو حفظ الإنسان من أن تتحول المصيبة التي أصابت جانبًا من حياته إلى انهيار يستولي على حياته كلها.

وفي مقدمة هذه المقاصد حفظ الدين والإيمان من القنوط والسخط، فالبلاء قد يشتد حتى يزلزل القلب؛ ولهذا أحاط القرآن المبتلى بخطاب الرجاء والمعية والرحمة والبشارة، فقال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)، وقال سبحانه: (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) (الزمر: 53)، فالصبر والذكر والصلاة والدعاء ليست مجرد وسائل لتسكين الألم، وإنما أدوات لحماية البنية الإيمانية للإنسان حتى لا تفقده المحنة ثقته بالله ومعنى حياته وأمله فيما عند ربه.

ويتصل بذلك ثانيا: حفظ النفس والعقل والتوازن النفسي، فالمقصد الشرعي لا يتحقق بإبقاء المبتلى حيًّا فحسب، وإنما يقتضي دفعَ ما يمكن دفعه من أسباب الهلاك والمرض والخوف والصدمة، ولهذا كانت الإغاثة والإطعام والإيواء والتداوي والعلاج النفسي داخلة في صميم رعاية المبتلى، لا أمورًا هامشية تضاف إلى الوعظ بعد الفراغ منه، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(8)؛ فكل جهد يُعيد للمصاب أمنَه وصحتَه وتوازنَه وقدرته على مواصلة الحياة يحقق جانبًا من مقصد الشريعة في حفظ الإنسان.

ومن مقاصد الرعاية كذلك ثالثًا: حفظ الكرامة الإنسانية، فالمنكوب لا يفقد كرامته حين يفقد بيته أو ماله، واللاجئ لا يصبح أقلَّ إنسانية حين يحتاج إلى المأوى، والفقير لا ينبغي أن يدفع ثمن المعونة من ماء وجهه؛ ولذلك لا يكتمل فعل الإغاثة بمجرد إيصال الطعام والدواء، وإنما يكتمل حين يصلان في إطار يحفظ حرمة الإنسان ومشاعره وخصوصيته وحقه في الاختيار، فالله تعالى يقول: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، وهذه الكرامة أصلٌ سابق على الغنى والفقر، والأمن والنزوح، والقوة والضعف، ولا تسقط بحال من الأحوال.

ويأتي بعد ذلك رابعًا: مقصد حفظ الأسرة والنسيج الاجتماعي، فالحروب والكوارث لا تهدم البيوت الحجرية وحدها، وإنما قد تُمزق الأسر، وتُكثر الأيتام والأرامل، وتَقطع التعليم، وتُبدد شبكات الأمان الاجتماعي، ومن هنا تُصبح كفالةُ اليتيم، ورعاية الأرملة، ولمّ شمل الأسر، وتعليم الأطفال، وإعادة الناس إلى العمل والإنتاج، صورًا من إعادة بناء المجتمع نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى(9)؛ فالرعاية في المنظور الشرعي ليست معالجةً للحظة الطارئة وحدها، وإنما استعادة لقدرة الإنسان والأسرة على النهوض بعد المحنة.

غير أن المقصد الأشد اتصالًا بمسؤولية الأمة خامسًا هو إقامة العدل ورفع الظلم، فالشريعة لا تقصد إلى تدريب المظلوم على احتمال الظلم فحسب، وإنما تقصد إلى إزالة الظلم نفسه متى أمكن، قال تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: 41)؛ ولهذا تدخل في واجب النصرة الوسائلُ الإنسانية والقانونية والإعلامية والسياسية والدبلوماسية المشروعة، بحسب القدرة والمصلحة والمآل؛ لأن إطعام الجائع مقصد، لكن منع من يُجَوّعه مقصد كذلك، وعلاج الجريح واجب، لكن العمل على وقف اليد التي تجرحه أتمُّ في تحقيق مقصد الشريعة.

وتجتمع هذه المقاصدُ كلُّها في بناء التضامن وتحويل الأمة إلى جسد متكافل، فلا يبقى الابتلاء شأنًا فرديًّا يلقى صاحبه وحده، بل يُصبح امتحانًا للأمة في رحمتها وعدلها ووفائها، وهو المعنى الذي جسده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(10)؛ فمقصد الأخوة لا يتحقق بمجرد الشعور بألم الآخر، وإنما بأن يتحول هذا الشعور إلى نصرة وتكافل ودفع للضرر.

وهكذا يكشف النظر المقاصدي أن الشريعة تقيم حول المبتلى منظومة حماية متكاملة، تحفظ إيمانه من القنوط، ونفسه من الهلاك، وعقله من الاختلال، وكرامته من الامتهان، وأسرته من التفكك، وحقوقه من الضياع، ثم تستنفر الأمة لإزالة ما تستطيع إزالته من أسباب بلائه؛ فالصبرُ مقصدٌ تربوي في حق المبتلى، والرحمة مقصد إنساني في معاملته، والنصرة مقصد اجتماعي في حق الأمة، والعدل مقصد حاكم على ذلك كله، وبهذا لا يكون فقهُ الابتلاء فنًّا في تعليم الإنسان كيف يحتمل الجرح فقط، وإنما يصبح فقهًا في ترميم الإنسان، ورفع الظلم، واستعادة الحياة.

إن فقه المحنة في الإسلام لا يقف عند مطالبة المبتلى بالصبر، بل يمتد إلى ترميم قلبه ونفسه وحياته، ثم يلتفت إلى من حوله فيحملهم نصيبهم من المسؤولية، فالصبر ليس خنوعًا، والحزن ليس ضعفًا في الإيمان، والتداوي ليس نقصًا في التوكل، كما أن التعاطف مع المظلوم لا يُغني عن نصرته مع القدرة، والدعاء لا يسقط واجب المال أو الطب أو الكلمة أو القرار

والمبتلى في ميزان الشريعة ليس وحده، بل تحيط به عبودية الصبر من داخله، وواجب النصرة من خارجه؛ فإذا حفظ هو قلبه من القنوط، وحفظت الأمة حقه من الضياع، اجتمع للمحنة معناها التربوي والاجتماعي، وصار البلاء امتحانًا يَخرج منه الإنسانُ أكثر صلة بالله، وتخرج منه الأمةُ أكثر رحمة وعدلًا وتكافلًا، وتلك بعضُ دلالات الجسد الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكتفي بأن يشعر بألم عضوه، وإنما يتداعى كلُّه لإنقاذه والقيام بحقه.

الهوامش
  • 1 أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586).
  • 2 أخرجه مسلم في صحيحه (2699).
  • 3 أخرجه البخاري في صحيحه (2896).
  • 4 كما ثبت في حديث الهجرة الطويل الذي أخرجه البخاري، رقم (2264).
  • 5 قال عن الشيخ الألباني في تخريجه لأحاديث كتاب فقه السيرة للغزالي (72): "سند صحيح لولا أنه مرسل، ولكن له شواهد تقويه، وأخرجه الإمام أحمد مرفوعاً دون قوله، لو دعيت به في الإسلام لأحببت وسنده صحيح. أخرجه البيهقي (١٣٢١١)، وعلقه القرطبي (١٠/ ١٦٩)، وابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢/ ٢٩٣) جميعا باختلاف يسير".
  • 6 انظر: العز بن عبد السلام، (قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، مكتبة الكليات الأزهرية (1/ 10) وما بعدها.
  • 7 انظر: الشاطبي، (الموافقات)، دار ابن عفان (5/ 177).
  • 8 أخرجه مسلم (2699).
  • 9 أخرجه البخاري (6005).
  • 10 أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة