دمعة الفقْد وبسمة الفخر.. كيف نواسي أهالي الشهداء؟
لما أَتَى النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبر «مؤتة»، خَرَجَ إِلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ
اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ،
فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ
اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ
اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ
حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ
اللهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ».
ثُمَّ أَمْهَلَ
آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا
عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي
فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ»، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ فَأَمَرَهُ
فَحَلَقَ رؤوسنا»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي
طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُاللهِ فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي، ثُمَّ أَخَذَ
بِيَدِي»، فَشَالَهَا فَقَالَ: «اللهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ
وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ ثَلَاثًا».
ففي هذا الموقف
دعوة نبوية إلى مواساة أهالي الشهداء وتطييب خواطرهم، وليست المواساة لهم كلماتٍ
عابرةً تُقال، بل هي عبادة قلبية، ومشاركة وجدانية، ومواقف إنسانية تُعبّر عن وعي
الأمة بأن من قدّموا أبناءهم للسماء، قدموهم ليرتفع شأن الإسلام ودعوته في
العالمين.
وقد رغب الإسلام
في مواساة أهالي الشهداء، ويتبين ذلك فيما يأتي:
1- التعزية:
جعل الإسلام
التعزية وسيلة لتسلية أهل الميت، وقد رغب فيها بأشكال مختلفة، ففي سنن ابن ماجة
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ»، وروى ابن
ماجة بسند حسنه الألباني عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ؛ إِلَّا
كَسَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وروى
الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ».
2- تذكير أهل الشهيد بأجره عند الله:
روى الترمذي
بسند حسنه الألباني عَنْ جَابِر بْن عَبْدِاللَّهِ، قال: لَقِيَنِي رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ، مَا لِي
أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ
عِيَالًا وَدَيْنًا.
قَالَ: «أَفَلَا
أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ
اللَّهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ
حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ
عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ
الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا
يُرْجَعُونَ»، قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي
سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169}
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ
يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ {170} يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ
اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران).
إنها رسالة
إيمانية تُذكّر أهل الشهيد بأن الفقد في الأرض لقاء في السماء، وأن الله اختص من
لقي ربه منهم بكرامة لا ينالها إلا الصفوة من عباده.
3- الرعاية المعنوية:
تظهر المواساة
لأهل الشهيد في الرعاية المعنوية لأهله، من خلال الزيارة والدعاء والسؤال
والملاطفة، ومن ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت جعفر بن أبي طالب،
حيث تحدث إلى أولاده بما سبق في الحديث.
4- الرعاية المادية:
رغب الإسلام في
الرعاية المادية لمن فقدوا آباءهم ومن يعولهم، ورتب على ذلك الثواب الجزيل، ففي
صحيح البخاري عن سَهْل بْن سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»،
وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
5- التكريم الاجتماعي والإحياء الإعلامي:
من مظاهر
المواساة لأهل الشهيد أن يشهدوا تكريمه واحتفاء الناس به ومذاكرة سيرته والحديث عن
بطولاته وعظيم أجره وثوابه، ويكون ذلك بذكر اسم الشهيد وأهله في مواضع الفخر لا
النسيان، وتحويل قصص الشهداء إلى رموز للثبات والإلهام.
إن الأمة التي
تحسن مواساة شهدائها هي الأمة التي تحسن الوفاء لدمائهم، وتواصل طريقهم بالعمل
والعلم والجهاد في كل ميدان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً