دول الخليج.. بين طموحات النهوض الحضاري والتحديات الراهنة

تمثل الأزمات -في كثير من الأحيان- نقاط تحوّل، وتؤسس لمراحل جديدة من النهوض، وقد بنى أرنولد توينبي نظريته «التحدي والاستجابة» على أن كل تطور حضاري يأتي من قدرته على الاستجابة للتحدي المفروض عليه، وهو قريب من معنى قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251).

فالأزمات التي تواجهها الأمم تكشف مواطن الضعف عندها، وتخلق الدوافع للتغيير؛ إذ بدونه تبدأ سلسلة التراجع والانهيار، وتدفع إلى المقدمة النخب القادرة على تلبية احتياجات أممها في أوقات الخطر.

ولنا في دروس التاريخ عبرة.

فقد كانت مواجهة قوى مكة التي قادها أبو جهل لحرب المسلمين يوم «بدر» أزمة حادة، بل أزمة وجودية عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، وتمنى المؤمنون لو عافاهم الله من مواجهة الامتحان القاسي، لكن أقدار الله كانت تقودهم إلى فرقان كبير مكن لهم في الأرض، ورسّخ وجود دولتهم، فكان قدر الله لهم خيرًا مما رجوا؛ (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ {7} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (الأنفال).

وكان ابتلاؤهم عظيماً يوم غزتهم الأحزاب في المدينة بجموع لا عهد للعرب بها، يريدون استئصال شأفة الإسلام، وبلغت القلوب الحناجر، فلما جاوزوه انبعثوا إلى مرحلة جديدة، يغزون عدوهم ولا يغزوهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»، فكانت نقلة من تهديد وجودي إلى تحول إستراتيجي.

ولما سقطت بغداد على أيدي التتار عام 656هـ، دمر الغزاة كل مظاهر الحضارة، وتحولت عاصمة العباسيين إلى قفر موحش بالأشباح والموتى، وانهارت الخلافة التي ملأت الدنيا فتحًا ونورًا، لكن الأمة انتفضت، وبعد نحو عامين كان المماليك يهزمون التتار، وينقذون البشرية من همجيتهم، ويعيدون مسمى الخلافة لتنبعث من القاهرة في طور جديد.

لكن دولة الإسلام في الأندلس -التي جددت أطوارها مرات على أيدي الأمويين، ثم المرابطين فالموحدين، ثم بني مرين- لم تجد في أخريات حياتها من يجدد أطوارها، ومن يستجيب للتحدي المفروض عليها، فانهارت بعد 8 قرون من الحضارة الزاهية، والمجد الباذخ.

ولم تجد خلافة العثمانيين في القسطنطينية من يجددها، ويمدها بأسباب البقاء، تلفتت تبحث عن محمد الفاتح، أو سليمان القانوني فلم تجد، كما لم تحد أبا السعود أفندي الفقيه، ولا المعماري سنان، بل لم تجد إلا من قزموا مجدها، واختصروا مساحتها، ورضوا بالدنية في دينهم، وشغلوها بالقوميات، وفتحوا أبوابها للماسونية والصهيونية، فزالت دولة الخلافة، وانفتح باب لم يسد للانهزام الحضاري والسياسي!

لم تكن سنة التداول قاصرة على تاريخ الإسلام، فهي عامة محكمة، (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، وسنة الاستبدال لا تتخلف، قال تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد: 38)، ومسيرة الترف والدعة لا تنتهي إلا بالسقوط كما قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) (القصص: 58)، وقال سبحانه: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16)، والظلم مرتعه وخيم، وقد قال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً) (الكهف: 59).

تلك سنن عامة تحكم قبضتها على البر والفاجر، والأمم المؤمنة والكافرة، قال ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بالعـدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.

بالعدل والعلم أقام ذو القرنين دولته العالمية، كما حكى القرآن الكريم، وبهما قامت دول معاصرة بعد انحطامها، حتى قيل: لا تقوم، فقامت ألمانيا، وانبعثت اليابان، بعدما دمرتهما الحرب العالمية الثانية، إذ قابلتا التحدي بالاستجابة المكافئة.

وإن إمكانات النهوض في الخليج العربي أعظم منها في نماذج تاريخية كثيرة مرت بأدوار خفض ورفع، وأطوار نصر وهزيمة، وكسرت حصار الأزمات التي حاصرتها، فلدينا موارد مالية قادرة على تعويض الخسارة الطارئة الناجمة عن الحرب التي فرضت علينا، ولدينا أرصدة لا يستهان بها في بنوك الغرب، وفي صناديقه السيادية، ولدينا بنية تحتية متميزة صالحة للبناء عليها.

ولدينا -قبل ذلك كله- الإنسان العربي الذي ما زال مرتبطًا بدينه، يحاول الحفاظ على متانة بنائه الأخلاقي -وإن بدا عليه اللين والضعف بسبب مؤثرات الحداثة والإعلام- ولديه إيمان بعلو دينه، واعتزاز بعروبته، ويقين بأن النصر بيد الله، وأنه ينصر من ينصره؛ (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)، وإدراك بأن سنن الله ماضية، وأن النصر والهزيمة يتعاقبان، فالأيام دُوَل، وسنن الغَلَبة لم تحتكرها أمة من الأمم.

ونحن نعيش في عالم يتشكل من جديد، تضطرب فيه موازين القوى، وتخوض اختبارات سيكون لها ما بعدها، وتعيد النظر في تحالفاتها وفق حسابات القوة والضعف، فتنفض لتعيد التموضع، وفي كل هذا نستطيع أن نجد مكانًا لائقًا في عالم الغد، بشرط أن نجيد التوافق مع هويتنا الحضارية، والتعبير عن طموحات شعوبنا، وحقها في حياة أفضل، وتمتلك الإرادة السياسية الواعية لتؤكد استقلالها الإستراتيجي، وتعيد توظيف قدراتها ومواردها، وبناء اقتصاد المعرفة، والتكامل مع محيطها العربي والإسلامي، وقراءة المشهد العالمي بتداعياته، فإن معطيات الواقع ومؤشرات المستقبل لا تمنح مكانة إلا لمن يجيدون انتزاعها، ويدفعون أثمان ذلك.


اقرأ أيضا

قوى النهوض وأعمدة الحضارات

النهضة من الفعل الفردي إلى المشروع المجتمعي

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة